١٦٢ - (١) عن ابن عمر - ﵄ - "أن النبي ﷺ نهى عن المزابنة"، والمزابنة بيع الثمر بالتمر كيلًا، وبيع الكرم بالزبيب كيلًا.
رواه مالك١ بهذا اللفظ عن نافعٍ عنه به. ومن طريقه أخرجه البخاري٢، ومسلم٣، والنسائي٤، والشافعي٥، وأحمد٦، والبيهقي٧.
ورواه من غير طريق مالك البخاري٨، ومسلم٩، وأبو داود١٠، والنسائي١١، وابن ماجه١٢، وأحمد١٣، والطحاوي١٤، والبيهقي١٥، كلهم من طرقٍ عن نافعٍ به بنحوه.
_________________
(١) ١ الموطأ (٢/٤٨٦) . ٢ صحيح البخاري - مع الفتح -[كتاب البيوع (٤/رقم ٢١٧١،٢١٨٥،٢٢٠٥)] . ٣ صحيح مسلم [كتاب البيوع (٣/١١٧١)] . ٤ سنن النسائي [كتاب البيوع (٧/٢٦٦)] . ٥ الرسالة (ص٣٣١) . ٦ المسند (٢/٧،٦٣) . ٧ السنن الكبرى (٥/٣٠٧) . ٨ صحيح البخاري - مع الفتح -[كتاب البيوع (٤/رقم ٢١٧٢)] . ٩ صحيح مسلم [كتاب البيوع (٣/١١٧١-١١٧٢)] . ١٠ سنن أبي داود [كتاب البيوع (٣/٦٥٨)] . ١١ سنن النسائي [كتاب البيوع (٧/٢٦٦)] . ١٢ سنن ابن ماجه [كتاب التجارات (٢/٧٦١-٧٦٢)] . ١٣ المسند (٢/٥،١٦،٦٤،١٢٣) . ١٤ شرح معاني الآثار (٤/٣٤) . ١٥ السنن الكبرى (٥/٣٠٧) .
[ ٢ / ٥٣١ ]
وعند أحمد التصريح بأن تفسير المزابنة من نافع مولى ابن عمر.
ورجح الحافظ أن التفسير مرفوع إلى النبي ﷺ، وعلى فرض أنه من قول ابن عمر فالصحابة أعلم بذلك من غيرهم١.
وروى الترمذي الحديث بإسناده عن محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر عن زيد بن ثابت "أن النبي ﷺ نهى عن المحاقلة والمزابنة "٢، فزاد في الإسناد زيد بن ثابت بين النبي ﷺ وابن عمر - ﵄ -.
وقد تفرّد بذلك ابن إسحاق وهو مدلِّس وقد عنعن، وقد بيَّن الترمذي أن رواية مالك وغيره عن نافع أصحّ من رواية ابن إسحاق. وأن المحفوظ في حديث زيد بن ثابت هو الرخصة في العرايا، وليس عنده ذكر النهي عن المحاقلة والمزابنة.
وروى الشافعي٣، والحميدي٤، وعلي بن الجعد٥، والطحاوي٦ - من طريق الشافعي -، والحاكم٧، كلهم من طرقٍ عن سفيان ثنا عمرو بن دينار سمعت إسماعيل الشيباني يقول: بعت ما في رؤوس نخلي بمائة وسق إن زاد فلهم وإن نقص فعليهم، فسألت ابن عمر، فقال: "نهى رسول الله ﷺ عن هذا إلا أنه أرخص في العرايا".
وإسناد هذا الحديث صحيح.
_________________
(١) ١ انظر: فتح الباري (٤/٤٥٠) . ٢ جامع الترمذي [كتاب البيوع (٣/٥٩٤)] . وانظر أيضًا: مصنف ابن أبي شيبة (٥/٣١٠) . ٣ مسند الشافعي (ص١٤٤) . ٤ مسند الحميدي (٢/٢٩٦) . ٥ مسند علي بن الجعد (٢/٧٠٢-٧٠٣) . ٦ شرح معاني الآثار (٤/٢٩) . ٧ مستدرك الحاكم (٤/٣٦٥) .
[ ٢ / ٥٣٢ ]
وإسماعيل الشيباني هو إسماعيل بن إبراهيم. قال عنه أبو زرعة: ثقة١.
ورواه البخاري٢، ومسلم٣، والنسائي مختصرًا٤، والطحاوي٥، والدارقطني٦، كلهم من طرقٍ عن سالم عن أبيه مرفوعًا، بلفظ: "لا تبيعوا الثمر حتى يبدو صلاحه، ولا تبيعوا الثَّمر بالتمر". وحديث ابن عمر - ﵄ - في النهي عن بيع ما لم يبد صلاحه قد رواه أيضًا البخاري٧، ومسلم٨، وأبو داود٩، والنسائي١٠، وابن ماجه١١، كلهم من طرق عنه - ﵄ - قال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمبتاع".
وعند مسلم: قيل لابن عمر - ﵄ -: ما صلاحه؟ قال: تذهب عاهته.
وفي لفظ لمسلم وأبي داود، وهو لفظ الترمذي١٢ عنه - ﵄ - أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع النخل حتى يزهو، وعن السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة، نهى البائع والمبتاع.
