الفصل الثالث: ورد في النهي عن الغش في البيع
١٩١ - (١) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ مرَّ على صبرة طعامٍ، فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللًا، فقال: "ما هذا يا صاحب الطعام"؟ قال: أصابته السماء يا رسول الله. قال: "أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، من غش فليس منّي".
رواه مسلم١ واللفظ له، وأبو داود٢، والترمذي٣، وابن ماجه٤، وأحمد٥. كلهم من طرقٍ عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عنه به.
قال الترمذي: "حسنٌ صحيحٌ".
وفي لفظ أبي داود: "أن رسول الله ﷺ مرَّ برجل يبيع طعامًا فسأله: كيف تبيع، فأخبره. فأوحي إليه: أدخل يدك فيه فأدخل يده فإذا هو مبلول " الحديث.
وجاء الحديث من وجهٍ آخر، فقد رواه مسلم٦، وأحمد٧ من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه عنه مرفوعًا. ولفظه: "من حمل علينا السلاح فليس منا، ومن غشنا فليس منا".
_________________
(١) ١ صحيح مسلم [كتاب الإيمان (١/٩٩)] . ٢ سنن أبي داود [كتاب البيوع (٣/٧٣١-٧٣٢)] . ٣ جامع الترمذي [كتاب البيوع (٣/٦٠٦)] . ٤ سنن ابن ماجه [كتاب التجارات (٢/٧٤٩)] . ٥ المسند (٢/٢٤٢) . ٦ صحيح مسلم [كتاب الإيمان (١/٩٩)] . ٧ المسند (٢/٤١٧) .
[ ٢ / ٦٠٣ ]
وقوله: "من غشَّ فليس مني"، قال الطحاوي - بعد أن ذكر جملة من الأحاديث التي فيها أن من فعل كذا فليس منا، ومنها هذا الحديث - قال: "فكانت هذه الأشياء التي نفى رسول الله ﷺ من كانت منه أو كانت فيه عنه أشياء مذمومة، فكان الله ﷿ قد اختار له ﷺ الأمور المحمودة، ونفى عنه الأمور المذمومة، فكان من عمل الأمور المحمودة منه، ومن عمل الأمور المذمومة ليس منه، كما حكى الله ﷿ عن نبيه إبراهيم من قوله في ذريته ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١، وكما قال ﷿ مخبرًا لعباده قصة داود ﷺ ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّية﴾ ٢ في أمثالٍ لهذا موجودة في الكتاب معناه المعنى الذي ذكرنا، فدلّ أن كل عاملٍ عملًا على شريعة نبيه الذي عليه اتباعه فإنه منه، وأنّ كل عاملٍ عملًا تمنعه منه شريعة نبيه الذي عليه أتباعه ليس منه لخروجه عن ما دعاه إليه وعن ما هو عليه إلى ضدِّ ذلك"٣ انتهى.
وقال الخطابي: "معناه: ليس على سيرتنا ومذهبنا. يريد أن من غشَّ أخاه وترك مناصحته، فإنه قد ترك اتباعي والتمسك بسنتي. وقد ذهب بعضهم إلى أنه أراد بذلك نفيه عن دين الإسلام، وليس هذا التأويل بصحيح، وإنما وجهه ما ذكرت لك، وهذا كما يقول الرجل لصاحبه: (أنا منك وإليك)، يريد
_________________
(١) ١ سورة إبراهيم، آية (٣٦) . ٢ سورة البقرة، آية (٢٤٩) . ٣ شرح مشكل الآثار (٣/٣٧٩) .
[ ٢ / ٦٠٤ ]
بذلك المتابعة والموافقة، ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ " ١ انتهى.
وقال النووي: "تأويل الحديث، قيل: محمول على المستحل بغير تأويل، فيكفر ويخرج من الملة، وقيل: معناه ليس على سيرتنا الكاملة وهدينا. وكان سفيان بن عيينة - ﵀ - يكره قول من يفسره بليس على هدينا، ويقول: بئس هذا القول. يعني بل يمسك عن تأويله ليكون أوقع في النفوس وأبلغ في الزجر"٢ انتهى.
وقول سفيان الذي أشار إليه النووي رواه أبو داود بإسنادٍ صحيح عن يحيى بن سعيد القطان، قال: كان سفيان يكره هذا التفسير "ليس منا": ليس مثلنا٣.
وقد رواه الترمذي٤ معلقًا بإسناد أبي داود، إلا أنه ذكر أن سفيان هو الثوري، وليس ابن عيينة.
وقد ورد مثل هذا الإنكار عن ابن مهدي، وأحمد بن حنبل. وقال ابن مهدي: "لو أنّ رجلًا عمل بكل حسنةٍ أكان يكون مثل النبي ﷺ". وقد ذكر أحمد أن تفسير "ليس منا" بليس مثلنا أنه من كلام المرجئة، الذين يرون أن المعاصي لا تنقص من الإيمان. وليس مراد أحمد الحكم بالكفر على من غش، فإنه سئل
_________________
(١) ١ معالم السنن (٣/٧٣٢) . ٢ شرح صحيح مسلم (٢/١٠٨) . ٣ سنن أبي داود (٣/٧٣٢) . ٤ جامع الترمذي (٤/٢٨٤) .
[ ٢ / ٦٠٥ ]
عن هذا الحديث ونحوه فقال: "على التأكيد والتشديد، ولا أكفر أحدًا إلا بترك الصلاة"١.
وقد ورد حديث: "من غشنا فليس منا" عن عدة من الصحابة ﵃، إليك تفصيلها:
١٩٢ - (٢) عن أبي بردة بن نيار ﵁ قال: انطلقت مع النبي ﷺ إلى بقيع المصلَّى، فأدخل يده في طعامٍ ثم أخرجها فإذا هو مغشوش أو مختلف. فقال: "ليس منا من غشنا".
اختلف في هذا الحديث، فرواه أحمد٢ باللفظ المذكور، وابن أبي شيبة٣، والبزار٤، والطبراني في الكبير٥، والبخاري - تعليقًا - في التاريخ الكبير٦، كلهم من طرقٍ عن شريك عن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن جميع بن عمير عنه به.
