١٢٩ - (١) عن أبي هريرة ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيعتين في بيعة".
رواه الترمذي١، والنسائي٢، وأحمد٣، وابن الجارود٤، وابن حبان٥، والبيهقي٦، كلهم من طرقٍ عن محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عنه به.
قال الترمذي: "حديث حسنٌ غريبٌ".
ومحمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، قال فيه ابن معين: ما زال الناس يتقون حديثه. قيل له: وما علة ذلك؟ قال: كان يحدث مرّةً عن أبي سلمة بالشيء من روايته ثم يحدث به مرةً أخرى عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁.
وقال مرّة: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، يكتب حديثه وهو شيخ. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال مرّةً: ثقة. وقال يعقوب بن
_________________
(١) ١ جامع الترمذي [كتاب البيوع (٣/٥٣٣)] . ٢ سنن النسائي [كتاب البيوع (٧/٢٩٥-٢٩٦)] . ٣ المسند (٢/٤٣٢،٤٧٥،٥٠٣) . ٤ المنتقى (٢/١٨١-١٨٢) . ٥ الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان (١١/٣٤٧) . ٦ السنن الكبرى (٥/٣٤٣) .
[ ١ / ٣٨٧ ]
شيبة: هو وسط، وإلى الضعف ما هو. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به١. وجعله ابن حجر في مرتبة: "صدوق له أوهام"٢.
فعلى هذا فإن هذا الإسناد حسن، وله شواهد تؤيده من حديث ابن عمرو وابن عمر ﵄ وغيرهما مما ذكر في هذا الفصل. فيكون الحديث بها صحيحًا لغيره. والله أعلم.
وروى الحديث أبو داود٣، وابن حبان٤، والحاكم٥، والبيهقي٦، كلهم من طرقٍ عن يحيى بن زكريا عن محمد بن عمرو بالإسناد السابق، إلا أنه بلفظ: "من باع بيعتين في بيعةٍ فله أوكسهما أو الربا". ومعنى أوكسهما: أنقصهما٧.
وقد خالف يحيى بن زكريا غيره في متن هذا الحديث، فإنه رواه عبدة بن سليمان، ويحيى بن سعيد القطان، ويزيد بن هارون، وعبد الوهاب بن عطاء٨. وذكر البيهقي٩ أنه تابعهم أيضًا إسماعيل بن جعفر، والدراوردي، ومعاذ بن معاذ. فهؤلاء كلهم خالفوا يحيى بن زكريا في
_________________
(١) ١ تهذيب التهذيب (٩/٣٧٦-٣٧٧) . ٢ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٦١٨٨) . ٣ سنن أبي داود [كتاب البيوع (٣/٧٣٨)] . ٤ الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان (١١/٣٤٧-٣٤٨) . ٥ المستدرك (٢/٤٥) . ٦ السنن الكبرى (٥/٣٤٣) . ٧ النهاية (٥/٢١٩-٢٢٠) . ٨ روايات هؤلاء تقدمت الإحالة إلى مواضعها في أول التخريج. ٩ السنن الكبرى (٥/٣٤٣) .
[ ١ / ٣٨٨ ]
متن الحديث. ولذلك حكم المنذري١ والخطابي٢ على روايتهم بأنها هي المشهور. والله أعلم.
والذي يظهر لي أن ما رواه يحيى بن زكريا زيادة من ثقة لا تعارض غيرها، فينبغي قبولها، والله أعلم.
١٣٠ - (٢) عن ابن عمر - ﵄ - عن النبي ﷺ قال: "مطل الغنيّ ظلم، وإذا أُحلت على مليءٍ فاتبعه، ولا تبع بيعتين في بيعة".
رواه الترمذي٣، وابن ماجه٤ - مختصرًا -، وأحمد٥، وابن الجارود٦، والطحاوي٧ - مختصرًا -، والبيهقي٨، وابن عبد البر٩، كلهم من طرقٍ عن هشيم عن يونس بن عبيد عن نافع عنه به.
قال الترمذي: "حسن صحيح".
وعند أحمد ومن بعده تصريح هشيم بالسماع من يونس لهذا الحديث.