_________________
(١) ١ الجرح والتعديل (٢/١٥٥) . ٢ صحيح البخاري - مع الفتح -[كتاب البيوع (٤/رقم ٢١٨٣)] . ٣ صحيح مسلم [كتاب البيوع (٣/١١٦٨)] . ٤ سنن النسائي [كتاب البيوع (٧/٢٦٣،٢٦٦)] . ٥ شرح معاني الآثار (٤/٣٢) . ٦ سنن الدارقطني (٣/٤٩) . ٧ صحيح البخاري – مع الفتح – [كتاب البيوع (٤/رقم ٢١٩٤)] . ٨ صحيح مسلم [كتاب البيوع (٣/١١٦٥-١١٦٦)] . ٩ سنن أبي داود [كتاب البيوع (٣/٦٦٣-٦٦٥)] . ١٠ سنن النسائي [كتاب البيوع (٧/٢٦٢-٢٦٣)] . ١١ سنن ابن ماجه [كتاب التجارات (٢/٧٤٦)] . ١٢ جامع الترمذي [كتاب البيوع (٣/٥٢٩)] .
[ ٢ / ٥٣٣ ]
فمما تقدم يتبين أن حديث ابن عمر﵄ – في النهي عن المزابنة، وعن بيع ما لم يبد صلاحه حديث صحيح، وقد ثبت عنه من طرقٍ. والله أعلم.
١٦٣ - (٢) عن سهل بن أبي حثمة ﵁ "أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الثمر بالتمر، ورخَّص في العريِّة أن تباع بخرصها يأكلها أهلها رُطبًا".
رواه البخاري١ واللفظ له، ومسلم٢، وأبو داود٣، والنسائي٤، والشافعي٥، والحميدي٦، وابن أبي شيبة٧، وأحمد٨، والطحاوي٩، والطبراني في الكبير١٠، والبيهقي١١، كلهم من طرقٍ عن بُشير بن يسار عنه به.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري - مع الفتح -[كتاب البيوع (٤/رقم ٢١٩١)، كتاب الشرب والمساقاة (٥/رقم ٢٣٨٣)] . ٢ صحيح مسلم [كتاب البيوع (٣/١١٧٠)] . ٣ سنن أبي داود [كتاب البيوع (٣/٦٦١)] . ٤ سنن النسائي [كتاب البيوع (٧/٢٦٨)] . ٥ مسند الشافعي (ص١٤٤) . ٦ مسند الحميدي (١/١٩٦) . ٧ مصنف ابن أبي شيبة (٥/٣٠٩) . ٨ المسند (٤/٢/١٤٠)، (٥/٣٦٤) . ٩ شرح معاني الآثار (٤/٢٩-٣٠) . ١٠ المعجم الكبير (٦/١٠٢) . ١١ السنن الكبرى (٥/٣٠٩-٣١٠) .
[ ٢ / ٥٣٤ ]
ورواه البخاري١، ومسلم٢، والترمذي٣، والنسائي٤، وابن أبي شيبة٥، وأحمد٦، والطبراني٧ من هذا الطريق بذكر رافع بن خديج مقرونًا بسهل بن أبي حثمة. وسوف يأتي - إن شاء الله - ذكر حديث رافع بن خديج ﵁.
وفي روايةٍ لمسلم والطحاوي: "أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الثمر بالتمر، وقال: ذلك الربا، تلك المزابنة".
وفي روايةٍ لمسلم وأحمد والبيهقي أُبهم سهل بن أبي حثمة. ويبينه الطرق الأخرى للحديث.
وفي رواية لمسلم والبيهقي جاء "عن بعض أصحاب النبي ﷺ من أهل دارهم منهم سهل بن أبي حثمة".
١٦٤ - (٣) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن المزابنة والمحاقلة"، والمزابنة اشتراء الثمر في رؤوس النخل، والمحاقلة كراء الأرض.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري - مع الفتح -[كتاب الشرب والمساقاة (٥/رقم ٢٣٨٤)] . ٢ صحيح مسلم [كتاب البيوع (٣/١١٧٠)] . ٣ جامع الترمذي [كتاب البيوع (٣/٥٩٦)] . ٤ سنن النسائي [كتاب البيوع (٧/٢٦٨)] . ٥ المصنف (٥/٣١٠) . ٦ المسند (٤/١٤٠) . ٧ المعجم الكبير (٤/٢٨١)، (٦/١٠٢) .
[ ٢ / ٥٣٥ ]
رواه مالك١ بهذا اللفظ عن داود بن الحصين عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد عنه به. ومن طريق مالك أخرجه البخاري٢، ومسلم٣، وابن ماجه٤، وأحمد٥، وأبو يعلى٦، والبيهقي٧.
وللحديث طريق أخرى، فقد رواه النسائي٨، والدارمي٩، وأحمد١٠، وأبو يعلى١١، كلهم من طرقٍ عن محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي سعيدٍ به.
ومحمد بن عمرو بن علقمة تقدم الكلام فيه١٢، وأنه صدوق له أوهام.
وقد توبع عمرو بن علقمة بالطريق الأولى للحديث متابعة قاصرة فيعتضد بها. والله أعلم.
_________________
(١) ١ الموطأ (٢/٤٨٦) . ٢ صحيح البخاري - مع الفتح -[كتاب البيوع (٤/رقم ٢١٨٦)] . ٣ صحيح مسلم [كتاب البيوع (٣/١١٧٩)] . ٤ سنن ابن ماجه [كتاب الرهون (٢/٨٢٠)] . ٥ المسند (٣/٦،٨،٦٠) . ٦ مسند أبي يعلى (٢/٤٠٧) . ٧ السنن الكبرى (٥/٣٠٧) . ٨ سنن النسائي [كتاب المزارعة (٧/٣٩)] . ٩ سنن الدارمي (٢/٣٢٨) . ١٠ المسند (٣/٦٧) . ١١ مسند أبي يعلى (٢/٤٥٦) . ١٢ تقدم الكلام فيه عند حديث رقم (١٢٩) .