وعند أحمد أن جميع بن عمير رواه عن خاله أبي بردة بن نيار. وعند البزار أن جميع بن عمير رواه عن عمه يعني أبا بردة.
وتابع قيس بن الربيع شريكًا كما ذكر الطبراني٧ والدارقطني٨، إلا أنه قال: عن سعيد بن عمير عن عمه أبي بردة٩.
_________________
(١) ١ النقل عن ابن مهدي وأحمد، من السنة للخلال (ص٥٧٦-٥٧٩) . وانظر: فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (١٩/٢٩٤) . ٢ المسند (٣/٤٦٦)، (٤/٤٥) . ٣ المصنف (٥/٣٨٣) . ٤ مسند البزار - مخطوط - (٢/٨٥-ب) . ٥ المعجم الكبير (٢٢/١٩٨) . ٦ التاريخ الكبير (٨/٢٢٧) . ٧ المعجم الأوسط (٤/٢٩٣) . ٨ العلل (٦/٢٤-٢٥) . ٩ المرجع السابق.
[ ٢ / ٦٠٦ ]
وخالفهما عمار بن زريق وذلك فيما رواه الحاكم١ بإسناده عن الأحوص بن جواب عنه عن عبد الله بن عيسى عن عمير بن سعيد عن عمه به.
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح، وعم عمير بن سعيد هو الحارث بن سويد النخعي"، ووافقه الذهبي.
وفي هذا نظر؛ فإن المحفوظ في حديث عبد الله بن عيسى أنه يرويه عن جميع بن عمير أو سعيد بن عمير عن أبي بردة بن نيار. وقد ذكر البخاري٢ ترجمة لعمير بن سعيد عن عمه أبي بردة بن نيار. وخطّأ أبو حاتم البخاري وقال: "إنما هو سعيد بن عمير"٣.
وقد بيّن الحافظ المزي٤، وابن حجر٥ أن أبا بردة بن نيار عم لسعيد بن عمير، وذلك أن سعيد بن عمير اسمه سعيد بن عمير بن نيار، وقيل: ابن عقبة بن نيار، فيكون أبو بردة بن نيار عمٌّ له أو عمٌّ لأبيه، وهو على كلا الحالتين عمٌّ له. وهذا هو الذي يترجح لي، أي أن عبد الله بن عيسى إنما يروي الحديث عن سعيد بن عمير عن أبي بردة ابن نيار. وشريك لم يتابع في قوله جميع بن عمير عن خاله أبي بردة.
وقد خطّأ البيهقي شريكًا في إسنادٍ فيه عن شريك عن وائل بن داود عن جميع ابن عمير عن خاله أبي بردة " الحديث. قال البيهقي: "هكذا
_________________
(١) ١ المستدرك (٢/٩) . ٢ التاريخ الكبير (٦/٥٣٣) . ٣ بيان خطأ الإمام البخاري في تاريخه (ص٩١) . ٤ تهذيب الكمال (١١/٢٥)، (٣٣/٧١) . ٥ الإصابة في تمييز الصحابة (٤/١٩) .
[ ٢ / ٦٠٧ ]
رواه شريك بن عبد الله، وغلط فيه في موضعين، أحدهما: في قوله جميع بن عمير، وإنما هو سعيد بن عمير "١ الخ.
وتقدم الكلام٢ في شريك القاضي وأنه صدوق يخطئ كثيرًا. وقد توقف الحافظ ابن حجر في هذا الاختلاف بعد أن ذكر أن أبا بردة عم لسعيد بن عمير بخلاف جميع، فقال: "فما أدري أهو واحد اختلف في اسمه أو هما اثنان"٣.
ورواه الطبراني في الأوسط٤، بإسناده عن يحيى بن عقبة بن أبي العيزار عن عبد الله بن عيسى عن مجمع عن أبي بردة عن أبي موسى به.
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن عبد الله بن عيسى عن مجمع عن أبي بردة عن أبي موسى إلا يحيى بن عقبة".
ويحيى بن عقبة بن أبي العيزار قال فيه أبو حاتم: يفتعل الحديث. وقال ابن معين وأبو داود: ليس بشيء. وقال ابن معين أيضًا: كذاب خبيث، عدو الله كان يسخر به. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي وغيره: ليس بثقة٥.
فمما سبق يتبين أن هذا الطريق ضعيف جدًا، وقد يكون موضوعًا. وقد ظن هذا الراوي أن أبا بردة في الإسناد هو ابن أبي موسى الأشعري، وأنه يرويه عن أبيه فجعل يقول: عن أبي بردة عن أبي موسى ﵁ والله أعلم.
_________________
(١) ١ السنن الكبرى (٥/٢٦٣) . ٢ تقدم الكلام فيه عند حديث رقم (١٣١) . ٣ الإصابة (٤/١٩) . ٤ المعجم الأوسط (٤/٢٩٣) . ٥ لسان الميزان (٦/٢٧٠) .
[ ٢ / ٦٠٨ ]
فمما سبق من هذا الاختلاف على عبد الله بن عيسى يترجح أنه يرويه عن سعيد ابن عمير عن عمه أبي بردة بن نيار ﵁ عن النبي ﷺ.
وسعيد بن عميرٍ هذا هو ابن نيار، وقيل: ابن عقبة بن نيار الأنصاري الحارثي، قال فيه ابن معين: لا أعرفه١. وقال فيه الفسوي: لا بأس به٢. وذكره ابن حبان في الثقات٣. وجعله ابن حجر في مرتبة: "مقبول"٤.
والذي يظهر لي أنه في مرتبة "صدوق".
فمما سبق يتبين أن هذا الإسناد حسن. وهو بشواهده يرتقي إلى الصحيح لغيره، والله أعلم.
١٩٣ - (٣) عن عبد الله بن عباس - ﵄ - قال: قال رسول الله ﷺ: "من غشنا فليس منا، ومن رمانا بالليل فليس منا".
رواه الطبراني في الكبير٥ عن علي بن عبد العزيز، ثنا سعيد بن منصور عن الدراوردي عن ثور بن زيد عن عكرمة عنه به.
