١٤٠ - (١) عن مالك بن أوسٍ: أنه التمس صرفًا بمائة دينار، فدعاني طلحة بن عبيد الله فتراوضنا، حتى اصطرف منِّي، فأخذ الذهب يقلِّبها في يده، ثم قال: حتى يأتي خازني من الغابة، وعمر يسمع ذلك، فقال: والله لا تفارقه حتى تأخذ منه، قال رسول الله ﷺ: "الذهب بالورِق١ ربًا إلاّ هاء وهاء، والبُرُّ بالبرِّ ربًا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربًا إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربًا إلا هاء وهاء".
أخرجه مالك٢ عن ابن شهاب به وهذا لفظه، ومن طريقه أخرجه البخاري٣، وأبو داود٤، والشافعي٥، وعبد الرزاق٦، وأحمد٧، وابن حبان٨، والبغوي٩.
_________________
(١) ١ وقع في المطبوع من صحيح البخاري [ط المكتبة السلفية] (٤/٤٤٢) "الذهب بالذهب" وهو خطأ. ٢ موطأ مالك [كتاب البيوع (٢/٦٣٦)] . ٣ صحيح البخاري [كتاب البيوع (٤/رقم ٢١٧٠-٢١٧٤)] . ٤ سنن أبي داود [كتاب البيوع (٣/٦٤٣)] . ٥ مسند الشافعي (ص١٣٨) . ٦ مصنف عبد الرزاق (٨/١١٦) . ٧ مسند أحمد (١/٤٥) . ٨ الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان (١١/٣٨٦-٣٨٧) . ٩ شرح السنة (٤/٢٤٥) .
[ ٢ / ٤٢٥ ]
وأخرجه أيضًا البخاري١، ومسلم٢، والترمذي٣، والنسائي٤، وابن ماجه٥، والشافعي٦، وعبد الرزاق٧، والحميدي٨، وابن أبي شيبة٩، وأحمد١٠، والدارمي١١، والبزار١٢، وابن الجارود١٣، وابن حبان١٤، والبيهقي١٥، كلهم من طرقٍ عن ابن شهاب الزهري به.
وقال الحميدي: قال سفيان: وهذا أصحُّ حديثٍ روي عن النبي ﷺ في هذا - يعني في الصرف -.
وقال الترمذي: حسن صحيح.
قوله: "التمس صرفًا" الصَّرف: هو بيع الذهب بالفضة، والفضة بالذهب. وفي تسميته صرفًا قولان:
_________________
(١) ١ صحيح البخاري [كتاب البيوع (٤/رقم ٢١٣٤)] . ٢ صحيح مسلم [كتاب المساقاة (٣/١٢٠٩)] . ٣ جامع الترمذي [كتاب البيوع (٣/٥٤٥)] . ٤ سنن النسائي [كتاب البيوع (٧/٢٧٣)] . ٥ سنن ابن ماجه [كتاب التجارات (٢/٧٥٧،٧٥٩،٧٦٠)] . ٦ مسند الشافعي (ص١٣٨) . ٧ مصنف عبد الرزاق (٨/١١٦) . ٨ مسند الحميدي (١/٨،٩) . ٩ مصنف ابن أبي شيبة (٥/٢٩٧) . ١٠ مسند أحمد (١/٢٤) . ١١ سنن الدارمي (٢/٣٣٥) . ١٢ مسند البزار - البحر الزخار - (١/٣٧٧) . ١٣ المنتقى - المطبوع مع غوث المكدود - (٢/٢٢٧) رقم (٦٥١) . ١٤ الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان (١١/٣٩٤) . ١٥ السنن الكبرى (٥/٢٨٣) .
[ ٢ / ٤٢٦ ]
أحدهما: لصرفه عن مقتضى البياعات من عدم جواز التفرق قبل القبض والبيع نساءً.
والثاني: من صريفهما وهو تصريفهما في الميزان، فإن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة سمي مراطلةً١.
قوله: "فتراوضنا" أي تجاذبنا في البيع والشراء، وهو ما يجري بين المتبايعين من الزيادة والنقصان، كأن كل واحدٍ منهما يروض صاحبه من رياضة الدابة، وقيل: هي المواصفة بالسلعة، وهو أن تصفها وتمدحها عنده٢.