_________________
(١) ١ مختصر سنن أبي داود (٥/٩٨) . ٢ معالم السنن - المطبوع في حاشية سنن أبي داود - (٣/٧٣٩) . ٣ جامع الترمذي [كتاب البيوع (٣/٦٠٠-٦٠١)] . ٤ سنن ابن ماجه [كتاب التجارات (٢/٨٠٣)] . ٥ المسند (٢/٧١) . ٦ المنتقى - مع تخريجه غوث المكدود - (٢/١٨١) . ٧ شرح مشكل الآثار (٧/١٧٨) . ٨ السنن الكبرى (٦/٧٠) . ٩ التمهيد (٢٤/٣٨٨) .
[ ١ / ٣٨٩ ]
وأُعل هذا الحديث بالانقطاع بين يونس بن عبيد ونافع.
قال البوصيري: "هذا إسناد رجاله ثقات غير أنه منقطع"١، ثم ذكر قول أحمد وابن معين وأبي حاتم في إثبات الانقطاع بينهما، وسوف يأتي ذكر أقوالهم.
وقد أثبت هذا الانقطاع جمعٌ من العلماء، منهم: يحيى بن معين٢، وأحمد بن حنبل٣، وأبو حاتم٤، وأبو داود٥.
وقد سأل الترمذي البخاري عن هذا الحديث فقال: "ما أرى يونس بن عبيد سمع من نافع، وروى يونس بن عبيد عن ابن نافع عن أبيه حديثًا"٦.
وأما أبو زرعة فقال: "أتوهم أن في حديثه شيئًا يدل على أنه سمع منه"٧.
فهؤلاء الأئمة منهم من صرّح بالانقطاع بين يونس ونافع، ومنهم من لم يجزم أو توقف.
وجاء في روايةٍ للطحاوي٨ تصريح يونس بن عبيد بالسماع من نافع حيث قال: "أخبرنا نافع"، وبهذه الرواية احتج الطحاوي على سماع
_________________
(١) ١ مصباح الزجاجة (٢/٢٤٢)، وهذا الحديث ليس على شرطه لتخريج الترمذي له. ٢ تهذيب التهذيب (١١/٤٤٥) . ٣ جامع التحصيل (ص٣٧٧) . ٤ المراسيل (ص١٩١) . ٥ سؤالات الآجري لأبي داود (ص٣٥١) . ٦ علل الترمذي الكبير (١/٥٢٣) . ٧ المراسيل (١٩١) . ٨ شرح مشكل الآثار (٧/١٧٩) .
[ ١ / ٣٩٠ ]
يونس من نافع، وحمل قول ابن معين في الحكم بالانقطاع بينهما على أنه خاصٌّ في جزءٍ من الحديث، وهو قوله: "مطل الغني ظلم"، وأما باقي الحديث فسماع. وقد ذكر الطحاوي عن شيخه إبراهيم بن أبي داود وهو ثقة١، أنه قال: قال لي يحيى بن معين في حديث يونس بن عبيد عن نافع عن ابن عمر - ﵄ - "مطل الغني ظلم" قال يحيى: قد سمعته من هشيم، ولم يسمعه يونس من نافع. قال لنا ابن أبي داود: قلت ليحيى: لم يسمع يونس من نافع شيئًا؟ قال: بلى. ولكن هذا الحديث خاصة لم يسمعه يونس من نافع"٢.
وهذه الرواية عن ابن معين التي ساقها الطحاوي غايتها أن تكون قولًا لابن معين يثبت فيه سماع يونس من نافع، ولكن يبقى أن أحمد وأبا حاتم والبخاري وأبا داود كلهم نفوا سماعه منه، وهؤلاء من جهابذة أهل الفن. فقولهم مقدَّم على قول ابن معين وحده، كيف وابن معين قد اختلفت الرواية عنه في ذلك.
فمما سبق يتبين أن هذا الإسناد ضعيف لانقطاعه، إلا أن النهي عن بيع بيعتين في بيعة ثابت من حديث أبي هريرة ﵁ السابق٣، فيكون حسنًا لغيره. والله أعلم.
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء (١٢/٦١٢) . ٢ شرح مشكل الآثار (٧/١٧٩) . ٣ تقدم برقم (١٢٩) .
