٩١ - (١) عن ابن عباس - ﵄ - قال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع المغانم حتى تقسم، وعن الحُبالى أن يوطأن حتى يضعن ما في بطونهن، وعن لحم كلِّ ذي ناب من السباع".
رواه النسائي١ وهذا لفظه، وابن أبي شيبة٢، وأحمد٣ - مختصرًا -، وأبو يعلى٤، والطبراني في الكبير٥، والدارقطني٦، والحاكم٧، والبيهقي٨، كلهم من طرقٍ عن مجاهد عنه به.
وقال الحاكم: "حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة" ورواه من طريق أخرى مختصرًا وصححه.
وزاد أبو يعلى والدارقطني بعد قوله: "وعن الحبالى أن يوطأن حتى يضعن ما في بطونهن" زادا "قال: لا تسق زرع غيرك، وعن لحوم الحمر الأهلية".
_________________
(١) ١ سنن النسائي [كتاب البيوع (٧/٣٠١)] . ٢ المصنف (٧/٦٨١)، وفي المطبوع سقط في الإسناد. ٣ المسند (١/٣٢٦) . ٤ مسند أبي يعلى (٤/٣٠٤) . ٥ المعجم الكبير (١١/٦٧-٦٨-٦٩) . ٦ سنن الدارقطني (٣/٦٨-٦٩) . ٧ المستدرك (٢/٤٠،١٣٧) . ٨ السنن الكبرى (٩/١٢٥) .
[ ١ / ٢٧٩ ]
وزاد الحاكم: "وعن قتل الولدان"، وفي لفظ له في روايةٍ: "وعن بيع الخمس حتى يقسم".
وعند أبي يعلى والطبراني والدارقطني أن هذا النهي كان يوم خيبر. وأما النهي عن وطء الحبالى حتى يضعن، فسيأتي عند الحديث الآتي أن المحفوظ أن النهي كان يوم حنين.
ومجاهد بن جبر أبو الحجاج المخزومي مولاهم، ثقة إمام في التفسير وفي العلم١.
فإسناد هذا الحديث صحيح. والله أعلم.
وروى الطبراني هذا الحديث في معجمه الأوسط٢ من طريق عصمة بن المتوكل عن أبي معاوية الضرير عن الأعمش عن القاسم بن عبد الرحمن عن سعيد بن جبير عن ابن عباس - ﵄ - به بنحوه، إلا أنه قال: "نهى رسول الله ﷺ يوم حنين ".
وعصمة بن المتوكل قال فيه أحمد: "لا أعرفه". وقال فيه العقيلي: "قليل الضبط للحديث، يهم وهمًا"٣.
والأعمش إنما يروي النهي عن بيع المغانم حتى تقسم عن مجاهد عن ابن عباس كما سبق٤. فعلى هذا فإن إسناد الطبراني هذا منكر. والله أعلم.
_________________
(١) ١ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٦٤٨١) . ٢ المعجم الأوسط (٧/٣٣٧) . ٣ الضعفاء (٣/٣٤٠-٣٤١) . ٤ رواه أحمد والطبراني والحاكم والبيهقي من هذا الطريق. (انظر حاشية رقم: ٣، ٤، ٦،٧) .
[ ١ / ٢٨٠ ]
٩٢ - (٢) عن رويفع بن ثابت ﵁ قال: أما إني لا أقول لكم إلا ما سمعت رسول الله ﷺ يقول يوم حنين، قال: "لا يحل لامريء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقع على امرأة من السبي حتى يستبرئها، ولا يحل لامرئٍ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيع مغنمًا حتى يقسم".
رواه أبو داود١ واللفظ له، وأحمد٢، وسعيد بن منصور٣، والدارمي٤ - مختصرًا -، وابن سعد٥، وابن حبان٦، والطبراني في الكبير٧، والبيهقي٨، كلهم من طرقٍ عن ابن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي مرزوق عن حنش الصنعاني عنه به.
وعند أبي داود وأحمد تصريح ابن إسحاق بالسماع لهذا الحديث من يزيد بن أبي حبيب.
