الفصل التاسع: ورد في النهي عن البيع في المسجد
٢٣٢ - (١) عن عبد الله بن عمرو ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن الشراء والبيع في المسجد، وأن تنشد فيه ضالةً، وأن ينشد فيه شعرٌ، ونهى عن التحلق قبل الصلاة يوم الجمعة".
رواه أبو داود١ واللفظ له، والترمذي٢، والنسائي٣، وابن ماجه٤، وابن أبي شيبة٥، وأحمد٦، وابن خزيمة٧، والبيهقي٨. كلهم من طرقٍ عن محمد بن عجلان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عنه به.
وقد تابع محمد بن عجلان أسامة بن زيد الليثي كما عند أحمد٩، ولفظه: "نهى رسول الله ﷺ عن البيع والاشتراء في المسجد".
قال الترمذي بعد روايته لهذا الحديث: "حديث حسن".
وهو كما قال. فقد تقدم١٠ أن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده الراجح فيه أنه من قبيل الحديث الحسن.
_________________
(١) ١ سنن أبي داود [كتاب الصلاة (١/٥١)] . ٢ جامع الترمذي [كتاب الصلاة (٢/١٣٩)] . ٣ سنن النسائي [كتاب المساجد (٢/٤٧-٤٨)] . ٤ سنن ابن ماجه [كتاب المساجد (١/٢٤٧)] . ٥ المصنف (٢/٣٠٩) . ٦ المسند (٢/١٧٩) . ٧ صحيح ابن خزيمة (٢/٢٧٤) . ٨ السنن الكبرى (٢/٤٤٨) . ٩ المسند (٢/٢١٢) . ١٠ تقدم عند حديث رقم (٣) .
[ ٢ / ٦٩٥ ]
إلا أن إسناد هذا الحديث يرتقي إلى الصحيح بالنظر إلى شاهده الذي سيأتي بعد هذا الحديث، وهو حديث أبي هريرة ﵁، والله أعلم.
٢٣٣ - (٢) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد فيه ضالةً فقولوا: لا ردّ الله عليك".
رواه الترمذي١، والدارمي٢، والنسائي في الكبرى٣، وابن الجارود٤، وابن خزيمة٥، ومن طريقه ابن حبان٦، والطبراني في الأوسط٧، والحاكم٨، والبيهقي٩. كلهم من طرقٍ عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي، أخبرنا يزيد بن خصيفة عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عنه به.
قال الترمذي: "حديث حسن غريب".
وقال الحاكم: "حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرّجاه".
ورجال الإسناد كلهم ثقات ما عدا الدراوردي فقد تقدم١٠ أنه صدوق.
_________________
(١) ١ جامع الترمذي [كتاب البيوع (٣/٦١٠-٦١١)] . ٢ سنن الدارمي (١/٣٧٩-٣٨٠) . ٣ السنن الكبرى (٦/٥٢) . ٤ المنتقى - المطبوع مع تخريجه غوث المكدود - (٢/١٥٦) . ٥ صحيح ابن خزيمة (٢/٢٧٤) . ٦ الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان (٤/٥٢٨) . ٧ المعجم الأوسط (٣/٩٧-٩٨) . ٨ المستدرك (٢/٥٦) . ٩ السنن الكبرى (٢/٤٤٧) . ١٠ تقدم عند حديث رقم (١٤١) .
[ ٢ / ٦٩٦ ]
إلا أنه قد اختلف عليه، فرواه عارم١، وابن المديني٢، والحسن بن أبي زيد الكوفي٣، والنفيلي٤، وعبد الله الحجبي٥، ومحمد بن أبي بكر٦، كلهم عنه موصولًا.
ورواه سعيد بن منصور، وعبد الأعلى بن حماد عنه مرسلًا كما قال الدارقطني٧. وغير الدراوردي يروي هذا الحديث عن يزيد بن خصيفة مرسلًا، منهم: سفيان الثوري٨، ومحمد بن جعفر بن أبي كثير٩. قال الطبراني في الأوسط: "لم يرو هذا الحديث عن يزيد بن خصيفة متصل الإسناد إلا الدراوردي".
وقد رجح الدارقطني في هذا الحديث الإرسال وقال: هو الصواب١٠.
فمما تقدم يتبين أن الراجح في هذا الحديث الإرسال. إلا أنه يشهد له الحديث السابق. والله أعلم.
