الفصل الثامن: ورد في النهي عن التفريق بين الأقارب في البيع
٢٢٤ - (١) عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من فرَّق بين الوالدة وولدها، فرَّق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة".
رواه الترمذي١، وأحمد٢، والدارقطني٣، والحاكم٤، والبيهقي٥، كلهم من طرقٍ عن حيي بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي عنه به.
وفي سياق أحمد عنه قصة فيها سبب تحديث أبي أيوب ﵁ بهذا الحديث.
قال الترمذي: "حسنٌ غريب".
وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه".
وفيما قاله الحاكم نظر؛ لأن حيي بن عبد الله المعافري ليس من رجال مسلم. وقد قال فيه أحمد: أحاديثه مناكير. وقال البخاري: فيه نظر. وقال ابن معين: ليس به بأس. وقال النسائي: ليس بالقوي٦.
وجعله ابن حجر في مرتبة "صدوق يهم"٧.
_________________
(١) ١ جامع الترمذي [كتاب البيوع (٣/٥٨٠)، كتاب السير (٤/١١٤)] . ٢ المسند (٥/٤١٣،٤١٤) . ٣ سنن الدارقطني (٣/٦٧) . ٤ المستدرك (٢/٥٥) . ٥ السنن الكبرى (٩/١٢٦) . ٦ تهذيب التهذيب (٣/٧٢) . ٧ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (١٦٠٥) .
[ ٢ / ٦٧٧ ]
إلا أنه لم ينفرد به. فقد تابعه عبد الرحمن بن جنادة كما عند الدارمي١.
إلا أن عبد الرحمن بن جنادة لم أقف له على ذكر في كتب الجرح والتعديل.
وقد جاء الحديث من وجهٍ آخر. فقد رواه البيهقي٢ بإسناده عن بقية بن الوليد ثنا خالد بن حميد عن العلاء بن كثير عنه به بنحوه.
وفي هذا الإسناد علتان:
الأولى: أن بقية يدلس تدليس التسوية، فيشترط ذكر السماع في كل من فوقه من رجال الإسناد، ولم يقع التصريح بالسماع بين خالد بن حميد والعلاء بن كثير.
الثانية: أن العلاء بن كثير الإسكندراني لم يسمع من أبي أيوب ﵁ كما قال ابن عبد الهادي٣ وابن حجر٤.
فمما سبق يتبين أن هذه الأسانيد وإن كان في بعضها مقال، إلا أنها بمجموعها وشواهد الحديث ترتقي إلى درجة الحسن. والله أعلم.
٢٢٥ - (٢) عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه فرَّق بين جاريةً وولدها، فنهاه النبي ﷺ عن ذلك وردّ البيع.
جاء هذا الحديث من طرقٍ عن الحكم بن عتيبة، واختلف عليه على ثلاثة أوجه:
_________________
(١) ١ سنن الدارمي (٢/٢٩٩) . ٢ السنن الكبرى (٩/١٢٦) . ٣ نصب الراية (٤/٢٤) . ٤ التلخيص الحبير (٣/١٦) .
[ ٢ / ٦٧٨ ]
الوجه الأول: عن الحكم بن عتيبة عن ميمون بن أبي شبيب عنه به.
رواه أبو داود١ باللفظ المذكور، والترمذي٢، وابن ماجه٣، والطيالسي٤، وأحمد٥، والدارقطني٦، والحاكم٧، والبيهقي٨. كلهم من هذا الطريق.
وفي لفظ الترمذي وغيره: أن عليًا ﵁ فرَّق بين غلامين أخوين. وهو المحفوظ في حديث علي ﵁ كما سيأتي.
قال الترمذي: "حديث حسنٌ غريب".
وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين".
وفيما قاله نظر؛ وذلك أن ميمون لم يخرج له البخاري في صحيحه شيئًا، ومسلم إنما خرّج له في المقدمة كما قال المزي٩.
وميمون هذا قال فيه ابن معين: ضعيف. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وذكره ابن حبان في الثقات١٠.
وجعله ابن حجر في مرتبة "صدوق كثير الإرسال"١١. ويظهر لي أن درجته دون ذلك. والله أعلم.