وأما أبو مرزوق فهو ربيعة بن سليم التجيبي، لم يوثقه غير ابن حبان٩. ولذا قال فيه الحافظ ابن حجر: مقبول١٠.
_________________
(١) ١ سنن أبي داود [كتاب النكاح (٢/٦١٥-٦١٦)، كتاب الجهاد (٣/١٥٣)] . ٢ المسند (٤/١٠٨-١٠٩) . ٣ سنن سعيد بن منصور (رقم ٢٧٢٢) . ٤ سنن الدارمي (٢/٢٩٨،٣٠٢) . ٥ الطبقات (٢/١١٥-١١٦) . ٦ الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان (١١/١٨٦) . ٧ المعجم الكبير (٧/٢٦، ٢٧) . ٨ السنن الكبرى (٧/٤٤٩) . ٩ الثقات (٦/٣٠١-٣٠٢) . ١٠ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (١٩٠٥) .
[ ١ / ٢٨١ ]
فعلى هذا فإن هذا الإسناد ضعيف لحال أبي مرزوق التجيبي، إلا أن للحديث شواهد تؤيده قد سبق ذكر بعضها، فيكون بها حسنًا لغيره.
وقد وقع عند الدارمي وابن سعد وابن حبان والطبراني - في رواية عنده - أن هذا النهي إنما كان يوم خيبر. وقد ذكر ابن سعد هذا الحديث عند ذكره لغزوة خيبر.
وقد رجَّح البيهقي١ الرواية التي فيها أن النهي كان يوم حنين، وقد قال ابن الأثير أيضًا: "النبي ﷺ إنما نهى عن وطء الحبالى يوم حنين وهو بعد الفتح، وخيبر قبل الفتح، ولم تسب النساء فيها وإنما سبين يوم حنين. والله أعلم"٢. ويبين ذلك أن يوم خيبر صالح فيه النبي ﷺ اليهود ولم يسب نساءهم. فعلى هذا فإن الرواية التي فيها أن هذا النهي كان يوم خيبر منكرة. والله أعلم.
٩٣ - (٣) عن أبي هريرة ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الغنائم حتى تقسم، وعن بيع النخل حتى تحرز من كل عارض، وأن يصلي الرجل بغير حزام".
رواه أبو داود٣ واللفظ له، وأحمد٤، والبيهقي٥ مختصرًا، كلهم من طرقٍ عن شعبة عن يزيد بن خُمير عن مولى لقريش عنه به.
_________________
(١) ١ السنن الكبرى (٧/٤٤٩) . ٢ أسد الغابة (١/٥٥٥) . وانظر: زاد المعاد (٣/٤٦٠) . ٣ سنن أبي داود [كتاب البيوع (٣/٦٦٦-٦٦٧)] . ٤ المسند (٢/٣٨٧،٤٥٨، ٤٧٢) . ٥ السنن الكبرى (٢/٢٤٠) .
[ ١ / ٢٨٢ ]
وزاد أحمد بعد قوله "نهى عن بيع المغانم حتى تقسم" زاد "ويعلم ما هي".
ويزيد بن خُمير هو الرَّحبي، صدوق١.
وفي إسناده مبهم فيكون الإسناد ضعيفًا، إلا أن الجملتين الأوليين لهما شواهد تؤيدهما ترفعهما إلى درجة الحسن لغيره. وهذه الشواهد هي الأحاديث الواردة في النهي عن بيع المغانم حتى تقسم، وهي أحاديث هذا الفصل، والأحاديث الواردة في النهي عن بيع ما لم يتبين صلاحه، وسوف تأتي - إن شاء الله -. والله أعلم.
ومعنى قوله: "وأن يصلي الرجل بغير حزام"، أي من غير أن يشد ثوبه عليه؛ لأنهم كانوا قلما يلبسون السراويل٢.
٩٤ - (٤) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن شراء ما في بطون الأنعام حتى تضع، وعمَّا في ضروعها إلا بكيل، وعن شراء العبد وهو آبق، وعن شراء المغانم حتى تقسم، وعن شراء الصدقات حتى تقبض، وعن ضربة الغائص".