[ ١ / ٣٩١ ]
١٣١ - (٣) عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن صفقتين في صفقة واحدة".
ورد هذا الحديث عن ابن مسعود ﵁ مرفوعًا وموقوفًا -:
الطريق الأولى: شريك عن سماك بن حرب عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عنه به مرفوعًا:
رواه أحمد١، والبزار٢، والشاشي٣، وابن عبد البر٤، كلهم من هذا الطريق.
وعند أحمد: قال سماك: "الرجل يبيع فيقول: هو بنَساءٍ بكذا وكذا، وهو بنقدٍ بكذا وكذا".
أما سماك بن حرب، فقال فيه ابن معين: ثقة. وقال أحمد: مضطرب الحديث. وتكلم الثوري والعجلي ويعقوب بن شيبة وغيرهم في حديثه عن عكرمة خاصة. وقال أبو حاتم: صدوق ثقة، وهو كما قال أحمد. وقال النسائي: ليس به بأس وفي حديثه شيء٥.
وجعله ابن حجر في مرتبة: "صدوق"، وقال: "روايته عن عكرمة خاصة مضطربة وقد تغير بآخرة فكان ربما تلقّن"٦.
_________________
(١) ١ المسند (١/٣٩٨) . ٢ مسند البزار - البحر الزخار - (٥/٣٨٤) . ٣ مسند الشاشي (١/٣٢٤) . ٤ التمهيد (٢٤/٣٨٩) . ٥ تهذيب التهذيب (٦/٢٣٣-٢٣٤) . ٦ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٢٦٢٤) .
[ ١ / ٣٩٢ ]
وأما شريك النخعي القاضي، فقد وثقه ابن معين وابن سعد. وقالا: كان يغلط. وقال أبو زرعة: كان كثير الخطأ صاحب حديث، وهو يغلط أحيانًا. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال صالح جزرة: صدوق، ولما ولي القضاء اضطرب حفظه١.
وقد جعله ابن حجر في مرتبة: "صدوق يخطئ كثيرًا، وقد تغير حفظه منذ ولي قضاء الكوفة"٢.
وكل من روى عنه هذا الحديث لم يذكر أنه سمع منه قبل الاختلاط.
وقد تابعه سعيد بن سماك بن حرب كما عند الطبراني في الأوسط٣ بلفظ: "لا تحل صفقتان في صفقة". إلا أن سعيدًا هذا قال فيه أبو حاتم: "متروك الحديث"٤.
فعلى هذا فإن هذا الإسناد ضعيف، وسوف يأتي أنه منكر أيضًا، لأن المعروف في هذا الحديث أنه موقوف.
الطريق الثانية: شعبة عن سماك بن حرب عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عنه به موقوفًا:
رواه أحمد٥، والشاشي٦، وابن حبان٧، كلهم من هذا الطريق.
_________________
(١) ١ تهذيب التهذيب (٤/٣٣٤-٣٣٧) . ٢ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٢٧٨٧) . ٣ المعجم الأوسط (٢/١٦٩) . ٤ الجرح والتعديل (٤/٣٢) . ٥ المسند (١/٣٩٣) . ٦ مسند الشاشي (١/٣٢٥) . ٧ الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان (١١/٣٩٩) .
[ ١ / ٣٩٣ ]
ولفظه عند أحمد: "لا تصلح سفقتان١ في سفقة"، وإن رسول الله ﷺ قال: "لعن الله آكل الربا وموكله وشاهده وكاتبه".
الطريق الثالثة: سفيان الثوري عن سماك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عنه به موقوفًا.
رواه ابن أبي شيبة٢، والبزار٣، وابن خزيمة٤، وابن حبان٥، والعقيلي٦، والطبراني في الكبير٧، كلهم من هذا الطريق.
ولفظ البزار: أن ابن مسعود ﵁ قال: "لا يصلح صفقتان في صفقة". قال: "وأمرنا رسول الله ﷺ بإسباغ الوضوء".
ورواه عبد الرزاق٨ عن سفيان الثوري وإسرائيل عن سماكٍ به موقوفًا أيضًا، ولفظه: "الصفقتان في الصفقة ربًا". وتابع عبد الرزاق عن إسرائيل وكيع بن الجراح كما عند محمد بن نصر المروزي٩.