ورواه القضاعي٦ من طريق شيخ الطبراني، إلا أنه لم يذكر قوله "من غشنا فليس منا"، وكذلك الطحاوي٧ من طريق الدراوردي، ولم يذكر هذه الجملة أيضًا. فالظاهر أنهما اختصرا الحديث. والله أعلم.
قال الهيثمي عن إسناد الطبراني: "رجاله رجال الصحيح"٨.
_________________
(١) ١ تاريخ الدارمي عن يحيى بن معين (ص١٢٠) . ٢ المعرفة والتاريخ (٣/١٠١) . ٣ الثقات (٤/٢٨٨) . ٤ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٢٣٧٥) . ٥ المعجم الكبير (١١/٢٢١) . ٦ مسند الشهاب (١/٢٢٩) . ٧ شرح مشكل الآثار (٣/٣٦٤) . ٨ مجمع الزوائد (٤/٨٨٢) .
[ ٢ / ٦٠٩ ]
وقد تقدم الكلام١ في الدراوردي، وأنه صدوق يخطيء، وبقية رجاله ثقات. فعلى هذا فيكون هذا الإسناد حسنًا، وبالنظر إلى شواهده يكون صحيحًا لغيره. والله أعلم.
١٩٤ - (٤) عن عبد الله بن عمر - ﵄ - قال: مرَّ رسول الله ﷺ بطعامٍ وقد حسَّنه صاحبه، فأدخل يده فيه، فإذا طعامٌ رديء، فقال: "بع هذا على حدة، وهذا على حدة، من غشنا فليس منّا".
رواه أحمد٢ واللفظ له، والبزار٣، والطبراني في الأوسط٤، كلهم من طرق عن أبي معشر عن نافعٍ عنه به.
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن نافع إلا أبو معشر".
وأبو معشر، هو نجيح السِّندي المدني، تقدم٥ أنه ضعيف، ولا سيما في المقبري ونافع.
فعلى هذا فإن هذا الإسناد ضعيف. والله أعلم.
إلا أن الحديث قد جاء من وجهٍ آخر، فقد رواه الدارمي٦، وابن عدي٧، والبخاري في التاريخ الكبير٨ - تعليقًا -، كلهم من طرقٍ عن
_________________
(١) ١ عند حديث رقم (١٤١) . ٢ المسند (٢/٥٠) . ٣ كشف الأستار (٢/٨٢) . ٤ المعجم الأوسط (٣/٦٣-٦٤) . ٥ تقدم عند حديث رقم (١٣٨) . ٦ سنن الدارمي (٢/٣٢٣) . ٧ الكامل (٧/٢٠٧-٢٠٨) . ٨ التاريخ الكبير (٧/١٦٥) .
[ ٢ / ٦١٠ ]
أبي عقيل يحيى بن المتوكل أخبرني القاسم بن عبيد الله عن سالم عنه به بنحوه. وفيه "لا غشّ بين المسلمين، من غشنا فليس منا".
ويحيى بن المتوكل ضعفه ابن معين، وقال: ليس حديثه بشيء. وقال أيضًا: منكر الحديث، وجاء عنه أنه قال: ليس به بأس. وقال أحمد: واهي الحديث١. وضعفه ابن المديني وأبو حاتم والنسائي٢.
وجعله ابن حجر في مرتبة "ضعيف"٣. فعلى هذا فهو صالح للاعتبار، وقد توبع كما سبق.
فمما سبق يتبين أن الحديث بهذا الإسناد حسنٌ لغيره. وكذلك يشهد له ما ورد من الأحاديث في النهي عن الغش، وقد سبق ذكرها. والله أعلم.
١٩٥ - (٥) عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "من غشنا فليس منّا، والمكر والخداع في النار".
رواه ابن حبان٤، والطبراني في الكبير٥ والصغير٦، وأبو نعيم في الحلية٧، كلهم من طريق الفضل بن الحباب الجمحي، ثنا عثمان بن الهيثم، ثنا أبي عن عاصم عن زر عنه به.
_________________
(١) ١ في المطبوع من تهذيب التهذيب وقع نسبة هذا القول إلى الراوي عن أحمد وهو أحمد بن أبي يحيى، وسقط ذكر أحمد بن حنبل، وهو موجود في تهذيب الكمال (٢١/٥١٣) . ٢ تهذيب التهذيب (١١/٢٧١) . ٣ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٧٦٣٣) . ٤ الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان (٢/٣٢٦) . ٥ المعجم الكبير (١٠/١٣٨) . ٦ المعجم الصغير (١/٢٦١) . ٧ حلية الأولياء (٤/١٨٩) .
[ ٢ / ٦١١ ]
قال أبو نعيم: "غريب من حديث عاصم، تفرد بن عثمان، ولم نكتبه إلا من حديث الفضل بن حباب".
وفي إسناده عاصم بن بهدلة وهو ابن أبي النجود. قال فيه ابن معين: لا بأس به. وقال يعقوب بن سفيان: في حديثه اضطراب وهو ثقة. وقال أبو حاتم: محله الصدق، صالح الحديث. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال الدارقطني: في حفظه شيء١. وجعله الحافظ ابن حجر في مرتبة "صدوق له أوهام، حجة في القراءة"٢.
وعثمان بن الهيثم هو ابن جهم العبدي أبو عمرو البصري المؤذن، قال فيه أبو حاتم: كان صدوقًا غير أنه بأخرة كان يتلق ما يلقن. وقال الساجي: ذكر عند أحمد بن حنبل فأومى إلى أنه ليس بثبت. وقال الدارقطني: صدوق كثير الخطأ٣.
وجعله ابن حجر في مرتبة "ثقة، تغير فصار يتلقَّن"٤.
والذي يظهر لي أنه صدوق تغيّر.
ولم يذكر من روى عنه في حال تغيره. إلا أن أبا حاتم ذكر أنه تغير بأخرة.
والرواي عن عثمان بن الهيثم في هذا الحديث وهو الفضل بن الحباب الجمحي البصري، إنما روى عنه بأخرة. وبيان ذلك أن عثمان بن الهيثم توفي سنة عشرين ومائتين٥، بينما ولد الفضل بن الحباب سنة ستٍ ومائتين٦،
_________________
(١) ١ تهذيب التهذيب (٥/٣٩) . ٢ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٣٠٥٤) . ٣ تهذيب التهذيب (٧/١٥٨) . ٤ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٤٥٢٥) . ٥ تاريخ مولد العلماء ووفياتهم (٢/٤٨٨) . ٦ سير أعلام النبلاء (١٤/٧) .
