١١٥ - (١) عن ابن عمر - ﵄ - قال: "نهى رسول الله ﷺ عن عَسْب الفحل".
رواه البخاري١، وأبو داود٢، والترمذي٣، والنسائي٤، وأحمد٥، كلهم من طرقٍ عن علي بن الحكم عن نافع عنه به. قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
ولفظ أحمد: "نهى عن ثمن عسب الفحل".
وذكر الحاكم هذا الحديث بهذا الإسناد في المستدرك٦، وقال عقبه: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه".
وقد وهَّمَ الزيلعيُّ٧ وابنُ حجر٨ الحاكمَ في استدراكه لهذا الحديث لإخراج البخاري له.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري - مع الفتح -[كتاب الإجارة (٤/رقم ٢٢٨٤)] . ٢ سنن أبي داود [كتاب البيوع (٣/٧١١-٧١٢)] . ٣ جامع الترمذي [كتاب البيوع (٣/٥٧٢)] . ٤ سنن النسائي [كتاب البيوع (٧/٣١٠)] . ٥ المسند (٢/١٤) . ٦ المستدرك (٢/٤٢) . ٧ نصب الراية (٤/١٣٥) . ٨ التلخيص الحبير (٣/١١) .
[ ١ / ٣٤٥ ]
١١٦ - (٢) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن عسب الفحل".
رواه النسائي١ واللفظ له، وابن أبي شيبة٢، والدارقطني٣، ومن طريقه البيهقي٤، كلهم من طريق هشام أبي كليب عن ابن أبي نعم البجلي عنه به.
ولفظ ابن أبي شيبة والدارقطني: "نُهي عن عسب الفحل"، وزاد الدارقطني: "وعن قفيز الطحان".
وهشام أبو كليب هو ابن عائذ الأسدي. وثقه ابن معين، وأحمد، وأبو داود. وقال أبو حاتم: شيخ٥. وجعله ابن حجر في مرتبة "صدوق"٦.
أما الحافظ الذهبي فترجم لهشام أبي كليب وذكر له هذا الحديث وقال عقبه: "هذا منكر، ورجله٧ لا يعرف"٨. وتبعه الحافظ ابن حجر فإنه ذكر هذه الترجمة في لسان الميزان٩ مع كونه من رجال التهذيب ولم يتعقب الذهبي بشيء، وإنما ذكر أن ابن حبان ذكره في الثقات. وهذا الصنيع من الحافظين الذهبي وابن حجر سببه كونهما لم يتنبها إلى أن هشام أبا كليب هو ابن عائذ الأسدي وهو رجلٌ معروف، وثّقه ابن معين وأحمد وغيرهما.
_________________
(١) ١ سنن النسائي [كتاب البيوع (٧/٣١١)] . ٢ المصنف (٥/٣١٦) . ٣ سنن الدارقطني (٣/٤٧) . ٤ السنن الكبرى (٥/٣٣٩) . ٥ تهذيب التهذيب (١١/٤٣) . ٦ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٧٢٩٨) . ٧ في لسان الميزان (٦/١٩٨): «راويه»، وهي أقرب إلى الصواب. ٨ ميزان الاعتدال (٥/٤٣١) . ٩ لسان الميزان (٦/١٩٨) .
[ ١ / ٣٤٦ ]
وأما ابن أبي نُعم فهو عبد الرحمن بن أبي نُعم البجلي أبو الحكم الكوفي وسيأتي١ أنه صدوق. وقد وهم البوصيري٢ فقال إنه الأفريقي. وليس كذلك، فإن الأفريقي اسمه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم٣.
فمما تقدم يتبين أن إسناد هذا الحديث حسن. وهو صحيح بشواهده. وقد ذكر الحافظ ابن حجر أن ابن السكن وابن القطان صححاه٤.