_________________
(١) ١ هكذا في المسند بالسين، وهي لغة في الصفقة. قاله صاحب لسان العرب - مادة (سفق) - (١٠/١٥٨) . ٢ المصنف (٥/٥٥) . ٣ مسند البزار (٥/٣٨٣-٣٨٤) . ٤ صحيح ابن خزيمة (١/٩٠) . ٥ الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان (٣/٣٣١) . ٦ الضعفاء (٣/٢٨٨) . ٧ المعجم الكبير (٩/٣٢١) . ٨ المصنف لعبد الرزاق (٨/١٣٨-١٣٩) . ٩ السنة (ص٥٧) .
[ ١ / ٣٩٤ ]
الطريق الرابعة: أبو الأحوص عن سماك عن أبي عبيدة أو عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه موقوفًا:
رواه ابن أبي شيبة١، ومحمد بن نصر٢ من هذا الطريق. وقد تقدم أن سماكًا إنما يروي هذا الحديث عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود.
وأبو الأحوص هو سلام بن سليم الحنفي مولاهم، ثقة متقن٣.
فهؤلاء أربعة من الثقات قد خالفوا شريكًا، وهم: شعبة، وسفيان الثوري، وإسرائيل، وأبو الأحوص، كلهم رووه عن سماك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه موقوفًا. وهؤلاء يقدمون على شريك لأنهم أحفظ وأضبط. وكذلك فقد نص يعقوب بن شيبة على أن رواية سفيان، وشعبة عن سماك كانت قبل اختلاطه٤.
فعلى هذا فإن المعروف في هذا الحديث هو الوقف، وأما الرفع فمنكر. وهذا الموقوف إسناده ضعيف؛ لأن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه إلا أحاديث يسيرة كما سيأتي إن شاء الله٥. والله أعلم.
_________________
(١) ١ مصنف ابن أبي شيبة (٥/٥٤) . ٢ السنة (ص٥٧) . ٣ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٢٧٠٣) . ٤ تهذيب التهذيب (٤/٢٣٤) . ٥ عند الحديث رقم (١٣٥) .
[ ١ / ٣٩٥ ]
١٣٢ - (٤) عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن صومين، وعن صلاتين، وعن لباسين، وعن مطعمين، وعن نكاحين، وعن بيعتين. فأما اليومان: فيوم الفطر ويوم الأضحى، وأما الصلاتان: فصلاة بعد الغداة حتى تطلع الشمس، وصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وأما اللباسان: فأن يحتبي في ثوبٍ واحدٍ ولا يكون بين عورته وبين السماء شيء فتدعى تلك الصماء، وأما المطعمان: فأن يأكل بشماله ويمينه صحيحة، ويأكل متكئًا، وأما البيعتان فيقول الرجل: تبيع لي وأبيع لك، وأما النكاحان فنكاح البغي، ونكاح على الخالة، والعمة".
رواه الطبراني في الكبير١، عن الحسين بن إسحاق التستري عن أبي المعافى محمد بن وهب الحرَّاني عن محمد بن سلمة عن أبي عبد الرحيم عن زيد بن أبي أنيسة عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عنه به.
قال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح"٢.
ومحمد بن سلمة هو الحراني، وهو ثقة٣.
وأبو عبد الرحيم هو خالد بن أبي يزيد الأموي مولاهم، وهو ثقة٤.
وزيد بن أبي أُنيسة ثقة له أفراد٥.
وأبو إسحاق هو السبيعي، ثقة إلا أنه مدلِّس٦، ولم يصرح بالسماع في هذا الإسناد.
_________________
(١) ١ المعجم الكبير (١٠/١٠١) . ٢ مجمع الزوائد (٤/٨٩) . ٣ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٥٩٢٢) . ٤ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (١٦٩٧) . ٥ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٢١١٨) . ٦ تعريف أهل التقديس (ص١٠١)، وقد ذكره الحافظ في الطبقة الثالثة.