رواه ابن ماجه٣ واللفظ له، والترمذي٤ - مختصرًا -، وابن أبي شيبة٥، وأحمد٦، والدارقطني٧، والبيهقي٨، وابن حزم٩، كلهم من
_________________
(١) ١ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٧٧٠٩) . ٢ النهاية في غريب الحديث (١/٣٧٩) . ٣ سنن ابن ماجه [كتاب التجارات (٢/٧٤٠)] . ٤ جامع الترمذي [كتاب السير (٤/١١٢)] . ٥ المصنف (٥/٦٠) . ٦ المسند (٣/٤٢) . ٧ سنن الدارقطني (٣/١٥) . ٨ السنن الكبرى (٥/٣٣٨) . ٩ المحلى (٨/٣٩٠) .
[ ١ / ٢٨٣ ]
طرقٍ عن جهضم بن عبد الله اليمامي عن محمد بن إبراهيم الباهلي عن محمد بن زيد العبدي عن شهر بن حوشب عنه به.
قال الترمذي: "هذا حديث غريب".
ورواه عبد الرزاق١ عن يحيى بن العلاء عن جهضم٢ عن محمد بن زيد٣ عن شهر به بنحوه.
ويحيى بن العلاء البجلي كذبه وكيع وأحمد، وتركه النسائي والدارقطني وغيرهما٤.
وجهضم بن عبد الله اليمامي، قال فيه ابن معين: ثقة إلا أن حديثه منكر - قال ابن أبي حاتم: يعني ما روى عن المجهولين -. وقال أحمد: كان رجلًا صالحًا لم يكن به بأس. وقال أبو حاتم: هو أحبّ إليّ من ملازم وهو ثقة إلا أن حديثه أحيانًا عن مجهول٥. وشذّ ابن حزم عنهم فقال فيه: "مجهول"٦. وخلص الحافظ ابن حجر فيه إلى أنه صدوق يكثر عن المجاهيل٧.
_________________
(١) ١ المصنف (٨/٧٦، ٢١١) . ٢ جاء في الموضع الأول من المطبوع في المصنف "حفصة" وهو خطأ، والصواب: "جهضم". ٣ جاء في المطبوع من المصنف في الموضع الثاني "يزيد"، وهو خطأ، والصواب:"زيد". ٤ تهذيب التهذيب (١١/٢٦١-٢٦٢) . ٥ تهذيب التهذيب (٢/١٢٠-١٢١) . ٦ المحلى (٨/٣٩٠) . ٧ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٩٨٢) .
[ ١ / ٢٨٤ ]
ويؤيد ما ذكره ابن معين وأبو حاتم فيه من روايته عن المجاهيل ما جاء في هذا الإسناد، فإن محمد بن إبراهيم شيخه مجهول كما قال أبو حاتم١ وابن حزم٢.
وأما محمد بن زيد العبدي، فقال فيه المزي٣ وتبعه ابن حجر٤: "يحتمل أن يكون ابن أبي القموص". وابن أبي القموص هو محمد بن زيد بن علي الكندي، قاضي مرو٥ في خراسان٦. قال فيه أبو حاتم: "لا بأس به صالح الحديث"٧.
ومما يستأنس به على أن محمد بن زيد هذا هو ابن أبي القموص أن شيخه في هذا الحديث وهو شهر بن حوشب قيل فيه كندي٨ أيضًا. وكذلك فإن الراوي عنه وهو جهضم بن عبد الله اليمامي أصله خراساني٩ أيضًا. والله أعلم.
والخلاصة هي ما قاله الحافظ ابن حجر حيث قال فيه: "لعله ابن أبي القموص، وإلا فمجهول"١٠.