وقوله: "وعن قفيز الطحان": "هو أن يستأجر رجلًا ليطحن له حنطةً معلومةً بقفيز من دقيقها. والقفيز: مكيالٌ يتواضع الناس عليه"٥. وقيل: "هو أن يقول: اطحن بكذا وكذا وزيادة قفيزٍ من نفس الدقيق"٦.
وقد أبطل شيخ الإسلام ابن تيمية هذه الجملة، وذكر أنها ليست من قول النبي ﷺ من وجوه٧. والله أعلم.
_________________
(١) ١ عند حديث أبي سعيد ﵁ رقم (١٤١)، عند الطريق الرابعة عشرة منه. ٢ إتحاف الخيرة المهرة (ص٣١٢) . ٣ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٣٨٦٢) . ٤ التلخيص الحبير (٣/١١) . وفي قول الحافظ أن ابن القطان صحح الحديث نظر؛ فقد ذكر الزيلعي في نصب الراية (٤/١٤١) عن ابن القطان ما يفهم منه أنه لا يقول بصحة الحديث. وعند الرجوع إلى البدر المنير الذي هو أصل التلخيص الحبير تبين أن ابن القطان إنما صحح حديث أنس ﵁ الآتي برقم (١١٧)، ولم يذكر ابن الملقن أن ابن القطان صحح حديث أبي سعيد ﵁ هذا. فلعله حصل للحافظ ابن حجر سبق نظر. والله أعلم. ٥ النهاية في غريب الحديث (٤/٩٠) . ٦ لسان العرب، مادة (قفز): (٥/٣٩٥) . ٧ انظر: الفتاوى (٣٠/١١٣) .
[ ١ / ٣٤٧ ]
١١٧ - (٣) عن أنس بن مالك ﵁ "أنّ رجلًا من كِلاب سأل النبي ﷺ عن عسب الفحل فنهاه. فقال: يا رسول الله، إنّا نُطْرِق الفحل فنكرم، فرخص له في الكرامة".
رواه الترمذي١ واللفظ له، والنسائي٢، والبيهقي٣، كلهم من طرقٍ عن إبراهيم بن حميد الرؤاسي حدثنا هشام بن عروة عن محمد بن إبراهيم التيمي عنه به.
قال الترمذي: "حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث إبراهيم بن حميد عن هشام بن عروة".
وبالنظر إلى إسناد الحديث يتبين أنه صحيح لا حسن، وكذلك فإن النهي عن عسب الفحل قد جاء عن أنس ﵁ من أوجهٍ أخرى كما سيأتي ولم يتفرد به إبراهيم بن حميد الرؤاسي خلاف ما قال الترمذي.
ومعنى قوله: "فنكرم": "أي يعطينا صاحب الأنثى شيئًا بطريق الهدية والكرامة لا على سبيل المعاوضة"٤.
وقد جاء هذا الحديث من وجهٍ آخر، فقد رواه أحمد٥، وأبو يعلى٦، وابن أبي حاتم٧، كلهم من طرق عن ابن لهيعة ثنا يزيد بن أبي حبيب
_________________
(١) ١ جامع الترمذي [كتاب البيوع (٣/٥٧٣)] . ٢ سنن النسائي [كتاب البيوع (٧/٣١٠)] . ٣ السنن الكبرى (٥/٣٣٩) . ٤ تحفة الأحوذي (٤/٤١٢)، والنهاية (٤/١٦٨) . ٥ المسند (٣/١٤٥) . ٦ مسند أبي يعلى (٦/٢٨٠) . ٧ العلل (١/٣٨١) .
[ ١ / ٣٤٨ ]
وعقيل بن خالد عن ابن شهاب عن أنس "أن رسول الله ﷺ نهى عن أن يبيع الرجل فحلة فرسه".
وقد تقدم الكلام في ابن لهيعة١ وأنه ضعيف.
وأعله أبو حاتم أيضًا بالوقف، فقال: "إنما يروى من كلام أنس، ويزيد لم يسمع من الزهري، إنما كتب إليه"٢.