[ ١ / ٣٩٦ ]
فمما سبق يتبين أن هذا الإسناد ضعيف لتدليس أبي إسحاق السبيعي. وكذلك فإن شيخ الطبراني في هذا الحديث وهو الحسين بن إسحاق التستري لم أقف على من وثقه، وقد خالفه النسائي، فقد روى في سننه الكبرى هذا الحديث١ عن محمد بن وهب الحراني عن محمد بن سلمة عن أبي عبد الرحيم حدثني عبد الوهاب المكي عن أبي إسحاق به، وفيه النهي عن اللبستين فقط.
فعلى هذا فإن النسائي قد خالف الحسين بن إسحاق التستري في إسناده ومتنه. أما المخالفة في الإسناد، فإن في إسناد النسائي عبد الوهاب المكي بدلًا من زيد بن أبي أنيسة. وهذا الخلاف لا يضر؛ لكون زيد بن أبي أنيسة وعبد الوهاب بن بخت المكي كلاهما ثقة، إلا أنه مما يؤخذ على الحسين بن إسحاق لمخالفته للنسائي، وهو إمام حافظ. وأما المخالفة في المتن فإن في المتن الذي ساقه الحسين بن إسحاق زيادة على ما ذكر النسائي.
ويبقى أن في الإسناد عنعنة أبي إسحاق أيضًا. والله أعلم.
ومما ورد في هذا الفصل أيضًا:
(٥) حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ - في بعض ألفاظه، وقد تقدم٢.
_________________
(١) ١ السنن الكبرى (٥/٤٩٧) . ٢ تقدم برقم (٦٨) .
[ ١ / ٣٩٧ ]
دلالة الأحاديث السابقة:
يستفاد مما تقدم النهي عن بيعتين في بيعة.
والذي يترجح في تفسيره أن يقول أحد المتبايعين للآخر: خذ هذه السلعة بعشرة نقدًا وآخذها منك بعشرين نسيئة، وهي مسألة العينة بعينها - والتي سوف يأتي الكلام فيها في فصلٍ مستقل إن شاء الله -، فإن هذا هو المعنى المطابق للحديث، فإنه إذا كان مقصوده الدراهم العاجلة بالآجلة فهو لا يستحق إلا رأس ماله وهو أوكس الثمنين، فإن أخذه أخذ أوكسهما، وإن أخذ الثمن الأكثر فقد أخذ الربا، فلا محيد له عن أوكس الثمنين أو الربا. ولا يحتمل الحديث غير هذا المعنى، وهذا هو بعينه الشرطان في البيع١.
وأما تفسير سماك للبيعتين في بيعة - والذي سبق ذكره عند حديث ابن مسعود ﵁ وهو: "أن يبيع الرجل فيقول: هو بنَساءٍ كذا وكذا، وهو بنقدٍ بكذا وكذا"، أي ويتفرقا من غير تعيين أحد الثمنين، فقد ضعّف ابن القيم هذا التفسير وقال: "لا يدخل الربا في هذه الصورة، ولا صفقتين هنا وإنما هي صفقة واحدة بأحد الثمنين"٢.
ومن العلماء من فسَّر البيعتين في بيعة بأن يقول الرجل مثلًا: بعتك هذا العبد بعشرين دينارًا على أن تبيعني جاريتك بعشرة دنانير٣.
ويتطرَّق إلى هذا التعريف الاعتراض السابق بأن الربا لا يدخل في هذه الصورة، والرسول ﷺ قال - كما سبق -: "من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا".
_________________
(١) ١ تهذيب السنن (٩/٢٩٥) . ٢ انظر: المرجع السابق. ٣ معالم السنن (٣/٧٣٩) .
[ ١ / ٣٩٨ ]
وهناك تفسيرات أخرى للبيعتين في بيعة ذكرها ابن عبد البر١ وغيره. إلا أنها لا تخلو من اعتراض. والمشهور في تفسيره ما تقدم، والتفسير الأول هو الراجح.
ولا يعني أن الصور الأخرى التي ذكرت في تفسير الحديث أنها جائزة، بل قد تكون محرمة نتيجة لجهالة الثمن أو الغرر أو غير ذلك، ولكن الكلام هنا هو معرفة المراد بالبيعتين في بيعة التي نُهي عنها. والله أعلم.
_________________
(١) ١ التمهيد (٢٤/٣٩٠) .
[ ١ / ٣٩٩ ]