[ ٢ / ٦١٢ ]
فيكون عمره حين وفاة عثمان بن الهيثم أربع عشرة سنة. وقد صرّح الذهبي بأنه سمع في سنة عشرين ومائتين١، وهي السنة التي توفي فيها عثمان بن الهيثم.
فمما تقدم يترجّح أنه سمع منه بعد تغيّره. وقد ذكر الذهبي أن الفضل بن الحباب أبو خليفة الجمحي آخر من حدّث عن عثمان بن الهيثم٢.
وأما أبوه وهو الهيثم بن جهم العبدي البصري، فقال فيه أبو حاتم: "لم أرَ في حديثه مكروها"٣. ولم أقف على توثيق معتمدٍ فيه بعد البحث في كلام أئمة الجرح والتعديل. وكلام أبي حاتم هذا لا يكفي في توثيقه.
فمما سبق يتبين أن إسناد هذا الحديث ضعيف، إلا أنه يرتقي بشواهده إلى الحسن. والله أعلم.
وأما الجملة الثانية من الحديث وهي قوله: "والمكر والخديعة في النار"، فلها شواهد من حديث قيس بن سعد بن عبادة وأنس وأبي هريرة - ﵃ أجمعين -.
أما حديث قيس بن سعد - ﵄ -:
فرواه ابن عدي٤ بإسناده عن جراح بن مليح عن أبي رافع عنه به. ولفظه: لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " المكر والخديعة في النار" لكنت من أمكر الناس.
_________________
(١) ١سير أعلام النبلاء (١٤/٧) . ٢المرجع السابق. ٣ الجرح والتعديل (٩/٨٣) . ٤ الكامل (٢/١٦٢) .
[ ٢ / ٦١٣ ]
والجراح بن مليح البهراني الحمصي، قال فيه ابن معين: شامي ليس به بأس. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن عدي: لا بأس به وبرواياته١.
وجعله ابن حجر في مرتبة: "صدوق"٢.
وأما أبو رافع، فلم أقف على تمييزه، وقد قيل: إنه نفيع بن رافع الصائغ، وهو ثقة ثبت٣. والذي يظهر أن ابن حجر اعتمد هذا، فإنه قد حكم على هذا الإسناد بأنه لا بأس به٤. والله أعلم.
وأما حديث أنس بن مالك ﵁:
فرواه ابن عدي٥ أيضًا، والحاكم٦، كلاهما من طريق سنان بن سعد الكندي عنه به. ولفظه: "المكر والخديعة والخيانة في النار".
وسنان بن سعد الكندي، ويقال: سعد بن سنان. قال فيه أحمد: لم أكتب أحاديث سنان بن سعد؛ لأنهم اضطربوا فيها، فقال بعضهم: سعد بن سنان، وبعضهم سنان بن سعد. وقال أيضًا: يشبه حديثه حديث الحسن لا يشبه حديث أنس. [وقال أيضًا: روى خمسة عشر حديثًا منكرة كلها ما أعرف منها واحدًا] . وقد ساق هذه الأحاديث ابن عدي في الكامل في ترجمته. وقال ابن معين: ثقة. وقال ابن سعد والنسائي: منكر الحديث. وقال ابن حبان: حدث عنه المصريون وأرجو أن يكون الصحيح سنان بن سعد، وقد اعتبرت
_________________
(١) ١ تهذيب التهذيب (٢/٦٨) . ٢ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٩٠٩) . ٣ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٧١٨٢) . ٤ فتح الباري (٤/٤١٧) . ٥ الكامل (٣/٣٥٧) . ٦ المستدرك (٤/٦٠٧) .
[ ٢ / ٦١٤ ]
حديثه فرأيت ما روي عن سنان بن سعد يشبه أحاديث الثقات، وما روى عن سعد بن سنان وسعيد بن سنان فيه المناكير، كأنهما اثنان١.
وخلص فيه الحافظ الذهبي إلى أنه ليس بحجة٢، وهو أولى من قول الحافظ ابن حجر: صدوق له أفراد٣.
ويشهد لقول أحمد في كون حديثه يشبه أن يكون عن الحسن أن الحسن جاء عنه هذا المتن سواء مرسلًا، وذلك فيما رواه أبو داود في مراسيله٤ عن يونس عن الحسن به مرسلًا. والله أعلم.
وأما حديث أبي هريرة ﵁:
فرواه إسحاق بن راهويه٥، وأبو نعيم في أخبار أصبهان٦، كلاهما من طريق عطاء الخراساني عنه عن النبي ﷺ قال: "المكر والخديعة في النار"، وزاد أبو نعيم: "الخيانة".
وعطاء الخراساني لم يسمع من أبي هريرة رضي الله عنه٧، فالإسناد منقطع.
وقد جاء هذا الحديث عن أبي هريرة ﵁ من وجه آخر. فقد رواه البزار٨، وابن عدي٩، كلاهما من طريق عبيد الله بن أبي حميد الهذلي عن أبي المليح بن أسامة عنه به بلفظ: "المكر والخديعة في النار".
_________________
(١) ١ تهذيب التهذيب (٣/٤٧١-٤٧٢)، وما بين القوسين من الضعفاء للعقيلي (٢/١١٩) . ٢ الكاشف (١/٢٧٨) . ٣ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٢٢٣٨) . ٤ المراسيل (ص١٥٩) . ٥ مسند إسحاق بن راهويه - مسند أبي هريرة - (ص٣٧٠) . ٦ أخبار أصبهان (١/٢٥٣) . ٧ جامع التحصيل (ص٢٩١) . ٨ كشف الأستار (١/٦٩) . ٩ الكامل (٤/٣٢٦) .
[ ٢ / ٦١٥ ]
وعبيد الله بن أبي حميد الهذلي ضعفه ابن معين ودحيم وأبو داود وغيرهم. وقال أحمد: ترك الناس حديثه. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال أيضًا: يروي عن أبي المليح عجائب. وقال أيضًا: ضعيف، ذاهب الحديث، لا أروي عنه شيئًا. وقال الحاكم وأبو نعيم: يروي عن أبي المليح وعطاء مناكير١.