قوله: "فأخذ الذهب يقلبها" قال الحافظ ابن حجر: أي الذهبة، والذهب يذكر ويؤنث، فيقال ذهب وذهبة، أو يحمل على أنه ضمن الذهب معنى العدد المذكور وهو المائة فأنثه لذلك٣.
قوله: "حتى يأتي خازني" جاء في رواية مسلم "ثم ائتنا إذا جاء خادمنا".
قوله: "الغابة" هي موضع قرب المدينة من ناحية الشام فيه أموال لأهل المدينة٤.
قوله: "إلا هاء وهاء" قال البغوي: أراد يدًا بيد، وقال: معناه: هاك وهات، أي: خذ وأعطِ٥.
وهذا الحديث عن عمر بن الخطاب ﵁ جاء أيضًا من غير طريق مالك بن أوس الحدثاني، وبذلك يعلم أن حديث عمر بن الخطاب لا يمكن
_________________
(١) ١ المطلع على أبواب المقنع (ص٢٣٩) . ٢ النهاية في غريب الحديث (٢/٢٧٦-٢٧٧) . ٣ فتح الباري (٤/٤٤٢) . ٤ معجم البلدان (٤/١٨٢) . ٥ شرح السنة (٤/٢٤٥) .
[ ٢ / ٤٢٧ ]
تعليله بأنه لا يعرف عن عمر عن رسول الله ﷺ هذا الكلام مرفوعًا من غير حديث مالك بن أوس عن عمر عنه. وقد ذكر ابن جرير الطبري أن قومًا ربما ضعفوا الحديث بسبب هذا١، ولكن لم يجب ابن جرير عن هذا التعليل، ونحن نجيب عنه بأمرين:
الأول: أن الحديث على احتمال أنه فَرْد، فهو صحيح الإسناد احتج به مالك، وأصحاب الصحيح.
الثاني: أن الحديث لم ينفرد به مالك بن أوس عن عمر بن الخطاب ﵁، بل تابعه غيره عن عمر ﵁، ووقفت من ذلك على طريقين أحدهما صحيح، والآخر مُعَل، وهما:
الطريق الثانية٢: ضمرة بن سعيد المازني عن أبي سعيد الخدري عنه به:
رواه الحميدي٣ قال ثنا سفيان به. قال سفيان بن عيينة: إني لا أحفظ شيئًا فيه - أي من لفظه - إلا أنه نحو مما يحدث الناس عن أبي سعيد عن النبي ﷺ في "الذهب بالذهب مثلًا بمثلٍ، والورق بالورق مثلًا بمثل".
وهذا إسناد صحيح متصل. وضمرة بن سعيد المازني هو ابن أبي حَنَّة الأنصاري المدني، ثقة٤.
وقد سمع أبو سعيد الخدري هذا الحديث أيضًا من النبي ﷺ بلا واسطة كما سيأتي بيان حديثه - إن شاء الله -.
_________________
(١) ١ تهذيب الآثار (٢/٧٣) . ٢ أي: لحديث عمر بن الخطاب ﵁، وقد سبق ذكر الطريق الأولى. ٣ مسند الحميدي (٢/٣٢٩) . ٤ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٢٩٨٩) .
[ ٢ / ٤٢٨ ]
الطريق الثالثة: عبد الله بن حنين عن عبد الله بن عمر عن أبيه به:
رواه الطحاوي١ بإسناده عن ابن لهيعة عن أبي النضر به. ولفظه: أن رجلًا من أهل العراق قال لعبد الله بن عمر - ﵄ -: أن ابن عباس - ﵄ - قال وهو علينا أمير: "من أُعطى بالدرهم مائة درهم فليأخذها"، فقال عبد الله بن عمر - ﵄ -: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ: "الذهب بالذهب، وزنًا بوزن، مثلًا بمثل، فمن زاد فهو ربا". وقال ابن عمر: إن كنت في شك فسل أبا سعيد الخدري عن ذلك. فسأله فأخبره أنه سمع ذلك من رسول الله ﷺ ".
وهذا الإسناد فيه علتان:
الأولى: ابن لهيعة، وقد سبق٢ أنه ضعيف.