_________________
(١) ١ الجرح والتعديل (٧/١٨٤-١٨٥)، علل الحديث (١/٣٧٣-٣٧٤) . ٢ المحلّى (٨/٣٩٠) . ٣ تهذيب الكمال (٢٥/٢٣٢-٢٣٣) . ٤ تهذيب التهذيب (٩/١٧٤) . ٥ تهذيب الكمال (٢٥/٢٢٨) . ٦ معجم البلدان (٥/١١٢) . ٧ الجرح والتعديل (٧/٢٥٦) . ٨ الجرح والتعديل (٤/٣٨٣) . ٩ تهذيب الكمال (٥/١٥٦) . ١٠ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٥٨٩٥) .
[ ١ / ٢٨٥ ]
وأما شهر بن حوشب فتقدم الكلام فيه١، وأن الراجح فيه أن حديثه من باب الحسن، وجازف ابن حزم فيه فقال بعد أن ذكر حديثه هذا قال: "شهر متروك"٢.
فمما تقدم يتبين أن إسناد هذا الحديث ضعيف لجهالة محمد بن إبراهيم، وللاحتمال في محمد بن زيد العبدي.
وممن ضعف إسناد هذا الحديث البيهقي٣ وعبد الحق٤ وابن حجر٥. إلا أن محل الشاهد منه وهو النهي عن بيع المغانم حتى تقسم له شواهد تؤيده مما سبق من أحاديث هذا الفصل، فيكون بها حسنًا لغيره. وكذلك فإن بيع الصدقات وشراءها قبل القبض منهي عنه كما في الأحاديث الأخرى التي سبق ذكرها في فصل: النهي عن بيع ما لم يقبض، وأما بقية المنهيات الواردة في الحديث فهي وإن لم يصح الحديث الوارد فيها فهي داخلة في النهي عن بيع الغرر، وسوف يأتي - إن شاء الله - ذكر الأحاديث الواردة فيه. والله أعلم.
٩٥ - (٥) عن عمران بن حيَّان عن أبيه أن رسول الله ﷺ خطب الناس يوم خيبر فأحل لهم ثلاثة أشياء كان نهاهم عنها، وحرم عليهم ثلاثة أشياء كان الناس يستحلونها، فأحل لهم لحوم الأضاحي
_________________
(١) ١ عند حديث رقم (١٣) . ٢ المحلى (٨/٣٩٠) . ٣ السنن الكبرى (٥/٣٣٨) . ٤ الأحكام الوسطى (٣/٢٦١) . ٥ بلوغ المرام (ص١٦٧-١٦٨) .
[ ١ / ٢٨٦ ]
وزيارة القبور والأوعية، ونهاهم أن يباع سهم من مغنم حتى يقسم، ونهاهم عن النساء - يعني أن يوطأن - حتى يضعن، ونهاهم أن تباع ثمرةٌ حتى يبدو صلاحها".
رواه ابن أبي عاصم١ واللفظ له، والطبراني في الكبير٢، وأبو نعيم الأصبهاني٣، كلهم من طرقٍ عن مروان بن معاوية عن حميد بن علي الرقاشي عن عمران بن حيان به.
ومروان بن معاوية هو ابن الحارث الفزاري، ثقة حافظ٤.
وحميد بن علي الرقاشي، قيل: هو حميد بن علي العقيلي، ومال إلى ذلك ابن حجر٥، وقيل: هما اثنان، وصنيع ابن حبان٦ والحسيني٧ يدل على أنهما اثنان عندهما، وذلك أنهما ترجما لكلِّ واحدٍ منهما ترجمة مستقلة.
والذي يترجح لي أنهما واحد؛ لأنه لم ينسب حميد بن علي بالرقاشي، إلا مروان بن معاوية الفزاري وهو كان معروفًا بالتدليس في أسماء شيوخه٨. وإلى هذا أشار المعلمي ورجح أنهما واحد٩.
_________________
(١) ١ الآحاد والمثاني (٤/٢١٩) . ٢ المعجم الكبير (٤/٣٥) . ٣ معرفة الصحابة - مخطوط - (١/١٩٢) . ٤ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٦٥٧٥) . ٥ تعجيل المنفعة (ص١٠٧) . ٦ الثقات (٦/١٩٠)، (٨/١٩٥) . ٧ الإكمال (ص١١٠-١١١) . ٨ تهذيب التهذيب (١٠/٩٨)، تعريف أهل التقديس (ص١١٠) . ٩ حاشية التاريخ الكبير للبخاري (٢/٣٥٣) .