ولذا جعله الحافظ ابن حجر في مرتبة: "متروك الحديث"٢.
فهذا الإسناد ضعيف جدًا. وقد ضعّفه الحافظ ابن حجر، فقال فيه: "ضعيف"٣. والأولى الحكم عليه بالضعف الشديد، وأما الحديث عن أبي هريرة ﵁ فيبقى ضعيفًا. والله أعلم.
هذه هي الطرق التي وقفت عليها في هذا المتن، وهو بمجموعها يرتقي إلى درجة الحسن. والله أعلم.
١٩٦ - (٦) عن أنس بن مالك ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ إلى السُّوق فرأى طعامًا مصبَّرًا، فأدخل يده فيه، فأخرج طعامًا رطبًا قد أصابته السماء. فقال لأصحابه: "ما حملك على هذا"؟ قال: والذي بعثك بالحق إنه لطعامٌ واحد. قال: "أفلا عزلت الرطب على حدة، واليابس على حدة فيبتاعون ما يعرفون، من غشنا فليس منا".
رواه الطبراني في الأوسط٤ بإسناده عن إسماعيل بن أبي أويس حدثني سليمان بن بلال عن إسماعيل بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة عنه به.
_________________
(١) ١ تهذيب التهذيب (٧/٩-١٠) . ٢ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٤٢٨٥) . ٣ تغليق التعليق (٣/٢٤٤) . ٤ المعجم الأوسط (٤/١٢٣) .
[ ٢ / ٦١٦ ]
قال الطبراني: "لا يروى هذا الحديث عن أنس بن مالك إلا بهذا الإسناد، تفرد به إسماعيل بن أبي أويس".
وقال الهيثمي عن إسناد هذا الحديث: "رجاله ثقات"١. وفي قوله نظر؛ وذلك أن إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس قال فيه أحمد: لا بأس به. وقال ابن معين: صدوق ضعيف العقل ليس بذاك. وقال فيه وفي أبيه: يسرقان الحديث. وقال أيضًا: مخلط يكذب ليس بشيء. وقال أبو حاتم: محله الصدق وكان مغفلًا. وقال النسائي: ضعيف. وقال مرّة: غير ثقة٢.
وجعله ابن حجر في مرتبة "صدوق أخطأ في أحاديث من حفظه"٣. والذي يظهر لي أنه ضعيف. وقد أجاب الحافظ ابن حجر عن سبب تخريج البخاري لحديثه في صحيحه٤.
وأما إسماعيل بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة فوثقه أبو داود. وقال أبو حاتم: شيخ٥. وجعله الحافظ في مرتبة "مقبول"٦.
والذي يظهر لي أن أقل أحواله أن يكون صدوقًا.
وفي الإسناد علة خفية وهي الانقطاع، فإن إسماعيل بن إبراهيم لم يرو عن أحدٍ من الصحابة. ولذا جعله الحافظ ابن حجر في الطبقة السادسة في كتابه التقريب٧. وقد توفي إسماعيل هذا سنة تسع وستين ومائة٨. ومن
_________________
(١) ١ مجمع الزوائد (٤/٨٢) . ٢ تهذيب التهذيب (١/٣١٠-٣١١) . ٣ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٤٦٠) . ٤ هدي الساري (ص٤١٠) . ٥ تهذيب التهذيب (١/٢٧٢) . ٦ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٤١٣) . ٧ المرجع السابق. ٨ تهذيب التهذيب (١/٢٧٢) .
[ ٢ / ٦١٧ ]
المعلوم أن أنسًا ﵁ توفي سنة اثنتين وتسعين، وقيل: سنة ثلاثٍ وتسعين١. فبين وفاتيهما أكثر من ستٍ وسبعين سنة. وقد كان أنس ﵁ في البصرة، وإسماعيل هذا مدني. فكل هذا يؤكد عدم سماعه من أنس ﵁.
فمما سبق يتبين أن إسناد هذا الحديث ضعيف، إلا أن له شواهد تؤيده قد سبق ذكرها؛ فيكون بهذا حسنًا. والله أعلم.
١٩٧ - (٧) عن قيس بن أبي غَرَزة٢ ﵁ قال: مرَّ النبي ﷺ بصاحب طعامٍ يبيع طعامه، فقال رسول الله ﷺ: "يا صاحب الطعام، أسفل الطعام مثل أعلاه؟ فقال: نعم. فقال رسول الله ﷺ: "من غش المسلمين فليس منهم".
رواه أبو يعلى٣ واللفظ له، وابن أبي عاصم٤، والطبراني في الكبير٥، كلهم من طرق عن عثمان بن أبي شيبة عن معاوية بن ميسرة بن شريح عن الحكم بن عتيبة عنه به.
قال ابن أبي عاصم: "لا أحسب أحدًا من أهل الأرض حدث به إلا عثمان".
ومعاوية بن ميسرة بن شريح الكندي، قال فيه أبو حاتم: شيخ٦. وذكره ابن حبان في الثقات٧.
_________________
(١) ١ تاريخ مولد العلماء ووفياتهم (١/٢٢٢،٢٢٣) . ٢ بفتح المعجمة والراء ثم الزاي المنقوطة. الإصابة (٣/٢٥٦) . ٣ مسند أبي يعلى (٢/٢٣٣) . ٤ الآحاد والمثاني (٢/٢٦١) . ٥ المعجم الكبير (١٨/٣٥٩) . ٦ الجرح والتعديل (٨/٣٨٦) . ٧ الثقات (٧/٤٦٩) .
[ ٢ / ٦١٨ ]
والحكم بن عتيبة مدلِّس١، ولم يصرّح بالسماع في هذا الحديث. وقال ابن عبد البر في قيس بن أبي غرزة: "روى عنه الحكم ولا أدري سمع منه أم لا"٢. وقال ابن حجر: "روايته عنه مرسلة بلا شك"٣.
فعلى هذا فإن هذا الإسناد ضعيف لحال معاوية بن ميسرة، ولانقطاعه، إلا أن له شواهد تؤيده تقدم ذكرها، فيكون بها حسنًا. والله أعلم.