الثانية: أن المحفوظ عن عبد الله بن عمر عن عمر بن الخطاب ﵁ النهي عن الصرف - موقوفًا -، وذلك من طرقٍ كثيرة ليس فيها الرفع٣. وعبد الله بن عمر - ﵄ - لم يكن بلغه النهي عن الصرف عن النبي ﷺ، ولذلك كان يفتي بإباحته كمذهب ابن عباس حتى حدثه أبو سعيد الخدري عن النبي ﷺ أنه نهى عن الصرف إلا مثلًا بمثل، فرجع عبد الله بن عمر
_________________
(١) ١ شرح معاني الآثار (٤/٦٨) . ٢ عند الكلام على الحديث الأول من هذه الرسالة. ٣ انظر: في هذه الطرق: تهذيب الآثار (٢/٧٣-٧٤-٧٥)، شرح معاني الآثار (٤/ ٦٩-٧٠)
[ ٢ / ٤٢٩ ]
عن قوله، ولو كان بلغه عن أبيه أن النبي ﷺ نهى عن ذلك لما ذهب إلى إباحته. وقد روى البيهقي١ بإسنادٍ عن نافع قال: "كان ابن عمر يحدث عن عمر في الصرف، ولم يسمع فيه من النبي ﷺ شيئًا".
وقوله: يحدث عن عمر: أي "موقوفًا" كما تقدّم.
وعلى هذا فالمعروف في هذه الطريق الوقف، وأما الرفع فمنكر. والله أعلم.
١٤١ - (٢) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل، ولا تشفُّوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلًا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائبًا بناجز".
ورد هذا الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ من طرق:
الطريق الأولى: نافع عنه به.
رواه البخاري٢، ومسلم٣ واللفظ المذكور لهما، والترمذي٤، والنسائي٥، ومالك٦، والشافعي٧، وعبد الرزاق٨، وابن أبي
_________________
(١) ١ السنن الكبرى (٥/٢٧٩) . ٢ صحيح البخاري - مع الفتح -[كتاب البيوع (٤/رقم ٢١٧٧)] . ٣ صحيح مسلم [كتاب المساقاة (٣/١٢٠٨-١٢٠٩)] . ٤ جامع الترمذي [كتاب البيوع (٣/٥٤٢-٥٤٣)] . ٥ سنن النسائي [كتاب البيوع (٧/٢٧٨-٢٧٩)] . ٦ موطأ مالك [كتاب البيوع (٢/٦٣٢-٦٣٣)] . ٧ مسند الشافعي (ص١٣٩-١٤٠)، الرسالة (ص٢٧٦-٢٧٧) من طريق مالك. ٨ مصنف عبد الرزاق (٨/١٢١-١٢٢) .
[ ٢ / ٤٣٠ ]
شيبة١، وأحمد٢، وأبو يعلى٣، وابن الجارود٤، وابن حبان٥، كلهم من طرقٍ عن نافع به.
قال الترمذي: حسن صحيح.
ورواه الطحاوي٦ بإسناده عن ابن أبي روّاد٧ عن نافعٍ عن ابن عمر عن أبي سعيد " الحديث بنحوه. فذكر عبد الله بن عمر بين نافع وأبي سعيد.
وقد تابع ابنَ أبي روّاد خصيف بن عبد الرحمن كما عند الطبراني٨.
وخالفهما مالك٩، وعبيد الله بن عمر١٠، وأيوب١١، وابن عون١٢، ويحيى الأنصاري١٣، وغيرهم١٤، كلهم يروونه عن نافع عن أبي سعيد به، وهو المعروف.
_________________
(١) ١ مصنف ابن أبي شيبة (٥/٢٩٧) . ٢ مسند أحمد (٣/٤، ٥١،٥٣،٦١) . ٣ مسند أبي يعلى (٢/٤٢٢) . ٤ المنتقى - المطبوع مع تخريجه غوث المكدود - (٢/٢٢٦) . ٥ الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان (١١/٣٩١) . ٦ شرح معاني الآثار (٤/٦٧)، شرح مشكل الآثار (١٥/٣٨٥) . ٧ وقع في المطبوع من شرح معاني الآثار "ابن أبي داود" وهو خطأ. ٨ المعجم الأوسط (٣/١٧-١٨) . ٩ في الموطأ. ١٠ في مسند أحمد. ١١ المرجع السابق. ١٢ في صحيح مسلم. ١٣ المرجع السابق. ١٤ ذكر الخطيب البغدادي في وصل المدرج (١/٧٦)، ح رقم ١٣) سبعة عشر راويًا كلهم يروون الحديث عن نافع عن أبي سعيد، وذكر رواياتهم.