وقد سبق الكلام فيما يتعلق بالمكاتبة وأنها حجة٣، وقد خرج البخاري وغيره أحاديث مما حمل عن طريق المكاتبة. ولعلّ تعليل أبي حاتم له بالوقف إنما يعني من هذه الطريق.
وجاء الحديث من وجهٍ آخر أيضًا، فقد رواه البيهقي٤ بإسناده عن سعيد بن سالم القدَّاح عن شبيب بن عبد الله البجلي عن أنسٍ ﵁ "أن رسول الله ﷺ نهى عن ثمن عسب الفحل".
وسعيد بن سالم القدَّاح وثقه ابن معين. وقال أبو حاتم: محلُّه الصدق. وقال أبو داود: صدوق. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن حبان: يهم في الأخبار حتى يجيء بها مقلوبة٥. وجعله ابن حجر في مرتبة "صدوق يهم"٦.
_________________
(١) ١ تقدم عند حديث رقم (١) . ٢ العلل (١/٣٨١) . ٣ عند حديث رقم (١) . ٤ معرفة السنن والآثار (٨/١٤٦-١٤٧) . ٥ تهذيب التهذيب (٤/٣٥) . ٦ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٢٣١٥) .
[ ١ / ٣٤٩ ]
وشبيب بن عبد الله، ويقال: ابن بشر البجلي الكوفي، تقدم١ أنه صدوق يخطئ.
فمما سبق يتبين أن الحديث جاء من أكثر من وجه، وأصحها طريق إبراهيم بن حميد الرؤاسي. والضعف في بعض الطرق يتقوى بغيره، فيكون الحديث حسنًا. والله أعلم.
ومما ورد في هذا الفصل أيضًا:
(٤) حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ -، وقد تقدم٢.
(٥) حديث أبي جحيفة ﵁، وقد تقدم٣.
(٦) حديث أبي هريرة ﵁، وقد تقدم٤.
(٧) حديث ابن عباس - ﵄ -، وقد تقدم٥.
(٨) حديث جابر بن عبد الله - ﵄ - في بعض ألفاظه، وقد تقدم٦.
(٩) حديث أبي هريرة ﵁، وقد تقدم٧.
(٧) حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ -، وقد تقدم٨.
_________________
(١) ١ تقدم عند حديث رقم (١٠) . ٢ تقدم برقم (١٦) . ٣ تقدم برقم (٢٨) . ٤ تقدم برقم (٤١) . ٥ تقدم برقم (٤٢) . ٦ تقدم برقم (٧٦) . ٧ تقدم برقم (١٠٧) . ٨ تقدم برقم (١٠٨) .
[ ١ / ٣٥٠ ]
دلالة الأحاديث السابقة:
يستفاد مما تقدم النهي عن عسب الفحل.
والعَسْب: هو طرق الفحل أي ضرابه، وقيل: العسب ماء الفحل، وقيل: الكراء الذي يؤخذ على ضَرْب الفحل١.
والذي يهمنا هنا في هذه الدراسة هو ما يتعلق ببيع ضراب الفحل أو مائه، وإنما نهي عن بيع عسب الفحل لأنه بيع معدومٍ غير معلومٍ ولا مقدور التسليم٢.
وكذلك "فإن النهي عن بيع عسب الفحل من محاسن الشريعة وكمالها، فإن مقابلة ماء الفحل بالأثمان وجعله محلًا لعقود المعاوضات مما هو مستقبح ومستهجن عند العقلاء"٣.
_________________
(١) ١ انظر: لسان العرب (١/٥٩٧)، مادة (عسب) . ٢ بدائع الصنائع (٥/١٣٩)، الخرشي على مختصر خليل (٥/٧١)، مغني المحتاج (٥/٣٠)، المغني (٤/٣٠٠) . ٣ زاد المعاد (٥/٧٩٥) .
[ ١ / ٣٥١ ]