[ ٢ / ٥٣٦ ]
١٦٥ - (٤) عن ابن عباس - ﵄ - قال: "نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة والمزابنة".
رواه البخاري١ وهذا لفظه، وأحمد٢، والطبراني في الكبير٣، والبيهقي٤، كلهم من طرقٍ عن أبي معاوية محمد بن خازم عن سليمان بن أبي سليمان أبي إسحاق الشيباني عن عكرمة مولى ابن عباس عنه به.
وزاد أحمد والطبراني والبيهقي: وكان عكرمة يكره بيع القصيل.
والقصيل هو ما قطع من الزرع وهو أخضر٥.
١٦٦ - (٥) عن أبي هريرة ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة والمزابنة".
رواه مسلم٦، والترمذي٧، والنسائي٨، وعبد الرزاق٩، وأحمد١٠، والطحاوي١١، والطبراني في المعجم الصغير١٢، كلهم من طرقٍ عن أبي هريرة ﵁ وهذا لفظهم.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري - مع الفتح -[كتاب البيوع (٤/رقم ٢١٨٧)] . ٢ المسند (١/٢٢٤) . ٣ المعجم الكبير (١١/٢٩٩) . ٤ السنن الكبرى (٥/٣٠٨) . ٥ انظر: لسان العرب (١١/٥٥٧-٥٥٨) . ٦ صحيح مسلم [كتاب البيوع (٣/١١٧٩)] . ٧ جامع الترمذي [كتاب البيوع (٣/٥٢٧)] . ٨ سنن النسائي [كتاب المزارعة (٧/٣٩)] . ٩ المصنف (٨/١٠٤) . ١٠ المسند (٢/٣٩١-٣٩٢، ٤٨٤) . ١١ شرح معاني الآثار (٤/٣٣) . ١٢ المعجم الصغير (١/٣٩) .
[ ٢ / ٥٣٧ ]
وزاد الطبراني: "والملامسة ونهى عن الشغار".
ورواه مسلم١، والنسائي٢، والطحاوي٣، والدارقطني٤ بلفظ: "لا تبتاعوا الثمر حتى يبدو صلاحه، ولا تبتاعوا الثمر بالتمر".
١٦٧ - (٦) عن رافع بن خديج ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة والمزابنة، وقال: إنما يزرع ثلاثة: رجلٌ له أرضٌ فهو يزرعها، ورجلٌ منح أرضًا فهو يزرع ما منح، ورجلٌ استكرى أرضًا بذهب أو فضة".
رواه أبو داود٥ وهذا لفظه، والنسائي٦، وابن ماجه٧، وابن أبي شيبة٨، والطبراني٩، كلهم من طرقٍ به. وإسناده صحيح.
وللحديث طرق كثيرة وألفاظ مختلفة أعرضت عنها واكتفيت بما سبق؛ لكونها - أي هذه الطرق - ليست في موضوع البيع، وإنما هي من باب
_________________
(١) ١ صحيح مسلم [كتاب البيوع (٣/١١٦٨)] . ٢ سنن النسائي [كتاب البيوع (٧/٢٦٣)] . ٣ شرح معاني الآثار (٤/٣٢) . ٤ سنن الدارقطني (٣/٤٩) . ٥ سنن أبي داود [كتاب البيوع (٣/٦٩١)] . ٦ سنن النسائي [كتاب البيوع (٧/٢٦٧)] . ٧ سنن ابن ماجه [كتاب التجارات (٢/٧٦٢)] . ٨ المصنف (٥/٣٠٩) . ٩ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٢٧٠٣) .
[ ٢ / ٥٣٨ ]
الإجارة والمزارعة، وقد أطال النسائي١ في بيان الاختلاف في طرق وألفاظ هذا الحديث٢.
وفي روايةٍ للنسائي جاء فيها بيان أن قوله "إنما يزرع ثلاثة " الحديث، من قول سعيد بن المسيب.
وقد روى هذا الحديث مسلم٣، ومالك٤، وعبد الرزاق٥، كلهم من طرقٍ عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب "أن النبي ﷺ قال " فذكر الحديث. وسعيد بن المسيب قد جاء في الطرق الأخرى للحديث أنه سمع هذا الحديث من رافع بن خديج ﵁.
وأما سبب إخراج مسلم له مع إرساله، فالجواب ما ذكره السيوطي حيث قال: "عذره فيه أنه يورده محتجًا بالمسند منه لا بالمرسل، ولم يقتصر عليه للخلاف في تقطيع الحديث على أن المرسل منه تبين اتصاله من وجهٍ آخر"٦. ويعني السيوطي بقوله هذا، أن مسلمًا سمع حديثًا مسندًا ومعه هذا المرسل، فذكرهما جميعًا، ومقصوده الحديث المتصل، وأورد المرسل لكونه أراد أداء الحديث كما سمعه، ولم يقتصر على المتصل للخلاف في جواز تقطيع الحديث. والله أعلم.
