٤٨ - (١) عن ابن عمر - ﵄ - أن النبي ﷺ: "نهى عن بيع أمهات الأولاد، لا يبعن، ولا يوهبن، ولا يورثن، يستمتع بها سيدها مادام حيًا، فإذا مات فهي حرة".
رواه ابن عدي١، والدارقطني٢ بإسنادهما عن عبد الله بن مطيع، عن عبد الله بن جعفر، عن عبد الله بن دينار عنه به.
قال ابن عدي - بعد أن ذكر أحاديث لعبد الله بن جعفر منها هذا الحديث - قال: "وهذه الأحاديث التي أمليتها لعبد الله بن جعفر، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر - ﵄ - كلها غير محفوظات، لا يحدث بها عن ابن دينار غير عبد الله بن جعفر".
وكلام ابن عدي السابق ذكره في ترجمة عبد الله بن جعفر بن نجيح المديني - والد الإمام علي بن المديني - مما يدل على أن ابن عدي يرى أن عبد الله بن جعفر في الإسناد هو هذا، ووقع في سند الدارقطني نسبة عبد الله بن جعفر بأنه المخرمي، والصواب هو ما تقدم بأنه ابن نجيح المديني، ويدل لذلك أن المعروف بالرواية عن عبد الله بن دينار إنما هو ابن نجيح المديني وليس المخرمي٣. والله أعلم.
_________________
(١) ١ الكامل (٤/١٧٧) . ٢ سنن الدارقطني (٤/١٣٥) . ٣ وقد ذكر الدارقطني في علله (٢/٤٢) أن عبد الله بن جعفر هو المديني، فيدل على أن نسبة المخرمي الواقعة في سننه خطأ. والله أعلم.
[ ١ / ١٦١ ]
وعبد الله بن جعفر بن نجيح المديني ضعيف. ضعفه ابنه علي بن المديني، وقال فيه ابن معين: ليس بشيء. وقال أبو حاتم: منكر الحديث جدًا؛ يحدث عن الثقات بالمناكير، يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال مرة: ليس بثقة. وقال ابن عدي: عامة حديثه لا يتابعه أحد عليه، وهو مع ضعفه يكتب حديثه.
وقال الدارقطني: كثير المناكير١. وقال ابن حجر: ضعيف، يقال: تغير حفظه بآخرة٢.
وأما عبد الله بن مطيع فهو ابن راشد البكري النيسابوري، ثقة٣.
فمما سبق يتبين لنا أن هذه الطريق ضعيفة؛ لضعف عبد الله بن جعفر المديني، إلا أنه لم ينفرد به، بل تابعه عبد العزيز بن مسلم، وذلك فيما رواه الدارقطني أيضًا بإسناده عن يونس بن محمد، عن عبد العزيز بن مسلم، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ به بنحوه٤.
ويونس بن محمد هو أبو محمد البغدادي، ثقة ثبت٥.
وعبد العزيز بن مسلم هو القسملي مولاهم المروزي ثم البصري، وثقه ابن نمير وابن معين وأبو حاتم والعجلي، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال مرة: ربما وهم فأفحش٦.
_________________
(١) ١ تهذيب التهذيب (٥/١٧٤-١٧٦) . ٢ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٣٢٥٥) . ٣ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٣٦٢٧) . ٤ سنن الدارقطني (٤/١٣٤) . ٥ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٧٩١٤) . ٦ تهذيب التهذيب (٦/٣٥٦-٣٥٧) .
[ ١ / ١٦٢ ]
وقال ابن حجر: ثقة عابد ربما وهم١.
وقد اختلف عليه في هذا الحديث، فقد رواه يونس بن محمد البغدادي عنه - كما سبق - مرفوعًا، ورواه يحيى بن إسحاق السيلحيني عنه عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر عن عمر نحوه موقوفًا٢.
ويحيى بن إسحاق وإن كان أقل ضبطًا من يونس بن محمد؛ لأنه صدوق٣، ويونس ثقة، إلا أن المحفوظ هو حديث يحيى بن إسحاق، ويبين ذلك أن هذا الحديث رواه عن عبد الله بن عمر - ﵄ - نافع وعبد الله بن دينار، فأما رواية نافع فقد رواه عنه مالك٤، وعبيد الله بن عمر٥، وأيوب٦، وعبد الله بن عمر٧، وغيرهم، كلهم رووه عنه موقوفًا، وأما عبد الله بن دينار فرواه عنه الثوري٨، وهو من المقدمين فيه٩، وفليح بن سليمان١٠، وسليمان بن بلال١١، كلهم رووه موقوفًا.
_________________
(١) ١ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٤١٢٢) . ٢ رواه الدارقطني (٤/١٣٤) . ٣ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٧٤٩٩) . ٤ الموطأ (٢/٥٩٤) . ٥ رواه عنه عبد الرزاق (٧/٢٩٢)، والبيهقي (١٠/٣٤٨) . ٦ رواه عنه عبد الرزاق (٧/٢٩٢-٢٩٣) . ٧ رواه عنه عبد الرزاق (٧/٢٩٢) . ٨ رواه عنه عبد الرزاق (٧/٢٩٢)، والبيهقي (١٠/٣٤٨) . ٩ انظر: شرح علل الترمذي (٢/٦٦٨،٦٧٠) . ١٠ رواه عنه الدارقطني (٤/١٣٤) . ١١ رواه عنه البيهقي (١٠/٣٤٢) .