[ ١ / ٢٨٧ ]
فإذا ترجح أنهما واحد، فقد قال الدارقطني في حميد بن علي العقيلي: لا يستقيم حديثه ولا يحتج به. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وذكره ابن حبان في الثقات - كما سبق -١.
وأما عمران بن حيَّان، فلم يوثقه غير ابن حبان٢.
وأبوه حيان بن نملة أبو عمران الأنصاري، قال فيه أبو نعيم الأصبهاني: "ذكره البخاري في الصحابة، يعرف بالرقاشي، وفي صحبته اختلاف"٣.
وقال ابن منده: "ذكره البخاري، وفي صحبته نظر"٤. وذكره ابن عبد البر في الصحابة٥.
ولعلَّ سبب التردد في صحبته أو عدمها هو أنه لم يرو عنه غير ابنه عمران وهو مجهول.
فمما سبق يتبين أن إسناد هذا الحديث ضعيف. وأيضًا فإن في المتن نكارة، وذلك أن لحوم الأضاحي لم يحل ادخارها إلا في عام حجة الوداع، وكان عام تسع من الهجرة محرمًا٦. وعلى ذلك فإن ما جاء في هذا الحديث من أنها أحلت يوم خيبر منكر. والله أعلم.
_________________
(١) ١ لسان الميزان (٢/٣٦٦) . ٢ الثقات (٧/٢٤١) . ٣ معرفة الصحابة - مخطوط - (١/١٩٢) . ٤ الإصابة في تمييز الصحابة (١/٣٦٥) . ٥ الاستيعاب - المطبوع في حاشية الإصابة - (١/٣٦٣) . ٦ انظر: فتح الباري (١٠/٢٨) .
[ ١ / ٢٨٨ ]
٩٦ - (٦) عن أبي أمامة ﵁ "أن النبي ﷺ نهى يوم خيبر أن تباع السهام حتى تقسم".
رواه الدارمي١، وابن أبي شيبة٢، ومن طريقه الطبراني في معجمه الكبير٣ ومسند الشاميين٤، كلهم من طريق حماد بن أسامة عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن مكحول والقاسم عنه به.
وأبو أسامة هو حماد بن أسامة وهو ثقة إلا أنه أخطأ في تسمية شيخه في هذا الإسناد، وذلك أن الذي سمع منه أبو أسامة إنما هو عبد الرحمن بن يزيد بن تميم، وليس عبد الرحمن بن يزيد بن جابر.
قال الحافظ ابن حجر في سبب هذا الخطأ: "عبد الرحمن بن يزيد بن جابر من ثقات الشاميين، قدم الكوفة فكتب عنه أهلها ولم يسمع منه أبو أسامة، ثم قدم بعد ذلك الكوفة عبد الرحمن بن يزيد بن تميم، وهو من ضعفاء الشاميين، فسمع منه أبو أسامة وسأله عن اسمه فقال: عبد الرحمن بن يزيد، فظن أبو أسامة أنه ابن جابر، فصار يحدّث عنه
_________________
(١) ١ سنن الدارمي (٢/٢٩٨) . ٢ المصنف - مخطوط -[ج٦/ كتاب الجهاد - باب: الغنائم وشراؤها قبل أن تقسم]، وقد وقع في نسخ المصنف المطبوعة نسبة متن حديث أبي أمامة ﵁ هذا إلى جابر بن عبد الله ﵁ وهو خطأ ناتج من سقط، وحديث جابر ﵁ الذي ذكر إسناده في المطبوع إنما هو حديث النبي ﷺ "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحدٌ قبلي " الحديث. وقد سقط من المطبوع أحاديث بابٍ كاملٍ وهو باب (ما جاء عن النبي ﷺ أن المغانم أحلت له) . ٣ المعجم الكبير (٨/١٣٠،١٨٧) . ٤ مسند الشاميين (١/٣٢١) .