_________________
(١) ١ سنن النسائي [كتاب البيوع (٧/٣٣-٥١)] . ٢ دراسة هذه الطرق وألفاظها وبيان الاختلاف والائتلاف بينها أمرٌ في غاية الدقة، وقد ذكر النسائي (المرجع السابق) طرفًا منه. وهذه الدراسة تصلح أن تفرد ببحثٍ مستقل. والله أعلم. ٣ صحيح مسلم [كتاب البيوع (٣/١١٦٨)] . ٤ الموطأ (٢/٤٨٦) . ٥ المصنف (٨/١٠٤) . ٦ تدريب الراوي (١/٢٠٦) .
[ ٢ / ٥٣٩ ]
١٦٨ - (٧) عن زيدٍ أبي عياش أنه سأل سعد بن أبي وقاص عن البيضاء بالسّلت، فقال له سعد: أيتهما أفضل؟ قال: البيضاء. فنهاه عن ذلك. وقال سعد: "سمعت رسول الله ﷺ يُسأل عن شراء التمر بالرُّطب، فقال رسول الله ﷺ: "أينقص الرُّطب إذا يبس"؟ قالوا: نعم. فنهى عن ذلك".
رواه مالك١ وهذا لفظه عن عبد الله بن يزيد به. ومن طريقه أخرجه أبو داود٢، والترمذي٣، والنسائي٤، وابن ماجه٥، والطيالسي٦، وعبد الرزاق٧، وابن أبي شيبة٨، وأحمد٩، والبزار١٠، وأبو يعلى١١، والطحاوي١٢، وابن حبان١٣، والدارقطني١٤، والبيهقي١٥. وقال الترمذي: حسن صحيح.
_________________
(١) ١ الموطأ (٢/٤٨٥) . ٢ سنن أبي داود [كتاب البيوع (٣/٦٥٤)] . ٣ جامع الترمذي [كتاب البيوع (٣/٢٥٨)] . ٤ سنن النسائي [كتاب البيوع (٧/٢٦٨-٢٦٩)] . ٥ سنن ابن ماجه [كتاب التجارات (٢/٧٦١)] . ٦ مسند الطيالسي (ص٢٩) . ٧ مصنف عبد الرزاق (٨/٣٢) . ٨ مصنف ابن أبي شيبة (٥/٨١) . ٩ مسند أحمد (١/١٧٥،١٧٩) . ١٠ مسند البزار - البحر الزخار - (٤/٦٦) . ١١ مسند أبي يعلى (٢/٦٨،١٤١) . ١٢ شرح معاني الآثار (٤/٦)، شرح مشكل الآثار (١٥/٤٦٧-٤٧٠) . ١٣ الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان (١١/٣٧٢،٣٧٨) . ١٤ سنن الدارقطني (٣/٤٩) . ١٥ السنن الكبرى (٥/٢٩٤) .
[ ٢ / ٥٤٠ ]
ورواه النسائي، وعبد الرزاق، والحميدي١، وأحمد٢، والطحاوي٣، والدارقطني، والبيهقي، كلهم من طرقٍ عن إسماعيل بن أمية عن عبد الله بن يزيد به بنحو لفظ مالك.
ورواه ابن الجارود٤، والطحاوي٥، بإسنادهما عن مالك وأسامة بن زيد عن عبد الله بن يزيدٍ به.
فهؤلاء مالك، وإسماعيل بن أمية، وأسامة بن زيد كلهم اتفقوا على متن الحديث المتقدم.
ويؤيد ما رووه ما أخرجه الحاكم٦ - ومن طريقه البيهقي - بإسناده عن الربيع بن سليمان المرادي عن عبد الله بن وهب عن مخرمة بن بكير عن أبيه عن عمران بن أبي أنس قال سمعت أبا عياش " الحديث بنحو لفظ مالك.
فهذه متابعة لعبد الله بن يزيد - في رواية الجماعة عنه -.
وخالفهم يحيى بن أبي كثير، وذلك فيما رواه أبو داود٧، والطحاوي، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي، كلهم من طرقٍ عن يحيى بن أبي كثير أخبرني عبد الله بن يزيد أنَّ أبا عيَّاش أخبره أنه سمع سعد بن أبي وقاص ﵁
_________________
(١) ١ مسند الحميدي (١/٤١) . ٢ مسند أحمد (١/١٧٩) . ٣ شرح مشكل الآثار (١٥/٤٨٢) . ٤ المنتقى - المطبوع مع تخريجه غوث المكدود - (٢/٢٣٠-٢٣١) . ٥ شرح معاني الآثار (٤/٦)، شرح مشكل الآثار (١٥/٤٧٦) . ٦ المستدرك على الصحيحين (٢/٤٣) . ٧ سنن أبي داود [كتاب البيوع (٣/٦٥٧-٦٥٨)] .
[ ٢ / ٥٤١ ]
يقول: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الرطب بالتمر نسيئة". فجعل النهي مقتصرًا على بيعه نسيئة.
وقد توبع يحيى بن أبي كثير في روايته هذه، وذلك فيما رواه الطحاوي١ عن يونس بن يزيد الأيلي عن ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن بكير بن عبد الله عن عمران بن أبي أنيس أن مولى لبني مخزوم حدثه أنه سأل سعد بن أبي وقاص عن الرجل يسلف الرجل الرطب بالتمر إلى أجل؟ فقال سعد: "نهانا رسول الله ﷺ عن هذا".
فهذه متابعة لعبد الله بن يزيد - في رواية يحيى بن أبي كثير عنه -.
فاختلف العلماء في الترجيح بين الروايتين، فالطحاوي وابن التركماني٢ وغيرهما من الأحناف يرجِّحون رواية يحيى بن أبي كثير ويجعلون النهي عن بيع الرطب بالتمر إذا كان نسيئة، وهذا هو مذهبهم.
