٤٩ - (١) عن ابن عمر - ﵄ - أن النبي ﷺ قال: "المدبر لا يباع، ولا يوهب، وهو حر من الثلث".
رواه الدارقطني١ من طريق عبيدة بن حسان، عن أيوب، عن نافع عنه به.
وقال: "لم يسنده غير عبيدة بن حسان، وهو ضعيف، وإنما هو عن ابن عمر - ﵄ - موقوف من قوله".
ثم روى بإسناده عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر - ﵄ - أنه كره بيع المدبر. وقال: "هذا هو الصحيح موقوف".
وعبيده٢ بن حسان الذي تفرد برواية الرفع عن أيوب قال فيه أبو حاتم: منكر الحديث. وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات٣.
فعلى هذا فإن رواية الرفع منكرة.
وقد جاء الحديث من وجه آخر مختصرًا. فقد رواه ابن ماجه٤، والعقيلي٥، وابن عدي٦، والدارقطني٧، كلهم من طرق عن علي بن
_________________
(١) ١ سنن الدارقطني (٤/١٣٨) . ٢ قال ابن حجر في لسان الميزان (٤/١٢٥): "بالفتح" أي بفتح العين. ٣ المرجع السابق. ٤ سنن ابن ماجه [كتاب العتق (٢/٨٤٠) . ٥ الضعفاء (٣/٢٣٤) . ٦ الكامل (٥/١٨٨) . ٧ سنن الدارقطني (٤/١٣٨) .
[ ١ / ١٦٧ ]
ظبيان، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع عنه به بلفظ: "المدبر من الثلث".
وقد ذكر ابن ماجه عقب إخراجه للحديث أن عثمان بن أبي شيبة- شيخه في هذا الحديث - أنه قال عن هذا الحديث: "هذا خطأ".
وقال العقيلي: "لا يعرف إلا به" - أي بعلي بن ظبيان -.
وقال الدارقطني في العلل: "غير ابن ظبيان يرويه موقوفًا"١.
وعلي بن ظبيان٢ هذا قال فيه ابن معين وأبو داود: ليس بشيء. وقال ابن معين في رواية: كذاب خبيث ليس بثقة. وقال أبو حاتم والنسائي: متروك الحديث. وقال ابن المديني: حدثنا بثلاثة أحاديث مناكير - وذكر منها هذا الحديث -. وذكر ابن محرز هذا الحديث من مناكيره. وذكر الشافعي عن علي بن ظبيان هذا أنه قال: كنت أرفعه - يعني هذا الحديث - فقال لي أصحابي: لا ترفعه٣.
وقد تساهل فيه الحافظ ابن حجر فجعله في مرتبة ضعيف٤. والذي يظهر لي من أقوال الأئمة فيه أنه ضعيف جدًا. والله أعلم.
وقد ذكر هذا الحديث لأبي زرعة من هذا الطريق، فقال: هذا حديث باطل. وامتنع من قراءته٥.
_________________
(١) ١ نصب الراية (٣/٢٨٥) . ٢ قال ابن حجر في التقريب: رقم الترجمة (٤٧٥٦): "بمعجمة مفتوحة ثم موحدة ساكنة". أي بفتح الظاء وسكون الباء. ٣ تهذيب التهذيب (٧/٣٤٢) . ٤ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٤٧٥٦) . ٥ علل ابن أبي حاتم (٢/٤٣٢) .
[ ١ / ١٦٨ ]
وذكر ابن أبي حاتم أنه قد رواه خالد بن إلياس عن نافع عن ابن عمر - ﵄ - موقوفًا١.
وقد رجح الدارقطني الموقوف أيضًا٢.
فمما سبق يتبين أن الحديث منكر من طريقيه. والمعروف فيه أنه عن ابن عمر - ﵄ - موقوفًا عليه. والله أعلم.
_________________
(١) ١ علل ابن أبي حاتم (٢/٤٣٢) . ٢ نصب الراية (٣/٢٨٥) .
[ ١ / ١٦٩ ]
دلالة الحديث السابق:
التدبير: هو تعليق عتق العبد بالموت، وسمي العتق بعد الموت تدبيرًا؛ لأنه إعتاق في دبر الحياة١.
والحديث الذي سبق ذكره في هذا الفصل في النهي عن بيع المدبر حديث ضعيف كما تقدم. وأخذ المالكية بما يدل عليه الحديث، فقالوا بالنهي عن بيع المدبر٢، ولأن بيعه مخالف للعتق. وقد وافقهم الحنفية٣ على قولهم إذا كان التدبير معلقًا بالموت، وأما إذا كان مقيدًا، مثل قوله: إذا قدمت من سفري فأنت حر، فيجوز بيعه عندهم.
وقال الشافعي٤، وأحمد٥ في رواية: يجوز بيع المدبر مطلقًا؛ سواء أكان محتاجًا إلى ثمنه أم لا، وهو قول عائشة - ﵂ -، ومجاهد، وطاوس، وعمر بن عبد العزيز٦.
وقال الحسن، وعطاء٧، وأحمد٨ في رواية: يجوز بيعه إذا احتاج إلى ثمنه.
واستدل الشافعي وأحمد على جواز بيع المدبر مطلقًا بحديث جابر بن عبد الله - ﵄ - قال: "أعتق رجل منا عبدا له عن دبر، فدعا النبي ﷺ به فباعه". متفق عليه٩ واللفظ للبخاري.
_________________
(١) ١ المغني (١٢/٣٠٧)، المطلع على أبواب المقنع (ص٣١٥-٣١٦) . ٢ حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (٤/٣٨٣) . ٣ البناية (٧/١٩٣-١٩٤)، شرح فتح القدير (٦/٤٠٦-٤٠٧) . ٤ المجموع (٩/٢٣٢) . ٥ المغني (١٢/٣١٦) . ٦ المجموع (٩/٢٣٢) . ٧ المرجع السابق. ٨ المغني (١٢/٣١٦) . ٩ صحيح البخاري - مع الفتح -[كتاب العتق (٥/رقم ٢٥٣٤)]، صحيح مسلم [كتاب الزكاة (٢/١٢٩٢-١٢٩٣)، كتاب الأيمان (٣/١٢٨٨-١٢٨٩)] .
[ ١ / ١٧٠ ]
إلا أن في لفظ البخاري: "أن رجلًا أعتق غلامًا له عن دبر فاحتاج "١ الحديث.
ورواه النسائي بلفظ: "أعتق رجل من الأنصار غلامًا له عن دبر، وكان محتاجًا، وكان عليه دين، فباعه رسول الله ﷺ بثمانمائة درهم، فأعطاه فقال: "اقض دينك وأنفق على عيالك"٢.
فهاتان الروايتان ونحوهما تؤيدان مذهب من علق الجواز بالحاجة إلى ثمنه. وهو أولى الأقوال؛ لأن فيه جمعًا بين الأدلة. والله أعلم.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري - مع الفتح -[كتاب البيوع (٤/٢١٤١)] . ٢ سنن النسائي [كتاب آداب القضاة (٨/٢٤٦)] .
[ ١ / ١٧١ ]