١٩٨ - (٨) عن البراء بن عازب ﵁ قال: مرَّ النبي ﷺ بطعامٍ فأدخل يده فيه فقال: "من غشنا فليس منَّا".
رواه الطبراني في الأوسط٤ بإسناده عن سوار بن مصعب عن مطرف بن طريف عن أبي الجهم عنه به.
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن مطرف إلا سوَّار بن مصعب، ولا يروى عن البراء إلا بهذا الإسناد".
وسوار بن مصعب، هو الهمداني، تقدم٥ أنه ضعيفٌ جدًا.
فعلى هذا فإن هذا الإسناد ضعيف جدًا. والله أعلم.
وقد ذكر البخاري في التاريخ الكبير٦ إسنادًا آخر لهذا الحديث، وذلك من طريق محمد بن عيسى الوابشي سمع شريكًا عن سعيد بن ميمون عن البراء أن النبي ﷺ قال: "من غشنا فليس منا".
_________________
(١) ١ تعريف أهل التقديس (ص٥٨)، وقد ذكره في المرتبة الثانية من المدلِّسين. ٢ الاستيعاب - المطبوع في حاشية الإصابة - (٣/٢٣٨) . ٣ تهذيب التهذيب (٨/٤٠١-٤٠٢) . ٤ المعجم الأوسط (٤/٢٨١) . ٥ تقدم عند حديث رقم (١٣٨) . ٦ التاريخ الكبير (٣/٥١٣) .
[ ٢ / ٦١٩ ]
ومحمد بن عيسى الوابشي، وسعيد بن ميمون كلاهما ذكرهما البخاري١ وابن أبي حاتم٢ ولم يذكرا فيهما جرحًا ولا تعديلًا.
وشريك النخعي قد تقدم الكلام فيه٣ وأنه صدوق كثير الخطأ.
فعلى هذا فإن هذا الإسناد ضعيف، ويشهد له الأحاديث الصحيحة في هذا الفصل، فيكون بها حسنًا. والله أعلم.
١٩٩ - (٩) عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "من غشنا فليس منا".
رواه الطبراني في الأوسط٤ بإسناده عن قيس بن الربيع عن فضيل بن جرير عن مسلم بن مخراق عنه به.
وقيس بن الربيع هو الأسدي أبو محمد الكوفي، كان شعبة يثني عليه، ووكيع يضعفه. وقال عفان: ثقة. وقال أحمد: روى أحاديث منكرة. وقال ابن معين: ليس بشيء. وقال أيضًا: ضعيف لا يكتب حديثه. وقال أيضًا: ضعيف الحديث لا يساوي شيئًا. وضعفه علي بن المديني جدًا. وقال ابن نمير: كان له ابن هو آفته، نظر أصحاب الحديث في كتبه فأنكروا حديثه وظنوا أن ابنه قد غيرها. وقال الطيالسي: إنما أُتي قيس من قِبَلِ ابنه، كان ابنه يأخذ حديث الناس فيدخلها في خرج كتاب قيس ولا يعرف الشيخ ذلك. وقال
_________________
(١) ١ التاريخ الكبير (٣/٥١٣)، (١/٢٠٣) . ٢ الجرح والتعديل (٤/٦٣)، (٨/٣٧) . ٣ تقدم عند حديث رقم (١٣١) . ٤ المعجم الأوسط (١/٢٩٨) .
[ ٢ / ٦٢٠ ]
أبو زرعة: لين. وقال النسائي: متروك. وقال مرة: ليس بثقة١. وخلص فيه الحافظ ابن حجر إلى أنه "صدوق تغير لما كبر، وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدث به"٢.
والذي يظهر لي أنه ضعيف. والله أعلم.
إلا أنه قد توبع، فقد رواه البخاري في التاريخ الكبير٣ تعليقًا من طريق عبيد الله بن موسى عن أبي عمران الطحان - وهو فضيل بن جرير - به.
وفضيل بن جرير قال فيه أبو حاتم: شيخ٤. وذكره ابن حبان في الثقات٥.
ومسلم بن مخراق ذكره البخاري٦ وابن أبي حاتم٧ ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا. وذكره ابن حبان في الثقات٨. ولذا جعله ابن حجر في مرتبة "مقبول"٩.
فمما سبق يتبين أن هذا الإسناد ضعيف، إلا أنه يرتقي بشواهده التي سبق ذكرها إلى الحسن. والله أعلم.
_________________
(١) ١ تهذيب التهذيب (٨/٣٩٢-٣٩٤) . ٢ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٥٥٧٣) . ٣ التاريخ الكبير (٧/١٢٣) . ٤ الجرح والتعديل (٧/٧١) . ٥ الثقات (٧/٣١٦) . ٦ التاريخ الكبير (٧/٢٧٢) . ٧ الجرح والتعديل (٨/١٩٤) . ٨ الثقات (٥/٣٩٧) . ٩ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٦٦٤٤) .
[ ٢ / ٦٢١ ]
٢٠٠ - (١٠) عن أبي الحمراء ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ مرَّ بجنبات رجلٍ عنده طعامٌ في وعاء، فأدخل يده فيه، فقال: "لعلك غششت، من غشّ فليس منَّا".
رواه ابن ماجه١ واللفظ له، والترمذي في العلل الكبير٢، وابن عدي٣، والدولابي٤، وأبو أحمد الحاكم٥. كلهم من طرق عن يونس بن أبي إسحاق عن أبي داود عنه به.
وأبو داود هذا هو نفيع بن الحارث الأعمى، كذبه قتادة. وقال ابن معين: يضع، ليس بشيء. وقال أبو حاتم: منكر الحديث، ضعيف الحديث. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال أيضًا: ليس بثقة ولا يكتب حديثه. وقال الدولابي والدارقطني: متروك٦. وجعله ابن حجر في مرتبة: "متروك"٧.
وقد سأل الترمذي البخاري عن هذا الحديث فقال: "لا يصح لأبي الحمراء عن النبي ﷺ حديث"٨.
وقد تساهل البوصيري في الحكم على هذا الحديث فقال فيه: "ضعيف"٩. وحقّه أن يقال فيه ضعيف جدًا. والله أعلم.