وخالفهم آخرون فرجحوا رواية مالك ومن معه، فقال الدارقطني
- بعد ذكر رواية يحيى بن أبي كثير -، قال: "خالفه مالك وإسماعيل بن أمية والضحاك بن عثمان وأسامة بن زيد، رووه عن عبد الله بن يزيد ولم يقولوا "نسيئة"، واجتماع هؤلاء الأربعة على خلاف ما رواه يحيى يدل على ضبطهم للحديث، وفيهم إمام حافظ وهو مالك بن أنس".
وذكر البيهقي ترجيحًا آخر لرواية مالك ومن معه، فقال: "العلة المنقولة في هذا الخبر تدل على خطأ هذه اللفظة"٣. ويعني البيهقي بقوله هذا أن
_________________
(١) ١ شرح معاني الآثار (٤/٦)، شرح مشكل الآثار (١٥/٤٧٥-٤٧٦) . ٢ الجوهر النقي - المطبوع في حاشية سنن البيهقي - (٥/٢٩٥) . ٣ قال الخطابي نحوه أيضًا. معالم السنن (٣/٦٥٦)، وكذلك ابن الهمام. شرح فتح القدير (٧/٢٩) .
[ ٢ / ٥٤٢ ]
في قول النبي ﷺ: "أينقص الرطب إذا يبس؟ " ما يدل على أن النهي في حالة بيع الرطب بالتمر حالًا لعدم التماثل بينهما؛ لأنه وإن تساويا في الكيل إلا أن الرطب سوف ييبس فيقل كيله، وأما إذا كان النهي إنما هو مقتصر على بيعهما نسيئة لم يعد لهذا التعليل معنى؛ لأن النسيئة محرمة، حتى بين التمر بالتمر المتماثلين، فلا يخشى من نقص أحدهما.
وأما الطحاوي وابن التركماني وغيرهما فسبق أنهم يرجحون رواية يحيى بن أبي كثير، وقد أتى الطحاوي على رواية إسماعيل بن أمية وأسامة بن زيد فضعفهما لما وقع في بعض الأسانيد عنهما من خطأ. وفعل نحو ذلك ابن التركماني وزاد عليه أن ضعف حتى رواية مالك بحجة اختلاف وقع عليه في بعض الأسانيد، وقد خالفه الطحاوي فصحح رواية مالك وعارضها برواية يحيى بن أبي كثير والمتابعة التي جاءت بمعناها، ثم قال عن رواية مالك ومن معه: "فبان بحمد الله ونعمته فساد هذا الحديث في إسناده وفي متنه١ جميعًا"٢.
ولكن يظهر أن ما ذكراه فيه نظر؛ لأن الخطأ في بعض الأسانيد المروية في حديثٍ ما لا يعني ضعف الحديث كله، وإلا فإن كثيرًا من
_________________
(١) ١ مما جعل الحنفية لا يأخذون بمتن الحديث الذي فيه النهي عن بيع الرطب بالتمر مطلقًا، هو أنهم قالوا: إن الرطب والتمر إما أن يكونا جنسًا واحدًا فيشترط في بيعهما الحلول والتساوي، وإما أن يكونا جنسين مختلفين فيشترط في بيعهما الحلول، ويجوز التفاضل. ولا ينهى عن بيع ربويين إلا مع النسيئة أو التفاضل في الجنسين. وجواب الجمهور عن قولهم هو أن الرطب والتمر جنس واحد إلا أنه لا تتحقق بينهما المساواة، فلا يجوز بيعهما مطلقًا. ٢ شرح مشكل الآثار (١٥/٤٧٦) .
[ ٢ / ٥٤٣ ]
الأحاديث الصحيحة وقع فيها نحو ذلك، فالضعيف لا يعل الصحيح. ورواية مالك لهذا الحديث جاءت عن أربعة عشر راويًا كلهم رووه عن مالك ولم يختلفوا عليه، وجاءت رواية واحدة تخالف روايتهم من طريق علي بن عبد الله بن المديني عن أبيه عن مالك عن داود بن الحصين عن عبد الله بن يزيد فذكر الحديث١. فعبد الله بن المديني والد علي بن المديني ضعيف٢، وقد وجه علي بن المديني رواية والده بأنها كانت قبل أن يلقى مالكٌ عبدَ الله بن يزيد ويأخذ منه الحديث بلا واسطة. فهل هذا يعد اختلافًا على مالك ترد به روايته؟ لا شك أن هذا لا يصح.
وأما ابن التركماني فقال: "ومالك قد اختلف عليه في سند الحديث ". وهذا بعيد من الصواب والله أعلم.
فيترجح - والله أعلم - أن رواية مالك ومن تابعه هي المحفوظة، وأن رواية يحيى بن أبي كثير شاذة.
وأما المتابعة التي جاءت بمعنى ما رواه يحيى بن أبي كثير، فتقدم أنه قد عارضها بنفس إسنادها رواية تؤيد رواية مالك ومن معه، ولكن ابن التركماني رجح رواية من تابع يحيى بن أبي كثير، وأخذ يضعف الرواية الأخرى مع أن إسنادها صحيح، وأما رواية مخرمة بن بكير عن أبيه فقد قال ابن حجر: "روايته عن أبيه وجادة من كتابه"٣، وروى مسلم أحاديث من هذا الطريق٤. والله أعلم.