_________________
(١) ١ سنن أبي داود [كتاب الجهاد (٣/١٤٤-١٤٥)] . ٢ جامع الترمذي [كتاب البيوع (٣/٥٨٠-٥٨١)] . ٣ سنن ابن ماجه [كتاب التجارات (٢/٧٥٥-٧٥٦)] . ٤ مسند الطيالسي (ص٢٦) . ٥ المسند (١/١٠٢) . ٦ سنن الدارقطني (٣/٦٦)، (٤/١٣٦) . ٧ المستدرك (٢/٥٥،١٢٥) . ٨ السنن الكبرى (٩/١٢٦) . ٩ تهذيب الكمال (٢٩/٢٠٨) . ١٠ تهذيب التهذيب (١٠/٣٨٩) . ١١ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٧٠٤٦) .
[ ٢ / ٦٧٩ ]
وفي هذا الإسناد علة أخرى، وهي الانقطاع بين ميمون بن أبي شبيب وعلي ﵁، حيث قال أبو داود بعد روايته للحديث: "ميمون لم يدرك عليًا ﵁، قتل بالجماجم، والجماجم سنة ثلاثٍ وثمانين".
وقال عمرو بن علي الفلاس: "ولم أخبر أن أحدًا يزعم أنه سمع من الصحابة"١.
فمما سبق يتبين أن هذه الطريق ضعيفة لانقطاعها.
الوجه الثاني: الحكم بن عتيبة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عنه به.
وجاء هذا الوجه من طرق:
الطريق الأول: عن سعيد بن أبي عروبة به:
رواه أحمد٢، والبزار٣، والبيهقي٤. كلهم من طرقٍ به. ولفظه: "أمرني رسول الله ﷺ أن أبيع غلامين أخوين، فبعتهما ففرقت بينهما، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: "أدركهما فأرجعهما ولا تبعهما إلا جميعًا".
وهذا الإسناد رجاله ثقات إلا أنه منقطع بين سعيد بن أبي عروبة والحكم كما ذكر البزار. وممن صرّح بعدم سماعه منه أيضًا أحمد وأبو حاتم والنسائي وغيرهم٥.
_________________
(١) ١ تهذيب التهذيب (١٠/٣٨٩) . ٢ المسند (١/٩٧-٩٨) . ٣ مسند البزار (٢/٢٢٧) . ٤ السنن الكبرى (٩/١٢٧) . ٥ جامع التحصيل (ص٢٢١-٢٢٢) .
[ ٢ / ٦٨٠ ]
وقد رواه أحمد١، وإسحاق بن راهويه٢، والبيهقي٣. كلهم من طرقٍ عن سعيد بن أبي عروبة عن صاحبٍ له عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى به. فهذا يؤيد أنه لم يسمع منه.
الطريق الثانية: عن شعبة به:
رواه الدارقطني٤، والحاكم٥، والبيهقي٦. كلهم من طرقٍ عن عبد الوهاب بن عطاء الخفاف عن شعبة به بنحو اللفظ السابق.
قال الحاكم: "هذا حديث غريب صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه".
وظاهر الإسناد هو كما قال الحاكم أنه صحيح على شرط الشيخين إلا أن فيه علّة خفية. وبيان ذلك أن هذا الحديث لم يروه عن شعبة غير عبد الوهاب بن عطاء الخفاف، وقد اختلف عليه. فرواه إسماعيل بن أبي الحارث٧، ومحمد بن الوليد الفحَّام٨،
_________________
(١) ١ المسند (١/١٢٦-١٢٧) . ٢ نقل إسناده الزيلعي في نصب الراية (٤/٢٦) . ٣ السنن الكبرى (٩/١٢٧) . ٤ سنن الدارقطني (٣/٦٥-٦٦)، العلل (٣/٢٧٥) . ٥ المستدرك (٢/٥٤-٥٥،١٢٥) . ٦ السنن الكبرى (٩/١٢٧) . ٧ عند الدارقطني في السنن والعلل. ٨ عند الدارقطني في العلل.