_________________
(١) ١ سنن ابن ماجه [كتاب التجارات (٢/٧٤٩)] . ٢ العلل الكبير (١/٥٢٨) . ٣ الكامل (٧/٦١) . ٤ الكنى والأسماء (١/٢٥) . ٥ الأسامي والكنى (٤/١٩٨-١٩٩) . ٦ تهذيب التهذيب (١٠/٤٧١-٤٧٢) . ٧ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٧١٨١) . ٨ العلل الكبير (١/٥٢٨) . ٩ مصباح الزجاجة (٢/١٨٢) .
[ ٢ / ٦٢٢ ]
٢٠١ - (١١) عن ضميرة بن أبي ضميرة - مولى رسول الله ﷺ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "ليس منّا من لم يرحم صغيرنا، ولم يعرف حقَّ كبيرنا، وليس منّا من غشنا، ولا يكون المؤمن مؤمنًا حتى يحب للمؤمنين ما يحبُّ لنفسه".
رواه الطبراني في الكبير١ بإسناده عن حسين بن عبد الله بن ضميرة عن أبيه عن جده ضميرة به.
وحسين بن عبد الله بن ضميرة كذَّبه مالك وأبو حاتم وابن الجارود، وتركه علي وأحمد والدارقطني. وقال أحمد أيضًا: لا يساوي شيئًا. وقال ابن معين: ليس بثقة ولا مأمون. وقال أبو زرعة وأبو داود: ليس بشيء. وزاد أبو زرعة: يضرب على حديثه٢.
فمما سبق يتبين أن هذا الإسناد ضعيف جدًا، وقد يكون موضوعًا. وأما متن الحديث، فإن النهي عن الغش ثابت من أوجهٍ أخرى صحيحة كما سبق.
وأما قوله "ليس منا من لم يرحم صغيرنا " الحديث، فقد ورد عن عبد الله ابن عمرو، وابن عباس، وأنس - ﵃ - وغيرهم٣. وهو حديث حسن بمجموع طرقه وشواهده. والله أعلم.
_________________
(١) ١ المعجم الكبير (٨/٣٠٨) . ٢ لسان الميزان (٢/٢٨٩) . ٣ انظر هذه الأحاديث في نصب الراية (٤/٢٦-٢٧) .
[ ٢ / ٦٢٣ ]
٢٠٢ - (١٢) عن عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "المسلم أخو المسلم، ولا يحلُّ لمسلم باع من أخيه بيعًا فيه عيب إلا بيّنه له".
رواه ابن ماجه١ واللفظ له، وأحمد٢، والروياني٣، والطبراني في الأوسط٤ والكبير٥، والحاكم٦، ومن طريقه البيهقي٧. كلهم من طرق عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الرحمن بن شماسة عنه به.
ووقع عند الطبراني في الأوسط بدل عبد الرحمن بن شماسة: "أبو الخير"، وهو مخالف لرواية غيره، و"أبو الخير" ليست كنية لعبد الرحمن بن شماسة.
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن يزيد بن أبي حبيب إلا ابن لهيعة، ولا يروى عن عقبة إلا بهذا الإسناد".
وفيما قاله الطبراني نظر؛ لأن يحيى بن أيوب قد رواه أيضًا عن يزيد بن أبي حبيب كما رواه الطبراني نفسه، وهو أيضًا عند ابن ماجه والروياني والحاكم.
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه".
وقال الحافظ ابن حجر فيه: "حديث حسن؛ لمتابعة يحيى بن أيوب لابن لهيعة عليه، وباقي رجاله ثقات"٨.
_________________
(١) ١ سنن ابن ماجه [كتاب التجارات (٢/٧٥٥)] . ٢ المسند (٤/١٥٨) . ٣ مسند الصحابة (١/١٥٩) . ٤ المعجم الأوسط (١/٧٧) . ٥ المعجم الكبير (١٧/٣١٧) . ٦ المستدرك (٢/٨) . ٧ السنن الكبرى (٥/٣٢٠) . ٨ تغليق التعليق (٣/٢٢٣) . وانظر: فتح الباري (٤/٣٦٤) .
[ ٢ / ٦٢٤ ]
وقد روى البخاري تعليقًا قوله: "لا يحل لمسلم " الحديث، إلا أنه جعله من قول عقبة بن عامر رضي الله عنه١. ولذا قال الحافظ ابن حجر: "كأن القطعة التي علقها البخاري عنده أنها من قول عقبة، وأنها مدرجة في الحديث، لأنني وجدتها في جميع الروايات عنه هكذا موقوفة، والله أعلم"٢.
ولم أقف على من رواه مسندًا إلى عقبة بن عامر ﵁ موقوفًا عليه. وقد سبق أنه رواه مرفوعًا ابن لهيعة ويحيى بن أيوب. فيكون الحديث المرفوع حسنًا كما قال الحافظ ابن حجر - فيما سبق -، والله أعلم.
٢٠٣ - (١٣) عن واثلة بن الأسقع ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من باع عيبًا لم يبينه لم يزل في مقت الله، ولم تزل الملائكة تلعنه".
رواه ابن ماجه٣ بإسناده عن بقية بن الوليد عن معاوية بن يحيى عن مكحول وسليمان بن موسى عنه به.
وبقية بن الوليد قال فيه ابن المبارك: كان صدوقًا، ولكنه كان يكتب عمَّن أقبل وأدبر. وقال أبو زرعة: بقية عجب إذا روى عن الثقات فهو ثقة. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال النسائي: إذا قال: حدثنا وأخبرنا، فهو ثقة، وإذا قال: عن فلان فلا يؤخذ عنه؛ لأنه لا يدري عمّن أخذه. ووصفه بالتدليس ابن حبان أيضًا٤. ولذا قال الحافظ ابن حجر:
_________________
(١) ١ صحيح البخاري - مع الفتح - (٤/٣٦٢) . ٢ تغليق التعليق (٣/٢٢٣) . ٣ سنن ابن ماجه [كتاب التجارات (٢/٧٥٥)] . ٤ تهذيب التهذيب (١/٤٧٤-٤٧٦) .