وروى هذا الحديث الطبراني في الكبير١١، ومن طريقه أبي نعيم في معرفة الصحابة١٢، من طريق محمد بن حمير عن عباد بن كثير عن يزيد بن
_________________
(١) ١ رواه عنه الترمذي والحاكم. ٢ رواه عنه النسائي في الكبرى. ٣ رواه عنه الدارمي. ٤ رواه عنه ابن الجارود وابن خزيمة. ٥ رواه عنه الطبراني في الأوسط. ٦ رواه عن البيهقي في السنن الكبرى. ٧ العلل (١٠/٦٥) . ٨ مصنف عبد الرزاق (١/٤٤١)، الدعاء للطبراني (٣/١٤٢٠) . ٩ تاريخ المدينة، لابن شبة (١/٣١) . ١٠ العلل (١٠/٦٥) . ١١ المعجم الكبير (٢/١٠٣-١٠٤) . ١٢ معرفة الصحابة (٣/٢٨٨) .
[ ٢ / ٦٩٧ ]
خصيفة عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن أبيه عن جده به بنحوه. وزاد في أوله: "من رأيتموه ينشد شعرًا في المسجد فقولوا: فضَّ الله فاك ثلاث مراتٍ". وقد خالف عباد بن كثير غيره من الرواة عن يزيد بن خصيفة.
وعباد بن كثيرٍ هذا الظاهر أنه الرملي الفلسطيني؛ لأن الراوي عنه شامي، وكذلك فإن كلام الحافظ يدل على هذا، فإنه لما ذكر هذا الحديث قال: "عباد فيه ضعف"١، ولو كان يرى أنه عباد بن كثير البصري لقال فيه "متروك" كما هو معلوم من ترجمته.
وعباد بن كثير الرملي الفلسطيني، وثقه ابن معين. وقال البخاري: فيه نظر. وقال أبو حاتم: ظننت أنه أحسن حالًا من عباد بن كثير البصري، فإذا هو قريب منه، ضعيف الحديث. وقال النسائي: ليس بثقة. واتهمه الحاكم بالوضع٢.
وجعله ابن حجر في مرتبة "ضعيف"٣.
فعلى هذا فإن رواية عباد بن كثير هذه منكرة. لمخالفته غيره من الرواة عن يزيد ابن خصيفة. والله أعلم.
٢٣٤ - (٣) عن ابن عمر - ﵄ - عن رسول الله ﷺ قال: "خصالٌ لا تنبغي في المسجد: لا يتخذ طريقًا، ولا يشهر فيه سلاح، ولا ينبض فيه قوس، ولا ينشر فيه نبل، ولا يمر فيه بلحم نيءٍ، ولا يضرب فيه حدٌّ، ولا يقتص فيه من أحدٍ، ولا يتخذ سوقًا".
_________________
(١) ١ الإصابة (١/٢٠٤) . ٢ تهذيب التهذيب (٥/١٠٢) . ٣ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٣١٤٠) .
[ ٢ / ٦٩٨ ]
رواه ابن ماجه١ واللفظ له، وابن حبان٢، وابن عدي٣، ومن طريقه ابن الجوزي٤. كلهم من طريق زيد بن جبيرة الأنصاري عن داود بن حصين عن نافعٍ عنه به.
وزيد بن جبيرة - بفتح الجيم وكسر الموحدة٥- الأنصاري. قال فيه ابن معين: لا شيء. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال أيضًا: متروك الحديث. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، منكر الحديث جدًا، متروك الحديث، لا يكتب حديثه. وقال النسائي: ليس بثقة٦. وجعله ابن حجر في مرتبة "متروك"٧.
فمما سبق يتبين أن إسناد هذا الحديث ضعيف جدًا. والله أعلم.
٢٣٥ - (٤) عن واثلة بن الأسقع ﵁ أن النبي ﷺ قال: "جنِّبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وشراركم وبيعكم وخصوماتكم ورفع أصواتكم".
رواه ابن ماجه٨ من طريق الحارث بن نبهان عن عتبة بن يقظان عن أبي سعيد عن مكحول عنه به.
_________________
(١) ١ سنن ابن ماجه [كتاب المساجد (١/٢٤٧)] . ٢ المجروحين (١/٣١٠) . ٣ الكامل (٣/٢٠٢) . ٤ العلل المتناهية (١/٤٠٣) . ٥ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٢١٢٢) . ٦ تهذيب التهذيب (٣/٤٠١) . ٧ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٢١٢٢) . ٨ سنن ابن ماجه [كتاب المساجد (١/٢٤٧)] .