[ ٢ / ٦٨١ ]
ومحمد بن الجهم السِّمَّري١، ويحيى بن أبي طالب٢. كلهم عن عبد الوهاب بن عطاء عن شعبة به.
وإسماعيل ومحمد بن الوليد كلاهما صدوق٣. ومحمد بن الجهم السِّمَّري قال فيه ابن حجر: ما علمت فيه جرحًا٤. وأما يحيى بن أبي طالب فوثقه الدارقطني وغيره. وخطَّ أبو داود على حديثه٥.
وقد خالف هؤلاء الأربعة أربعة أيضًا، وهم أحمد بن حنبل٦، ومحمد بن سوّاء٧، وعبد الأعلى٨، والحسن بن محمد الزعفراني٩. كلهم عن عبد الوهاب بن عطاء عن سعيد بن أبي عروبة به.
وهؤلاء الأربعة لا شك أنهم أوثق ممن خالفهم. ولذا رجح الدارقطني رواية أحمد بن حنبل ومن معه، فقال: "هو المحفوظ"١٠، وقال مثل هذا عبد الحق١١.
وقال البيهقي أيضًا: "هذا أشبه - يعني رواية أحمد -، وسائر أصحاب شعبة لم يذكروه عن شعبة، وسائر أصحاب سعيد
_________________
(١) ١ عند البيهقي. ٢ عند الحاكم. ٣ تقريب التهذيب: رقم الترجمتين (٤٢٤)، (٦٣٧٥) . ٤ لسان الميزان (٥/١١٠) . ٥ ميزان الاعتدال (٦/٦٠-٦١) . ٦ المسند (١/١٢٦-١٢٧) . ٧ عند إسحاق والبيهقي (٩/١٢٧) . ٨ ذكره الدارقطني في العلل، ولعله عبد الأعلى بن عبد الأعلى. ٩ عند المحاملي في أماليه (ص١٩٣)، والبزار والبيهقي. ١٠ العلل (٣/٢٧٥) . ١١ الأحكام الوسطى (٣/٢٦٢) .
[ ٢ / ٦٨٢ ]
قد ذكروه عن سعيدٍ هكذا"١. وقال أيضًا: "قيل عن شعبة عن الحكم وهو وهم"٢.
فمما سبق يتبين أن هذا الحديث لا يحفظ من طريق شعبة، وأنه عن سعيد بن أبي عروبة، وليس شعبة، فعاد هذا الطريق إلى الطريق السابقة.
وأما قول ابن القطان: "رواية شعبة لا عيب فيها، وهي أولى ما اعتمد في هذا الباب"٣ ففيه نظر لما تقدم.
الطريق الثالثة: عن زيد بن أبي أنيسة به:
رواه ابن الجارود٤ بإسناده عن سليمان بن عبيد الله الأنصاري عن عبيد الله بن عمرو عن زيدٍ به بنحو اللفظ السابق.
وسليمان بن عبيد الله الأنصاري قال فيه ابن معين: ليس بشيء. وقال أبو حاتم: صدوق، ما رأيت إلا خيرًا. وقال النسائي: ليس بالقوي٥.
وجعله ابن حجر في مرتبة: "صدوق ليس بالقوي"٦.
وقد سأل ابن أبي حاتم أباه عن هذا الإسناد، فقال: "إنما هو الحكم عن ميمون بن أبي شبيب عن علي ﵁ عن النبي ﷺ"٧.
_________________
(١) ١ السنن الكبرى (٩/١٢٧) . ٢ معرفة السنن والآثار (١٣/٣١٧) . ٣ نصب الراية (٤/٢٦) . ٤ المنتقى - المطبوع مع تخريجه غوث المكدود - (٢/١٦٢-١٦٣-١٦٤) . ٥ تهذيب التهذيب (٤/٢٠٩-٢١٠) . ٦ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٢٥٩١) . ٧ علل الحديث (١/٣٨٦) .
[ ٢ / ٦٨٣ ]
الطريق الرابعة: عن محمد بن عبيد الله العرزمي به:
رواه البزار١، والطبراني في الأوسط٢، كلاهما من هذا الطريق.