_________________
(١) ١ السنن الكبرى (٥/٢٩٤) . ٢ تقدم الكلام فيه عند حديث رقم (٤٨) . ٣ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٦٥٢٦) . ٤ انظر: جامع التحصيل (ص٣٣٩) .
[ ٢ / ٥٤٤ ]
والرواية التي تؤيد رواية يحيى بن أبي كثير وقد رواها الطحاوي، إسنادها أيضًا صحيح، والمولى من بني مخزوم هو زيد أبو عياش كما في الطرق الأخرى للحديث، ولكن قال عنها البيهقي: "هذا يخالف رواية الجماعة في غير موضع، فإن كان محفوظًا فهو إذا حديث آخر"١.
وهذا الحمل الذي ذكره البيهقي متعيِّن؛ لأن في رواية مالك وغيره أنَّ أبا عياش سأل سعدًا عن بيع السلت بالبيضاء، فذكر له سعد أن النبي ﷺ نهى عن بيع الرطب بالتمر لعدم التماثل بينهما، فكذلك لا يجوز بين السلت بالبيضاء. وأما في رواية الطحاوي فجاء فيها أن أبا عياش سأل سعدًا عن الرجل يسلف الرجل الرطب بالتمر إلى أجل. والله أعلم.
فإذا ترجّح أن المحفوظ في هذا الحديث هو رواية مالك ومن تابعه عن عبد الله بن يزيد عن زيدٍ أبي عياش عن سعد بن أبي وقاص ﵁ "أن النبي ﷺ نهى عن بيع الرطب بالتمر". ليس فيه نسيئة، فقد أُعلّ هذا الحديث أيضًا بزيدٍ أبي عياش، فقال فيه أبو حنيفة وابن حزم: مجهول٢.
والجواب عن هذا ما قاله المنذري حيث قال: "كيف يكون مجهولًا وقد روى عنه اثنان ثقتان عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان، وعمران بن أبي أنس، وهما ممن احتج بهما مسلم في صحيحه، وقد عرفه أئمة هذا الشأن، هذا الإمام مالك قد أخرج حديثه في موطئه مع شدة تحريه في الرجال ونقده وتتبعه لأحوالهم، والترمذي قد أخرج حديثه وصححه، وصحح حديثه أيضًا الحاكم أبو عبد الله "٣ انتهى.
_________________
(١) ١ معرفة السنن والآثار (٨/٦٣) . ٢ تهذيب التهذيب (٣/٤٢٤) . ٣ مختصر سنن أبي داود (٥/٣٤) .
[ ٢ / ٥٤٥ ]
ويضاف إلى ما ذكره المنذري أن الدارقطني قال فيه ثقة، وصحح حديثه ابن خزيمة وابن حبان، وذكره ابن حبان في الثقات١، وقال بعضهم إنه صحابي لكن هذا مردود كما قال الطحاوي٢.
فمما سبق يتبين أن الحديث صحيح من رواية مالك ومن تابعه. وهو يدل على النهي عن بيع الرطب بالتمر.
وأما قوله في الحديث: "سئل عن بيع البيضاء بالسلت"، فالبيضاء نوع من البر أبيض اللون وفيه رخاوة يكون ببلاد مصر٣.
وأما السُّلت فقال الخطابي: "هو نوع غير البر وهو أدق حبًا منه، وقال بعضهم البيضاء هو الرطب من السلت، والأول أعرف إلا أن هذا القول أليق بمعنى الحديث، وعلته تبين موضع التشبيه من الرطب بالتمر، وإذا كان الرطب منهما جنسًا واليابس جنسًا آخر لم يصح التشبيه"٤ انتهى كلامه.
وقال ابن عبد البر: "البيضاء هي الشعير"٥.
ويظهر أنه يرى أن السُّلت نوع غير الشعير، وذكر ابن عبد البر أن سعد بن أبي وقاص كان يرى أن البر والشعير والسُّلت نوع واحد لا يجوز التفاضل بينهما. فلذلك حدث بهذا الحديث الذي فيه النهي عن بيع المتماثلين إلا مثلًا بمثل.
وقال ابن الأثير عكس ما قال ابن عبد البر، فقال: "إن البيضاء هي الحنطة، والسلت ضرب من الشعير أبيض لا قشر له"٦. والله أعلم.
_________________
(١) ١ تهذيب التهذيب (٣/٤٢٣-٤٢٤) . ٢ المرجع السابق (٣/٣٢٤) . ٣ معالم السنن (٣/٦٥٤) . ٤ المرجع السابق. ٥ التمهيد (١٩/١٧٤) . ٦ النهاية (١/١٧٣)، (٢/٣٨٨) .
[ ٢ / ٥٤٦ ]
١٦٩ - (٨) عن عبد الله بن أبي سلمة أن رسول الله ﷺ سئل عن رطبٍ بتمرٍ، فقال: "أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم. قال: لا يباع رطب بيابسٍ".
رواه البيهقي١ بإسناده عن سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد الأنصاري عنه به.
وهو مرسل، فإن عبد الله بن أبي سلمة هو الماجشون، تابعي، وهو ثقة٢.
وإسناده إلى عبد الله بن أبي سلمة صحيح.
قال البيهقي: هذا مرسل جيِّد.
وهذا المرسل يصلح للاعتبار به في الشواهد. وهو شاهد لما تقدم في النهي عن بيع الرطب بالتمر. والله أعلم.
١٧٠ - (٩) عن ابن عمر - ﵄ - قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يباع الرطب بالتمر الجاف".
رواه ابن عدي٣، والدارقطني٤، ومن طريقه ابن الجوزي٥.