[ ٢ / ٦٢٥ ]
"صدوق كثير التدليس عن الضعفاء"١. وذكره في المرتبة الرابعة من مراتب المدلسين٢.
ولم يصرِّح في الحديث بالسماع.
ومعاوية بن يحيى هو الصدفي أبو روح الدمشقي، قال فيه ابن معين: هالك، ليس بشيء. وقال أبو زرعة: ليس بقوي، أحاديثه كأنها منكرة ما حدث بالري، والذي حدث بالشام أحسن حالًا. وقال أبو حاتم: ضعيف في حديثه إنكار. وضعفه أبو داود والنسائي. وقال النسائي أيضًا: ليس بثقة. وقال أيضًا: ليس بشيء٣.
وخلص فيه الحافظ ابن حجر إلى أنه "ضعيف وما حدث بالشام أحسن مما حدث بالري"٤.
فمما سبق يتبين أن هذا الإسناد ضعيف. وقد ضعفه البوصيري، فقال: "هذا إسناد ضعيف، لتدليس بقية بن الوليد وضعف شيخه"٥.
وجاء الحديث من وجهٍ آخر، فقد رواه أحمد٦، والحاكم٧، والبيهقي٨، كلهم من طرقٍ عن يزيد بن أبي مالك، ثنا أبو سباعٍ، قال: اشتريت ناقةً
_________________
(١) ١ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٧٣٤) . ٢ تعريف أهل التقديس (ص١٢١) . ٣ تهذيب التهذيب (١٠/٢١٩-٢٢٠) . ٤ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٦٧٧٢) . ٥ مصباح الزجاجة (٢/١٩٢) . ٦ المسند (٣/٤٩١) . ٧ المستدرك (٢/٩-١٠) . ٨ السنن الكبرى (٥/٣٢٠) .
[ ٢ / ٦٢٦ ]
من دار واثلة ابن الأسقع، فلما خرجت بها أدركنا واثلة وهو يجر رداءه، فقال: يا عبد الله، اشتريت؟ قلت: نعم. قال: هل بيَّن لك ما فيها؟ قلت: وما فيها؟ إنها لسمينة ظاهرة الصحة. قال: فقال: أردت بها سفرًا أم أردت بها لحمًا؟ قلت: بل أردت عليها الحج. قال: فإن بخفها نقبًا. قال: فقال صاحبها: أصلحك الله، أيْ هذا تفسد عليّ. قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يحلّ لأحدٍ أن يبيع شيئًا ألا يبين ما فيه، ولا يحل لمن يعلم ذلك ألا يبينه".
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه".
وفي قوله نظر؛ فإن أبا سباع مجهول كما قال الذهبي١. وقد نقل الحسيني عن أبي حاتم أنه قال فيه: مجهول٢. ولم أقف على كلام أبي حاتم في الجرح والتعديل، ثم وقفت على كلام الحافظ ابن حجر في تعجيل المنفعة٣، وقد بيّن فيه أن الحسيني وهم في نقله هذا عن أبي حاتم، وبيّن الحافظ أن سبب وهمه أن الذهبي ذكر في مقدمة ميزان الاعتدال٤ أنه إذا أطلق لفظة "مجهول" فمراده أن أبا حاتم قالها. فلما وقف الحسيني على قول الذهبي في أبي سباع أنه مجهول نسبها الحسيني إلى أبي حاتم اعتمادًا على ما ذكره الذهبي في مقدمة الميزان. ولعلّ الذهبي ذكر هذا ويعني به في الغالب، أو أنه غفل عما ذكره في المقدمة، فقال فيه "مجهول" من غير أن يعني أن أبا حاتم جهّله. والله أعلم.
_________________
(١) ١ ميزان الاعتدال (٦/٢١٠)، والمغني في الضعفاء (٢/٤٦٨) . ٢ الإكمال (٢/٢٧٩) . ٣ تعجيل المنفعة (ص٤٨٧) . وانظر: لسان الميزان (٧/٥٠) . ٤ ميزان الاعتدال (١/٦) .
[ ٢ / ٦٢٧ ]
فمما سبق يتبين أن هذا الإسناد ضعيف أيضًا، إلا أن الحديث يتقوى بطريقيه، وكذلك بشواهده، فيكون بها حسنًا.
وأما الوعيد الوارد في هذا الحديث فهو ضعيف لعدم وجود ما يعضده. والله أعلم.
[ ٢ / ٦٢٨ ]
دلالة الأحاديث السابقة:
يستفاد مما تقدم النهي عن الغش، وأنه ليس من أخلاق المؤمنين وسيرتهم، فغش المسلمين مخالف للنصيحة لهم التي أمر بها النبي ﷺ في قوله: "الدين النصيحة، فقيل له: لمن يا رسول الله؟ فقال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم"١.
وفي الصحيحين٢ عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: " بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم".
ولذا ذكر الإمام الدارمي هذا الحديث في كتاب البيوع من سننه٣، ثم ذكر بعده حديث ابن عمر - ﵄ - المتقدم في النهي عن الغش.
وللغش مفاسد كثيرة في الأموال ونزع البركات، ومن أسباب تسليط الكفار على المسلمين٤.
وضابط الغش المحرم أن يعلم ذو السلعة من نحو بائعٍ أو مشترٍ فيها شيئًا لو اطلع عليه مريد أخذها ما أخذها بذلك المقابل٥.
وإذا وقع البيع على شيء مغشوش، فللمشتري الخيار إذا وقف عليه٦ كما سيأتي في حديث المصرّاة، فإنها من الغش وقد أثبت النبي ﷺ لمشتريها الخيار. والله أعلم.
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه في الدراسة الفقهية للفصل السابق. ٢ صحيح البخاري - مع الفتح -[كتاب الإيمان (١/ رقم ٥٧)]، صحيح مسلم [كتاب الإيمان (١/٧٥)] . ٣ سنن الدرامي (٢/٣٢٢) . ٤ انظر في هذا: الزواجر عن اقتراف الكبائر (١/٢٣٩-٢٤٣) . ٥ المرجع السابق (١/٢٣٨) . ٦ شرح السنة (٨/١٦٧) .
[ ٢ / ٦٢٩ ]