ومحمد بن عبيد الله العرزمي تركه ابن المبارك والقطان. وقال أحمد: ترك الناس حديثه. وقال ابن معين: ليس بشيء ولا يكتب حديثه. وقال النسائي: ليس بثقة ولا يكتب حديثه. وقال الفلاس وغيره: متروك الحديث٣. ولذا جعله ابن حجر في مرتبة "متروك"٤.
فعلى هذا، فلا يعتبر بهذه الطريق.
فهذه هي الطرق التي وقفت عليها في هذا الوجه. وأصحها طريق سعيد بن أبي عروبة عن الحكم. وهو منقطع كما تقدم.
الوجه الثالث: الحكم بن عتيبة عنه به.
رواه سعيد بن منصور٥، وابن أبي شيبة٦. كلاهما من طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن الحكم به.
وهذا الإسناد إضافة إلى كونه منقطعًا بين الحكم وعلي ﵁ فهو منكر، وذلك أن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى قد تفرد بهذا الوجه
_________________
(١) ١ مسند البزار (٢/٢٢٧) . ٢ المعجم الأوسط (٣/٨٣) . ٣ تهذيب التهذيب (٩/٣٢٣) . ٤ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٦١٠٨) . ٥ سنن سعيد بن منصور - القسم الثاني - (٣/٢٨٩) . ٦ المصنف (٥/٣٣٥) .
[ ٢ / ٦٨٤ ]
وهو ضعيف كما تقدم١. وقد خالفه غيره من الرواة عن الحكم بن عتيبة كما تقدم في الوجهين السابقين.
فظهر مما سبق أن الحكم بن عتيبة قد اختلف عليه: فمن الرواة من يرويه عنه عن ميمون بن أبي شبيب عن علي ﵁، ومن الرواة من يرويه عنه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي ﵁.
وقد تقدم أن أبا حاتم يرجِّح الوجه الأول، بينما يرى الدارقطني أنه "لا يمتنع أن يكون الحكم سمع منهما جميعًا، فرواه مرةً عن هذا، ومرةً عن هذا"٢.
ويظهر لي قوة ما قاله الدارقطني لقوة الاحتمال الذي ذكره.
فعلى هذا فإن الحديث بمجموع طرقه يكون حسنًا. والله أعلم.
٢٢٦ - (٣) عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "كان النبي ﷺ إذا أُتي بالسبي أعطى أهل البيت جميعًا كراهية أن يفرِّق بينهم".
رواه ابن ماجه٣ واللفظ له، والطيالسي٤، وأحمد٥، والبزار٦، والشاشي٧، والطبراني في الكبير٨، والدارقطني٩، والبيهقي١٠. كلهم
_________________
(١) ١ تقدم عند حديث رقم (٤٤) . ٢ العلل (٣/٢٧٤) . ٣ سنن ابن ماجه [كتاب التجارات (٢/٧٥٥)] . ٤ مسند الطيالسي (ص٥٣) . ٥ المسند (١/٣٨٩) . ٦ مسند البزار (٥/٣٧٦) . ٧ مسند الشاشي (١/٣٢٦-٣٢٧) . ٨ المعجم الكبير (١٠/١٧٢) . ٩ سنن الدارقطني (٣/٦٦) . ١٠ السنن الكبرى (٩/١٢٨) .
[ ٢ / ٦٨٥ ]
من طرقٍ عن جابر الجعفي عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عنه به.
ولفظ الطيالسي والبزار والبيهقي: "وكره أن يُفرِّق بينهم".
قال البزار: "لا نعلم روى هذا الحديث عن القاسم إلا جابر، ورواه غير واحدٍ عن جابر". وجابر الجعفي تقدم الكلام فيه١، وأنه ضعيف.
وأيضًا فهو منقطع؛ لأن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه إلا أحاديث يسيرة، لم يذكر منها هذا الحديث٢.
وقد جاء الحديث من وجه آخر. فقد رواه الطيالسي٣، ومن طريقه البيهقي٤ بإسناده عن شيبان عن جابر الجعفي عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عنه به. ولم يروه بهذا الإسناد عن جابر الجعفي غير شيبان. وغيره يرويه عنه عن القاسم كما تقدم وهو المحفوظ.