_________________
(١) ١ السنن الكبرى (٥/٢٩٥) . ٢ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٣٣٦٦) . ٣ الكامل (٧/١٨٩) . ٤ سنن الدارقطني (٣/٤٨) . ٥ التحقيق (٢/١٧٢-١٧٣) .
[ ٢ / ٥٤٧ ]
وفي إسناده يحيى بن أبي أُنيسة. تقدم الكلام فيه١، وأنه ضعيف جدًا.
وللحديث طريق أخرى، أخرجها الدارقطني٢ أيضًا بإسناده عن موسى بن عبيدة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: "نهى رسول الله ﷺ عن الرطب باليابس".
وموسى بن عبيدة، هو الرّبذي، تقدم الكلام فيه وأنه ضعيف جدًا٣.
فمما سبق يتبين أن هذين الإسنادين ضعيفان ضعفًا شديدًا، وذلك لأجل يحيى بن أبي أُنيسة، وموسى بن عبيدة الربذي، وبهما أعل ابن الجوزي٤ الحديث. والله أعلم.
ومما ورد في هذا الفصل أيضًا:
(١٠) حديث أنس بن مالك ﵁، وقد تقدم٥.
(١١) حديث جابر بن عبد الله - ﵄ -، وقد تقدم٦.
(١٢) حديث ابن عباس - ﵄ -، وقد تقدم٧.
_________________
(١) ١ تقدم الكلام فيه عند حديث رقم (٥٢) . ٢ سنن الدارقطني (٣/٤٨) . ٣ تقدم في حديث عتاب بن أسيد ﵁، رقم (٧١) . ٤ التحقيق (٢/١٧٣) . ٥ تقدم برقم (١١١) . ٦ تقدم برقم (١١٩) . ٧ تقدم برقم (١٢٣) .
[ ٢ / ٥٤٨ ]
دلالة الأحاديث السابقة:
يستفاد مما تقدم من أحاديث هذا الفصل النهي عن المحاقلة والمزابنة.
أما المحاقلة فقد اختلف في معناها، ولكن أشهر ما فسرت به معنيان:
أحدهما: اكتراء الأرض بالحنطة وهو ما يسمى بالمزارعة.
والثاني: أنه بيع الطعام في سنبله بالبر.
وقد سبق أن سعيد بن المسيب فسَّر المحاقلة بهذين المعنيين، وفسّرها جابر بن عبد الله - ﵄ - بالمعنى الثاني، وهو الذي يهمنا هنا؛ لأنه هو الذي يتعلق بموضوع البيع، وأما الأول فهو من باب الإجارة.
وقد أجمع العلماء على تحريم بيع الحنطة في سنبلها بحنطةٍ صافيةٍ١. وإنما نهي عنه لعدم تحقق المساواة فيهما وهي شرط في الربويات. وذلك أن الحب إذا بيع بجنسه لا يعلم مقداره بالكيل. والجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل٢.
وأما المزابنة فهي بيع الرطب على رؤوس النخل بالتمر، وأصله من الزبن وهو الدفع، كأنّ كل واحدٍ من المتبايعين يزبن صاحبه عن حقه بما يزداد منه٣.
ومن المزابنة أيضًا بيع الزبيب بالكرم، وقد ألحق الشافعي وغيره بالتمر والزبيب بيع كل مجهولٍ بمجهولٍ أو معلومٍ من جنسٍ يجري فيه الربا٤.
_________________
(١) ١ شرح صحيح مسلم (١٠/١٨٨)، وانظر: الإجماع لابن المنذر (ص١١٥) . ٢ كشاف القناع (٣/٢٥٨) . ٣ النهاية في غريب الحديث (٢/٢٩٤) . ٤ انظر: الأم (٣/٧٧)، فتح الباري (٤/٤٤٩) .
[ ٢ / ٥٤٩ ]
وعند مالك أن المزابنة بيع كل مجهولٍ بمعلومٍ من صنفه كائنًا ما كان سواءً أكان مما يجوز فيه التفاضل أم لا؛ لأن ذلك يصير إلى باب المخاطرة والقمار.
وأجاز المالكية بيع المجهول بمثله، وبالمعلوم إن كثر أحدهما كثرة بيّنة إذا كان في غير ما يدخله ربا الفضل١، لعدم وجود المخاطرة والقمار هنا. والله أعلم.
وتحريم المزابنة مما لا خلاف فيه بين العلماء٢، وإنما نهي عنها لأن المساواة بين الرطب والتمر ونحوهما شرط، وما على الشجر لا يحصر بكيل ولا وزن، وإنما يكون تقديره بالخرص وهو حدسٌ وظن لا يؤمن فيه من التفاوت٣.
وقد جاء في بعض الأحاديث التي جاءت في النهي عن المزابنة الرخصة في العرايا، والعريَّة أن يبيع ثمر نخلاتٍ معلومة بعد بدو الصلاح فيها خرصًا بالتمر الموضوع على وجه الأرض كيلًا. وقد استثناها الشرع لحاجة الناس إليها، كما استثنى السلم بالجواز من بيع ما ليس عنده٤.
ولا تصح العرايا إلا باعتبار المماثلة، فيخرص النخل، فيقال: ثمرها إذا جف يكون كذا وكذا، فيبيعه بقدره من التمر كيلًا، ويقبض مشتري التمرِ التمرَ، ويخلّي بين مشتري الرطب والنخلة في مجلس العقد يقطعه متى شاء، فإن تفرّقا قبل ذلك كان فاسدًا٥.