[ ٢ / ٦٩٩ ]
والحارث بن نبهان هو الجرمي، وقد تقدم١ أنه متروك.
وأبو سعيد المذكور في هذا الإسناد هو محمد بن سعيد المصلوب كما قال البوصيري٢. ومحمد بن سعيد هذا قال فيه أحمد: قتله أبو جعفر في الزندقة، حديثه حديث موضوع. وقال أيضًا: عمدًا كان يضع الحديث. وقال ابن معين: منكر الحديث. وليس كما قالوا أنه صلب في الزندقة. وقال البخاري: ترك حديثه. وكذبه ابن نمير والنسائي٣.
فعلى هذا فإن إسناد هذا الحديث موضوع. والله أعلم.
وقد جاء الحديث من وجهٍ آخر أيضًا عن مكحول، إلا أنه ضعيف جدًا. فقد رواه العقيلي٤ - ومن طريقه ابن الجوزي٥ - والطبراني في الكبير٦، وابن عدي٧، والبيهقي٨، كلهم من طرقٍ عن أبي نعيم النخعي عن العلاء بن كثير عن مكحول عن أبي الدرداء وأبي أمامة وواثلة ﵃ به بنحوه، وليس عندهم محل الشاهد وهو النهي عن البيع في المسجد. والعلاء بن كثير تقدم أنه متروك٩.
فمما تقدم يتبين أن إسناد هذا الحديث ضعيف جدًا. والله أعلم.
_________________
(١) ١ تقدم عند حديث رقم (٥٨) . ٢ مصباح الزجاجة (١/٢٦٥) . ٣ تهذيب التهذيب (٩/١٨٥-١٨٦) . ٤ الضعفاء (٣/٣٤٨) . ٥ العلل المتناهية (١/٤٠٤) . ٦ المعجم الكبير (٨/١٣٢) . ٧ الكامل (٥/٢١٩) . ٨ السنن الكبرى (١٠/١٠٣) . ٩ تقدم عند حديث رقم (٨٨) .
[ ٢ / ٧٠٠ ]
٢٣٦ - (٥) عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "جنبوا مساجدكم مجانينكم، وصبيانكم، ورفع أصواتكم، وسل سيوفكم، وبيعكم وشراءكم، وإقامة حدودكم، وخصومتكم، وجمّروها يوم جُمَعكم، واجعلوا مطاهركم على أبوابها".
رواه عبد الرزاق١ واللفظ له، والطبراني في الكبير٢، كلاهما من طريق محمد ابن مسلم الطائفي عن عبد ربّه بن عبد الله الشامي عن مكحول عنه به. وذكر الطبراني بين عبد ربه بن عبد الله ومكحول يحيى بن العلاء.
ورواه الطبراني في مسند الشاميين٣ بهذا الإسناد إلا أنه جعل يحيى بن العلاء بين مكحول ومعاذ.
وعبد ربه بن عبد الله الشامي بحثت عنه في كتب الجرح والتعديل، فلم أقف له فيها على ذكرٍ.
ثم تبيّن أنه هو محمد بن سعيد المصلوب الذي تقدم ذكره في الحديث السابق. وأن الرواة عنه كانوا يغيرون اسمه سترًا له وتدليسًا لضعفه٤. فقد قال العقيلي: يغيرون اسمه إذا حدثوا عنه - ثم ذكر بعض الأسماء التي كان يسمى بها -، قال: وربما قالوا: عبد الله وعبد الرحمن وعبد الكريم، وغير ذلك على معنى التعبيد لله، وينسبونه إلى جده، ويكنون الجد، حتى يتسع الأمر جدًا في هذا، وبلغني عن بعض أصحاب الحديث أنه قال: يقلب اسمه على نحو مائة اسم، وما أبعد أن يكون كما قال. وقال عبد الغني بن سعيد المصري نحو ذلك.
_________________
(١) ١ المصنف (١/٤٤١-٤٤٢) . ٢ المعجم الكبير (٢٠/٤٤٢) . ٣ مسند الشاميين (٤/٣٧٤) . ٤ ميزان الاعتدال (٥/٧) .