ويظهر لي أن الخطأ ليس من قِبَل شيبان؛ لأنه قد روى هذا الحديث عن جابر عن القاسم به كما عند الطيالسي٥ وغيره. فيكون الخطأ من جابر الجعفي. وهذا من أدلة ضعفه وعدم ضبطه. والله أعلم.
فمما سبق يتبين أن هذا الإسناد ضعيف. والله أعلم.
٢٢٧ - (٤) عن أبي موسى ﵁ قال: "لعن رسول الله ﷺ من فرَّق بين الوالدة وولدها، وبين الأخ وبين أخيه".
_________________
(١) ١ تقدم عند الحديث رقم (٢١٥) . ٢ انظر: تعريف أهل التقديس (ص٩١-٩٢) . ٣ مسند الطيالسي (ص٣٧) . ٤ السنن الكبرى (٩/١٢٨) . ٥ مسند الطيالسي (ص٥٣) .
[ ٢ / ٦٨٦ ]
رواه ابن ماجه١ واللفظ له، وابن أبي شيبة٢، وأبو يعلى٣ - من طريقه -، والبزار٤، والدارقطني٥، والبيهقي٦. كلهم من طرقٍ عن عبيد الله بن موسى عن إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع عن طليق بن عمران عن أبي بردة عنه به.
قال البزار: "هذا الحديث لا نعلمه يروى عن أبي موسى عن النبي ﷺ إلا بهذا الإسناد، وقد رواه غير إبراهيم بن إسماعيل عن طليق بن عمران بن حصين مرسلًا".
وقد تكلّم في إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع الأنصاري. فقال فيه ابن معين: ضعيف، ليس بشيء. وقال البخاري وأبو حاتم: كثير الوهم. وقال أبو داود: ضعيف متروك الحديث. وقال النسائي: ضعيف٧. وجعله ابن حجر في مرتبة "ضعيف"٨.
وقد روى هذا الحديث الدارقطني٩، والحاكم١٠ - ومن طريقه - البيهقي١١. كلاهما من طرقٍ عن أبي بكر بن عيَّاش عن سليمان التيمي عن طليق عن عمران بن حصين ﵁ عن النبي ﷺ به بنحوه.
_________________
(١) ١ سنن ابن ماجه [كتاب التجارات (٢/٧٥٦)] . ٢ المصنف (٥/٣٣٧) . ٣ مسند أبي يعلى (١٣/٢٢٦) . ٤ مسند البزار (٨/١٣٢) . ٥ سنن الدارقطني (٣/٦٧) . ٦ السنن الكبرى (٩/١٢٨) . ٧ تهذيب التهذيب (١/١٠٥-١٠٦) . ٨ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (١٤٨) . ٩ سنن الدارقطني (٣/٦٧) . ١٠ المستدرك (٢/٥٥) . ١١ السنن الكبرى (٩/١٢٨) .
[ ٢ / ٦٨٧ ]
٢٢٨ - (٥) عن سُليم العُذَري ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عمَّن فرَّق بين السَّبي بين الوالد والولد، قال: "من فرَّق بينهم فرق الله تعالى بينه وبين الأحبّة يوم القيامة".
رواه الدارقطني١ بإسناده عن الواقدي عن يحيى بن ميمون عن أبي سعيد البلوي عن حريث بن سليم العذري عنه به. والواقدي متروك، وكذبه بعضهم٢.
فمما سبق يتبين أن هذا الإسناد ضعيفٌ جدًا. والله أعلم.
٢٢٩ - (٦) عن ضميرة أن رسول الله ﷺ مرَّ بأمّ ضميرة وهي تبكي، فقال: ما يبكيك؟ أجائعةٌ أنت؟ أعاريةٌ أنت؟ قالت: يا رسول الله، فُرِّق بيني وبين ابني. فقال رسول الله ﷺ: "لا يُفرَّق بين الوالدة وولدها"، ثم أرسل إلى الذي عنده فردَّها على الذي اشتراها منه، ثم ابتاعها منه".