_________________
(١) ١ التمهيد (٢/٣١٤)، شرح الخرشي على مختصر خليل (٥/٧٥) . ٢ الإجماع (ص١١٥) . ٣ شرح السنة (٨/٨٣) . ٤ المرجع السابق (٨/٨٧)، وسوف يأتي الكلام في معنى النهي عن بيع ما ليس عنده. ٥ المرجع السابق (٨/٨٨) .
[ ٢ / ٥٥٠ ]
وتجوز العرايا إذا كان الرطب دون خمسة أوسق كما في حديث أبي هريرة ﵁ في الصحيحين: "أن النبي ﷺ رخص في بيع العرايا في خمسة أوسق أو دون خمسة أوسق"١، فيخرص الرطب كم يكون قدره إذا صار تمرًا، فإذا كان دون خمسة أوسق جاز.
وقد اشترط بعض الفقهاء شروطًا أخرى لجواز العرايا لا دليل عليها، والله أعلم.
والتفسير السابق للعرايا قال به الشافعي٢، وأحمد٣، وغيرهما من العلماء، وهذا التفسير هو الذي يتوافق مع الأدلة الواردة في الرخصة للعرايا.
وأما الإمام مالك فعنده أن المراد بالعرايا أن يهب الرجل لآخر ثمرًا على رؤوس الشجر، ثم يبدو للواهب أن يبتاعها من الذي أُعريها، فيحل له أن يشتريها بالدنانير والدراهم، وإن كانت أكثر من خمسة أوسق، ويحل له أيضًا أن يشتريها بالطعام، ولكن لا يجوز فيما هو أكثر من خمسة أوسق٤.
وعند أبي حنيفة أن العرايا هي أن يهب الرجل ثمر نخله من بستانه لرجل، ثم يشق على المُعري دخول المعرى له في بستانه كل يومٍ لكون أهله في البستان، ولا يرضى من نفسه خلف الوعد والرجوع في الهبة، فيعطيه مكان ذلك تمرًا مجذوذًا بالخرص ليدفع الضرر عن نفسه ولا يكون مخلفًا للوعد، وإنما صار جائزًا لأن الموهوب لم يصر ملكًا للموهوب له ما دام
_________________
(١) ١ صحيح البخاري - مع الفتح -[كتاب البيوع (٤/ رقم ٢١٩٠)، كتاب الشرب والمساقاة (٥/ رقم ٢٣٨٢)]، صحيح مسلم [كتاب البيوع (٣/١١٧١)] . ٢ الأم (٣/٦٥-٦٦) . ٣ المغني (٤/١٨٣)، الإنصاف (٥/٢٩) . ٤ انظر: المدونة (٣/٢٧٢) .
[ ٢ / ٥٥١ ]
متصلًا بملك الواهب، فما يعطيه من التمر لا يكون عوضًا عنه، بل هبة مبتدأة، وإنما سمي ذلك بيعًا مجازًا١.
وقد تمسك الأحناف بحديث: "التمر بالتمر كيل بكيل"، وما على رؤوس النخل تمر فلا يجوز بيعه بالتمر إلا كيلًا بكيلٍ٢. وفي هذا نظر، فإن الذي نهى عن المزابنة هو الذي أرخص في العرايا، وطاعة رسول الله ﷺ أولى، والقياس لا يصار إليه مع النص٣.
فإذا ترجح قول جمهور العلماء في الرخصة في العرايا، وأن الرطب على رؤوس النخل يباع بمثل خرصه من التمر، فقد قاس عليه بعض العلماء جواز بيع كل ربوي بجنسه على سبيل التحري والخرص عند الحاجة لذلك إذا تعذر الكيل أو الوزن٤
ويستفاد مما تقدم أيضًا أنه لا يجوز بيع الرطب بالتمر مطلقًا، كما في حديث سعد بن أبي وقاص ﵁، وهو قول جمهور العلماء٥. ووافقهم الحنفية إذا كان البيع نسيئة، وأما إذا كان حالًا فليس بمنهي عنه عندهم٦؛ وذلك أن الرطب والتمر إما أن يكونا جنسين فيجوز بيعهما ولو متفاضلين إذا كانا يدًا بيد، وإما أن يكونا جنسًا واحدًا فيجوز بيعهما بشرط التماثل وأن يكون يدًا بيدٍ، وعلى التقديرين فلا يمنع بيع
_________________
(١) ١ المبسوط (١٢/١٩٣)، البناية (٧/٢٠٥-٢٠٦) . ٢ انظر: المبسوط (١٢/١٩٢) . ٣ المغني (٤/١٨٢) . ٤ الفتاوى (٢٩/٤٥٤)، والإنصاف (٥/١٤) . ٥ المعونة - في الفقه المالكي - (٢/٩٦٤-٩٦٥)، الحاوي الكبير (٥/١٣٠-١٣١)، المغني (٤/١٣٢) . ٦ انظر: البناية (٧/٣٦٩-٣٧٠) .
[ ٢ / ٥٥٢ ]
أحدهما بالآخر١. وفي هذا نظر؛ لأن الرطب والتمر جنس واحد أحدهما أزيد من الآخر بزيادة لا يمكن فصلها وتمييزها؛ لأنه لا يعرف التساوي بينهما إلا بعد الجفاف٢. والله أعلم.
_________________
(١) ١ انظر: المرجع السابق، وأعلام الموقعين (٢/٣٥٢) . ٢ أعلام الموقعين (٢/٣٥٢) .
[ ٢ / ٥٥٣ ]