[ ١ / ١٦٣ ]
فتبين بذلك أن رواية يحيى بن إسحاق عن عبد العزيز بن مسلم موافقة لرواية الجماعة عن عبد الله بن دينار، وأما رواية يونس بن محمد البغدادي عن عبد العزيز بن مسلم والتي فيها رفع الحديث إلى النبي ﷺ، فهي رواية شاذة. ولعل الخطأ فيها من عبد العزيز بن مسلم؛ لأنه ذكر عنه الوهم كما سبق. والله أعلم.
وأما قول ابن القطان: "عندي أن الذي أسنده خير ممن وقفه"١. فهذا القول منه يصح بالنظر إلى أن يونس بن محمد أوثق من يحيى بن إسحاق. ولكن قد سبق أن رواية يحيى بن إسحاق قد اعتضدت بالطرق الأخرى التي رواها الثقات عن عبد الله بن دينار، والتي فيها وقف الحديث على عمر ﵁، فبذلك تترجح رواية يحيى بن إسحاق بمتابعاتها، فتكون هي المحفوظة. والله أعلم.
ولذا قال البيهقي: "هكذا رواه الجماعة عن عبد الله بن دينار - يعني موقوفًا - وغلط فيه بعض الرواة عن عبد الله بن دينار، فرفعه إلى النبي ﷺ، وهو وهم لا يحل ذكره"٢.
وممن حكم أيضًا بأن الموقوف هو المحفوظ الدارقطني٣، وعبد الحق٤.
فمما سبق يتبين أن المحفوظ في هذا الحديث هو الوقف على عمر ﵁، وأما رفعه إلى النبي ﷺ فشاذ. وقد ذكر سعيد بن منصور في سننه٥ طرقًا أخرى موقوفة على عمر ﵁. والله أعلم.
_________________
(١) ١ نصب الراية (٣/١٨٩) . ٢ السنن الكبرى (١٠/٣٤٣) . ٣ علل الدارقطني (٢/٤٢) . ٤ الأحكام الوسطى (٤/٢٢)، التلخيص الحبير (٤/٢١٧) . ٥ سنن سعيد بن منصور (٢/٨٧-٨٩) .
[ ١ / ١٦٤ ]
دلالة الحديث السابق:
أم الولد هي التي ولدت من سيدها في ملكه١، وهي تعتق بموته.
ويدل هذا الحديث عن ابن عمر - ﵄ - على المنع من بيعها، ولكن تقدم أن الحديث لا يصح مرفوعًا عن النبي ﷺ، وإنما هو من قول عمر ﵁. إلا أن جمهور العلماء قالوا بما يدل عليه الحديث، وهو النهي عن بيع أمهات الأولاد٢. وقد حكى بعضهم الإجماع عليه٣. إلا أن هذا الإجماع لا يصح، فقد خالف علي٤، وابن عباس٥، وابن الزبير٦ ﵃، فكانوا يقولون بجواز بيع أمهات الأولاد. وهذا القول حكي رواية عن أحمد، اختارها ابن عقيل٧، وابن تيمية٨ وغيرهما. واستدل بعض أصحاب هذا القول بحديث جابر بن عبد الله - ﵄ - أنه قال: "بعنا أمهات الأولاد على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر، فلما كان عمر ﵁ نهانا فانتهينا".
رواه أبو داود٩، والنسائي في الكبرى١٠، وابن ماجه١١. وهو حديث صحيح.
_________________
(١) ١ المغني (١٢/٤٨٨) . ٢ المرجع السابق (١٢/٤٩٢) . ٣ الفروع (٥/١٣٢) . ٤ مصنف عبد الرزاق (٧/٣٩١-٢٩٢) . ٥ المصنف (٧/٢٩٠) . ٦ المصنف (٧/٢٩٢) . ٧ الفروع (٥/١٣٢)، الإنصاف (٧/٣٩٥) . ٨ الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص٢٠٠)، الإنصاف (٧/٣٩٥) . ٩ سنن أبي داود (٤/٢٦٣-٢٦٤) . ١٠ السنن الكبرى (٣/١٩٩) . ١١ سنن ابن ماجه (٢/٤٨١) .
[ ١ / ١٦٥ ]
وقول الصحابي: "كنا نفعل كذا" الجمهور على أنه إن أضافه إلى زمن النبي ﷺ فهو مرفوع؛ لأن ظاهر ذلك مشعر بأن رسول الله ﷺ اطلع على ذلك وقررهم عليه؛ لتوفر دواعيهم على سؤالهم عن أمور دينهم١.
وبهذا يعلم الجواب عن قول البيهقي٢ وغيره بأن ليس في حديث جابر بن عبد الله - ﵄ - أن النبي ﷺ علم بذلك فأقرهم عليه.
_________________
(١) ١ تدريب الراوي (١/١٨٥) . ٢ السنن الكبرى (١٠/٣٤٨) .
[ ١ / ١٦٦ ]