رواه البزار٣ واللفظ له - وعنده تتمة للقصة -، والبيهقي٤. كلاهما من طريق ابن أبي ذئب عن حسين بن عبد الله بن ضميرة عن أبيه عن جده ضميرة به٥.
_________________
(١) ١ سنن الدارقطني (٣/٦٨) . ٢ تهذيب التهذيب (٩/٣٦٣-٣٦٦)، تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٦١٧٥) . ٣ كشف الأستار (٢/٨٧-٨٨) . ٤ السنن الكبرى (٩/١٢٦) . ٥ ساق له الحافظ ابن حجر طرقًا أخرى إلا أنها كلها تلتقي في حسين بن عبد الله بن ضميرة. - انظر: الإصابة (٢/٢١٤) .
[ ٢ / ٦٨٩ ]
قال البزار: "لا نعلمه إلا بهذا الإسناد".
وحسين بن عبد الله بن ضميرة تقدم١ أنه متروك متّهم.
فمما سبق يتبين أن الحديث بهذا الإسناد ضعيف جدًا، وقد يكون موضوعًا. ومما يشهد لضعف حسين هذا أنه قد روى الحديث أيضًا عن أبيه عن جده عن علي ﵁ بنحوه، رواه ابن عدي٢.
فجعل الحديث من مسند علي ﵁. وحديث علي ﵁ محفوظ من غير هذه الطريق كما تقدم ذكر حديثه٣. والله أعلم.
٢٣٠ - (٧) عن معقل بن يسار - ﵄ - قال: قال رسول الله ﷺ: "من فرَّق فليس منّا".
رواه الطبراني في الكبير٤ بإسناده عن أسد بن موسى عن نصر بن طريف عن سليمان التيمي حدثني طليق عن أبيه عنه به.
قال أسد: يفرق بين الولد وأمه وبين الأخوة.
ونصر بن طريف قال فيه يحيى بن معين: من المعروفين بوضع الحديث. ونسبه الفلاس إلى الكذب. وقال أحمد: لا يكتب حديثه. وقال البخاري: سكتوا عنه. وقال أبو حاتم والنسائي وغيرهما: متروك٥.
فمما سبق يتبين أن هذا الإسناد ضعيفٌ جدًا وقد يكون موضوعًا، والله أعلم.
_________________
(١) ١ تقدم عند حديث رقم (٢٠٣) . ٢ الكامل (٢/٣٥٧-٣٥٨) . ٣ تقدم الحديث برقم (٢٢٥) . ٤ المعجم الكبير (٢٠/٢٢٨) . ٥ لسان الميزان (٦/١٥٣-١٥٥) .
[ ٢ / ٦٩٠ ]
٢٣١ - (٨) عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يفرَّق بين الأم وولدها. فقيل: يا رسول الله، إلى متى؟ قال: حتى يبلغ الغلام وتحيض الجارية".
رواه الدارقطني١، والحاكم٢. كلاهما من طريق عبد الله بن عمرو بن حسَّان عن سعيد بن عبد العزيز التنوخي عن مكحول عن نافع بن مكحول بن الربيع عن أبيه عنه به.
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه".
وفي حكم الحاكم على هذا الإسناد بالصحة وهمٌ فاحش، ولذا تعقبه الذهبي فقال: "موضوع، وابن حسان كذاب"٣.
وعبد الله بن عمرو بن حسان هو الواقعي كما قال الدارقطني بعد تخريجه لهذا الحديث، وذكر الدارقطني أنه لم يروه عن سعيد التنوخي غيره. وعبد الله بن عمرو هذا قال فيه ابن المديني: كان يضع الحديث. وكذبه الدارقطني. وقال أبو زرعة: ليس بشيء، كان لا يصدق٤٥.
فمما سبق يتبين أن هذا الإسناد موضوع كما قال الذهبي. والله أعلم.
_________________
(١) ١ سنن الدارقطني (٣/٦٨) . ٢ المستدرك (٢/٥٥) . ٣ حاشية المستدرك (٢/٥٥) . ٤ في الجرح والتعديل (٥/١١٩) جاءت هذه العبارة منسوبة إلى أبي حاتم. ٥ لسان الميزان (٣/٣٢٠) .