[ ٢ / ٧٠١ ]
وقال أبو طالب بن سوادة: قلب أهل الشام اسمه على مائة وكذا وكذا أسماء قد جمعتها في كتاب١.
فعلى هذا فيكون عبد ربه بن عبد الله الشامي من الأسماء التي قلب إليها اسم محمد بن سعيد المصلوب.
ومما يؤيد هذا أن هذا المتن تقدم نحوه عنه من طريق مكحول، كما في الحديث السابق.
فمما تقدم يتبين أن هذا الحديث موضوع بهذا الإسناد. والله أعلم.
_________________
(١) ١ تهذيب التهذيب (٩/١٨٥-١٨٦) .
[ ٢ / ٧٠٢ ]
دلالة الأحاديث السابقة:
يستفاد مما تقدم النهي عن البيع والشراء في المسجد؛ لأن المساجد لم تبن لهذا.
وقد حكى الترمذي في جامعه قولين لأهل العلم في كراهة البيع في المسجد١. وممن قال بالكراهة الشافعي٢، وأحمد٣. وللشافعي قول ضعيف أنه لا يكره البيع والشراء فيه٤.
والكراهة عند الحنابلة كراهة تحريم٥. فإن باع فالبيع صحيح؛ لأن البيع تم بأركانه وشروطه، وكراهة ذلك عندهم لا توجب الفساد كالغش في البيع والتدليس والتصرية٦.
_________________
(١) ١ جامع الترمذي (٣/٦١١) . ٢ المجموع (٢/١٧٩)، (٦/٤٦٠) . ٣ المغني (٤/٣٣٧) . ٤ المجموع (٢/١٧٩)، (٦/٤٦٠) . ٥ فتح الباري - لابن رجب - (٣/٣٤٧) . ٦ المغني (٤/٣٣٧) .
[ ٢ / ٧٠٣ ]
الخاتمة
اللهم لك الحمد على ما يسرت وأعنت كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك وكريم امتنانك، ما كان من نعمة بي أو بأحدٍ من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر، لا إله إلا أنت، اللهم كما يسرت هذا العمل فتقبله مني أحسن القبول وأتمه يا كريم، وانفعني به وإخواني المسلمين.
- وقد اشتمل البحث على ستين بيعًا تقريبًا من البيوع التي ورد النهي عنها، وكان عدد الأحاديث الواردة في هذا الموضوع حسب ما وقفت عليه (٢٣٦ حديثًا)، الثابت منها (١٤٢ حديثًا)، منها (٦١ حديثًا) في الصحيحين أو أحدهما، و(٢٩ حديثًا) صحيحًا في غيرهما، و(٥٢ حديثًا) حسنًا. وغير الثابت (٩٤ حديثًا)، منها (٥٠ حديثًا) ضعيفًا، و(٤٤ حديثًا) ضعيفًا جدًا.
- ومن النتائج التي وقفت عليها في البحث، هي الفائدة التي أشرت إليها في منهج تخريج الأحاديث، وهي عدم اقتصاري في تخريج الحديث على الصحيحين إن كان الحديث فيهما، بل أخرج من غيرهما متلمسًا الفوائد اللفظية والإسنادية منها. فكم من حديثٍ يرويه البخاري ومسلم أو أحدهما ويكون عند غيرهما زيادات في المتن، أو فائدة في الإسناد، كمتابعة أو غيرها، ففي الاقتصار على الصحيحين تفويت لهذه الفوائد.
[ ٢ / ٧٠٥ ]
وقد كنت في تخريجي للأحاديث أمتثل قول الإمام الحافظ عبد الرحمن بن مهدي - ﵀ -: "الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤه"١. وقد رأيت هذا جليًا في بعض أحاديث الرسالة.
فكم من حديث ظاهره الصحة، ولكن عند جمع طرقه يتبين خطأ بعض رواته فيه.
- ومن النتائج أيضًا أني لم أقف على بيع من البيوع المنهي عنها إلا وهو داخل في العلل التي ذكرها الفقهاء في تحريم البيع، وعلى هذه العلل قسمت أبواب الرسالة.
وفي الختام أسأل الله ﷿ أن يحسن خاتمتنا في الأمور كلها، وأن يجيرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، إنه سميع مجيب.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت
أستغفرك وأتوب إليك
_________________
(١) ١ تدريب الراوي (١/٢٥٣) .
[ ٢ / ٧٠٦ ]