٢٨ - (١) عن أبي جُحيفة ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب وثمن الدم، ونهى عن الواشمة والموشومة، وآكل الربا وموكله ولعن المصورين".
رواه البخاري١ واللفظ له، وأبو داود٢ - مختصرًا -، والطيالسي٣، وابن أبي شيبة٤، وأحمد٥، وأبو يعلى٦، والطبراني في الكبير٧، كلهم من طرقٍ عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه به.
وفي لفظٍ لهم - سوى أبي داود - عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه "أنه اشترى حجّامًا فأمر بمحاجمه فكسرت. فسألته عن ذلك فقال " الحديث، وفي استدلال أبي جحيفة بهذا الحديث الذي فيه النهي عن ثمن الدم على النهي عن كسب الحجام ما يبين أن أبا جحيفة لم يكن عنده نصٌّ صريح عن النبي ﷺ في النهي عن كسب الحجام. فمن روى الحديث
_________________
(١) ١ صحيح البخاري مع الفتح [كتاب البيوع (٤/رقم: ٢٠٨٦،٢٢٣٨)، كتاب (٩/رقم ٥٣٤٧)، كتاب الطلاق (٩/رقم ٥٣٤٧)، كتاب اللباس (١٠/رقم:٥٩٤٥، ٥٩٦٢) . ٢ سنن أبي داود [كتاب البيوع (٣/٧٥٥)] . ٣ مسند الطيالسي (ص١٤٠) . ٤ مصنف ابن أبي شيبة (٥/١٠٦،١١٦) . ٥ المسند (٤/٣٠٨-٣٠٩) . ٦ مسند أبي يعلى (٢/١٩٠،١٩٢) . ٧ المعجم الكبير (٢٢/١٠٨،١٠٩،١١٢،١١٣،١١٦) .
[ ١ / ١٠١ ]
عن أبي جحيفة ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن كسب الحجام، فقد أخطأ في لفظه. والله أعلم.
وزاد البخاري، وابن أبي شيبة، وأحمد، وأبو يعلى، والطبراني: "وكسب البغي"، وعند الطيالسي: "وعن كسب المومسة"، وهما بمعنى واحد.
وزاد الطيالسي بإسنادٍ صحيح: "وعن عسب الفحل".
وجاء الحديث من وجهٍ آخر. فقد روى الطبراني في المعجم الكبير١ بإسناده عن يحيى بن عباد بن دينار الحرشي ثنا يحيى بن قيس الكندي عن عبد الملك بن عمير عن أبي جحيفة عن البراء بن عازب - ﵄ - عن النبي ﷺ "أنه نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وكسب الحجام، وحلوان الكاهن، وعسب الفحل".
ويحيى بن عباد بن دينار الحرشي لم أجد له ترجمة فيما لدي من المصادر. وقد وجدت الهيثمي قد قال أيضًا: "لم أجد من ترجمه"٢.
ويحيى بن قيس الكندي، ذكره البخاري٣، وابن أبي حاتم٤، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا. وذكره ابن حبان في الثقات٥.
فعلى هذا فإن هذا الإسناد ضعيف. وكذلك لم يقع ذكر البراء بن عازب في شيء من طرق هذا الحديث غير هذه الطريق، فيكون ذكر البراء بن عازب ﵁ في الإسناد منكرًا، والله أعلم.
_________________
(١) ١ المعجم الكبير (٢/٢٦) . ٢ مجمع الزوائد (٤/٩٠) . ٣ التاريخ الكبير (٨/٢٩٩) . ٤ الجرح والتعديل (٩/١٨٢) . ٥ الثقات لابن حبان (٧/٦٠٧) .
[ ١ / ١٠٢ ]
دلالة الأحاديث السابقة:
يستفاد من هذا الحديث عن أبي جحيفة ﵁ النهي عن بيع الدم. وقد اختلف في المراد به كما قال الحافظ ابن حجر: "فقيل: أُجرة الحجامة، وقيل: هو على ظاهره، والمراد تحريم بيع الدم كما حرم بيع الميتة والخنزير، وهو حرامٌ إجماعًا، أعني بيع الدم وأخذ ثمنه"١. وممن نقل الإجماع أيضًا على النهي عن ثمن الدم ابن المنذر٢، وابن عبد البر٣.