[ ٢ / ٦٩١ ]
دلالة الأحاديث السابقة:
يستفاد مما تقدم النهي عن التفريق بين الأم وولدها، وأن من فعل ذلك فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة، وهذا محل إجماع بين أهل العلم إذا كان الولد صغيرًا١. إلا أنهم اختلفوا في الحد بين الصغر الذي لا يجوز معه التفريق وبين الكبر الذي يجوز فيه ذلك.
فعند مالك حد الصغر ما قبل الإثغار، وهو إنبات الأسنان، وفي رواية: إلى البلوغ٢. وبهذا قال أبو حنيفة٣، وأحمد في رواية٤.
وعند الشافعي أن حد الصغر إذا لم يبلغ سبع سنين أو ثمان٥.
وذهب أحمد في رواية إلا أنه لا يجوز التفريق بين الأم وولدها ولو كبر٦؛ وذلك لعموم الخبر، ولأن الوالدة تتضرر بمفارقة ولدها الكبير، ولهذا حرم عليه الجهاد بدون إذنها٧.
وحجة الجمهور في إباحة التفريق بين الأم وولدها الكبير حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه٨ في بعث النبي ﷺ سريةً قِبَلَ نجد بقيادة أبي بكر الصديق ﵁ وفيه أنه كان في السبي امرأةٌ معها ابنةٌ لها من أحسن العرب،
_________________
(١) ١ المغني (١٠/٤٥٩)، معالم السنن (٣/١٤٤-١٤٥) . ٢ المعونة (٢/١٠٧١) . ٣ بدائع الصنائع (٥/٢٢٩) . ٤ الإنصاف (٤/١٣٧) . ٥ المجموع (٩/٣٥٤-٣٥٥) . ٦ المغني (١٠/٤٦٠)، الإنصاف (٤/١٣٧) . ٧ المغني (١٠/٤٦٠) . ٨ شرح فتح القدير (٦/٤٨٤)، المغني (١٠/٤٦٠)، شرح الزركشي (٦/٥٠٤) .
[ ٢ / ٦٩٢ ]
وأن أبا بكر ﵁ نفل هذه البنت لسلمة بن الأكوع ﵁ فاستوهبها منه النبي ﷺ فوهبها له، فبعث بها النبي ﷺ إلى أهل مكة وفي أيديهم أسرى ففاداهم بها١.
وأما حديث عبادة بن الصامت ﵁ والذي فيه أن النبي ﷺ سئل: إلى متى ينهى عن التفريق بيني الأم وولدها فقال: "حتى يبلغ الغلام وتحيض الجارية"، فقد تقدم أنه موضوع.
ويستفاد مما تقدم أيضًا النهي عن التفريق بين الأخ وأخيه سواءً أكانوا ذكورًا أم إناثًا. وبهذا قال أبو حنفية٢، وأحمد٣، وألحقا بهما في النهي عن التفريق كل ذي رحمٍ محرم.
إلا أن أحاديث هذا الفصل في النهي عن التفريق في البيع لم يثبت منها إلا ما ورد في النهي عن التفريق بين الأم وولدها، وبين الأخ وأخيه. ولا شك أنه إذا كان ينهى عن التفريق بين الأخ وأخيه، فمن باب أولى بين الأب وولده، فهو يتضرر بمفارقة ابنه والعكس، أكثر من ضرر مفارقة الأخ لأخيه. والله أعلم.
وما سبق في النهي عن التفريق يكون بالبيع والهبة ونحوهما. وأما العتق فلا خلاف بين أهل العلم أنه ليس داخلًا في النهي٤. والله أعلم.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم [كتاب الجهاد والسير (٣/١٣٧٥-١٣٧٦)]، سنن أبي داود [كتاب الجهاد (٣/١٤٦-١٤٧)]، سنن ابن ماجه [كتاب الجهاد (٢/٩٤٩)] . ٢ بدائع الصنائع (٥/٢٢٨) . ٣ المغني (٤/٣٣٣)، الإنصاف (٤/١٣٧) . ٤ انظر: الإنصاف (٤/١٣٨) .
[ ٢ / ٦٩٣ ]