[ ١ / ٢٨٩ ]
وينسبه من قبل نفسه، فيقول: عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، فوقعت المناكير في رواية أبي أسامة عن ابن جابر وهما ثقتان، فلم يفطن لذلك إلا أهل النقد، فميزوا ذلك ونصّوا عليه كالبخاري وأبي حاتم وغير واحد"١. انتهى.
وممن صرّح من الأئمة بأن أبا أسامة انقلب عليه اسم شيخه محمد بن عبد الله بن نمير، وأبو داود، ويعقوب بن سفيان٢، والنسائي٣ وغيرهم.
فإذا تبيّن أن عبد الرحمن بن يزيد هو ابن تميم، فإن عبد الرحمن هذا قد تكلم فيه.
فقال ابن معين: ضعيف في الزهري وغيره. وقال البخاري: عنده مناكير. وقال أيضًا: منكر الحديث. وقال أبو زرعة وأبو حاتم: ضعيف الحديث. وقال أبو داود والنسائي والدارقطني: متروك. وقال النسائي أيضًا: ليس بثقة. وقال الساجي: ضعيف يحدث عن مكحول مناكير٤.
والذي يترجح لي مما تقدم من أقوال الأئمة فيه أنه في مرتبة الضعيف جدًا. والله أعلم.
وفي الإسناد علة أخرى وهي الانقطاع بين عبد الرحمن بن يزيد بن تميم ومكحول٥.
_________________
(١) ١ النكت على كتاب ابن الصلاح (٢/٧٤٧-٧٤٨) . ٢ تهذيب التهذيب (٦/٢٩٥-٢٩٦-٢٩٧) . ٣ الكامل في ضعفاء الرجال (٤/٢٩٣) . ٤ تهذيب التهذيب (٦/٢٩٥-٢٩٦-٢٩٧) . ٥ التاريخ الصغير - للبخاري - (ص٧٤) .
[ ١ / ٢٩٠ ]
وقد مشى الهيثمي على ظاهر الإسناد فقال فيه: "رجاله رجال الصحيح"١. وقوله هذا نتيجة لعدم تنبهه لخطأ أبي أسامة في تسمية شيخه.
فمما سبق يتبين أن إسناد هذا الحديث ضعيف جدًا، وأما النهي عن بيع المغانم حتى تقسم فهو ثابت كما في أحاديث هذا الفصل. والله أعلم.
_________________
(١) ١ مجمع الزوائد (٤/١٠٤) .
[ ١ / ٢٩١ ]
دلالة الأحاديث السابقة:
يستفاد مما تقدم النهي عن بيع المغانم حتى تقسم.
وإنما نهى عن بيع المغانم حتى تقسم؛ لأنه بيع ما لم يملك وقد نهي عنه، هذا على رأي من يرى أن ملك الغنيمة يتوقف على القسمة، وأما على رأي من يرى أن الملك يتم قبل القسمة فعنده أن المقتضي للنهي الجهل بعين المبيع إذا كان في المغنم أجناسٌ مختلفة١.
والمغانم قبل أن تقسم هي حقٌّ مشاع لجميع الغانمين، فلا يحل لأحدٍ أن يبيع شيئًا منها قبل أن تقسم، ويقاس عليها كل شيء فيه حقٌّ مشاعٌ بين المسلمين كالأرض الموات وغيرها.
ويستفاد أيضًا مما تقدم النهي عن بيع الصدقات حتى تقبض. وقد سبق أن الحديث الوارد في هذا النهي ضعيف، إلا أن بيع الصدقات قبل أن تقبض داخلٌ في بيع ما لم يقبض وقد نُهي عنه، وقد تقدم الكلام في بيع ما لم يقبض في الفصل الأول من هذا الباب. والله أعلم.
_________________
(١) ١ انظر: مرقاة المفاتيح (٤/٢٨٠)
[ ١ / ٢٩٢ ]