وقد كان أهل الجاهلية يجمدون الدم ثم يأكلونه فجاء الإسلام وحرم أكل الدم أولًا بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ ﴾ الآية٤، ثم نهى عن بيع الدم لنجاسته.
والدم الذي نهي عن بيعه في حديث أبي جحيفة ﵁ وإن كان قد اختلف في المراد به كما سبق، إلا أن الدم الذي يخرج من جسم الحيوان محرّمٌ أيضًا من وجهٍ آخر، وهو أن الشارع إذا حرَّم على قومٍ أكل شيءٍ حرّم عليهم ثمنه، كما سيأتي في الفصل التالي - إن شاء الله تعالى -. وأيضًا فإن ركن البيع في بيع الدم منعدم، وهو مبادلة المال بالمال، فإن الدم لا يعد مالًا عند أحد٥.
وأما إذا احتاج مريض إلى دم فإنه وإن جاز نقل الدم له٦، فإنه لا يجوز بيعه عليه لعموم النهي عن بيع الدم، ولما فيه من مخالفةٍ لمكارم الأخلاق.
_________________
(١) ١ فتح الباري (٤/٤٩٩) . ٢ الإجماع (ص١١٤) . ٣ التمهيد (٤/١٤٤) . ٤ سورة البقرة، آية (١٧٣) . ٥ شرح فتح القدير (٦/٤٠٣) . ٦ انظر في هذه المسألة: أحكام الأطعمة في الشريعة الإسلامية (ص٤١٣-٤١٧)، وأحكام الجراحة الطبية والآثار المترتبة عليها (ص٥٨٠-٥٨٤) .
[ ١ / ١٠٣ ]
فإن لم يجد المريض إلا من يبذل له الدم بعوض فيباح له أن يشتري الدم من صاحبه والإثم على البائع١.
فإن قيل: كيف يجوز نقل الدم ولا يجوز بيعه؟ فالجواب أن يقال بأنّ النهي عن بيع الشيء لا يستلزم النهي عن الانتفاع به كما سبق عند الكلام على ثمن الميتة. وكذلك العكس، فإنه لا يلزم من إباحة الانتفاع بالشيء إباحة ثمنه كما سيأتي عند الكلام على ثمن الكلب.
ويستثنى من النهي عن بيع الدم ما استثني من تحريم أكله وهو الكبد والطِّحال. فقد روى ابن عمر - ﵄ - عن النبي ﷺ: "أُحلِّت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالجراد والحوت، وأما الدمان فالطحال والكبد". رواه أحمد٢، وابن ماجه٣، والدارقطني٤.
إلا أن الراجح في هذا الحديث الوقف. وممن رجح الوقف أبو زرعة، وأبو حاتم، والدارقطني، وغيرهم٥. إلا أن هذا الموقوف في حكم المرفوع كما قال ابن عبد الهادي٦ وابن حجر٧، "لأن قول الصحابي: "أُحل لنا" و"حُرِّم علينا كذا" مثل قوله: "أُمرنا بكذا، ونهينا عن كذا"٨.
_________________
(١) ١ انظر: أحكام الجراحة الطبية والآثار المترتبة عليها (ص٥٨٣) . وبهذا أجابت اللجنة الدائمة للإفتاء. انظر: مجلة البحوث الإسلامية (العدد السابع: ص١١٢، فتوى رقم: ٩٦، بتاريخ: ٢٥/٤/١٣٩٢هـ) . ٢ المسند (٢/٩٧) . ٣ سنن ابن ماجه [كتاب الصيد (٢/١٠٧٣)، كتاب الأطعمة (٢/١١٠١-١١٠٢)] . ٤ سنن الدارقطني (٤/٢٧١-٢٧٢) . ٥ التلخيص الحبير (١/٢٦) . ٦ نصب الراية (٤/٢٠٢) . ٧ التلخيص الحبير (١/٢٦) . ٨ المرجع السابق.
[ ١ / ١٠٤ ]