[ ٢ / ٤٣١ ]
ورواية ابن أبي روّاد وخصيف منكرة، وقد كان ابن أبي روّاد يحدث عن نافعٍ بالمناكير١. ورواية خصيف من طريق عتاب بن بشير الجزري عنه. وقد قال أحمد في عتاب هذا: أحاديث عتاب عن خصيف منكرة. وقال ابن عدي: روى عن خصيف نسخة فيها أحاديث أنكرتها٢.
وقد كان نافع مع ابن عمر - ﵄ - حين حدثه أبو سعيد ﵁ بهذا الحديث، فلعله اشتبه على من رواه عن نافع عن ابن عمر عن أبي سعيد فظنّ أن نافعًا يرويه عن ابن عمر - والله أعلم -.
وأمّا سالم بن عبد الله بن عمر فلم يسمع من أبي سعيد هذا الحديث، وإنما سمعه من أبيه عن أبي سعيد الخدري ﵃ كما رواه البخاري٣، وقد تفرّد به.
وروى الطحاوي٤ هذا الحديث بإسنادٍ صحيح عن نافع قال: مشى عبد الله بن عمر إلى رافع بن خديج في حديث بلغه عنه في شأن الصرف " الحديث بنحو حديث نافع عن أبي سعيد الخدري ﵁، وهو مقلوب. فإن الحديث عن أبي سعيد الخدري كما في الطرق الأخرى عن نافع وابن عمر، وليس عن رافع بن خديج ﵁، والله أعلم.
_________________
(١) ١ انظر: المجروحين لابن حبان (٢/١٣٦-١٣٧) . ٢ تهذيب التهذيب (٧/٩١) . ٣ صحيح البخاري - مع الفتح -[كتاب البيوع (٤/رقم ٢١٧٦)] . ٤ شرح معاني الآثار (٤/٦٦-٦٧) .
[ ٢ / ٤٣٢ ]
وقوله: "لا تشفوا" أي لا تفضِّلوا، والشف أيضًا من النقصان، فهو من الأضداد١، وقد جاء في روايةٍ لأحمد٢: "لا تفضِّلوا".
وقوله: "بناجز" أي حاضرًا، يقال نجز ينجز نجزًا إذا حصل وحضر، وأنجز وعده إذا أحضره٣.
الطريق الثانية: أبو سلمة بن عبد الرحمن عنه به:
أخرجه البخاري٤، ومسلم٥، والنسائي٦، وابن ماجه٧، والطيالسي٨، وابن أبي شيبة٩، وأحمد١٠، والطحاوي١١، والبيهقي١٢، كلهم من طرقٍ به.
وفي رواية لأحمد١٣ جاء ذكر محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان مقرونًا بأبي سلمة.
_________________
(١) ١ انظر: النهاية في غريب الحديث (٢/٤٨٦) . ٢ مسند أحمد (٣/٥٣) . ٣ انظر: النهاية في غريب الحديث (٥/٢١) . ٤ صحيح البخاري - مع الفتح -[كتاب البيوع (٤/رقم ٢٠٨٠)] . ٥ صحيح مسلم [كتاب المساقاة (٣/١٢١٦)] . ٦ سنن النسائي [كتاب البيوع (٧/٢٧٢)] . ٧ سنن ابن ماجه [كتاب التجارات (٢/٧٥٨)] . ٨ مسند الطيالسي (ص٢٩١) . ٩ المصنف (٥/٢٩٧) . ١٠ مسند أحمد (٣/٤٩،٥٠-٥١) . ١١ شرح معاني الآثار (٤/٦٨)، شرح مشكل الآثار (١٥/٣٩١) . ١٢ السنن الكبرى (٥/٢٩١) . ١٣ مسند أحمد (٣/٨١) .
[ ٢ / ٤٣٣ ]
ولفظ البخاري: عن أبي سعيد قال: كنا نرزق تمر الجمع - وهو الخِلط من التمر -، وكنّا نبيع صاعين بصاعٍ، فقال النبي ﷺ: "لا صاعين بصاعٍ، ولا درهمين بدرهم".
وتمر الجَمْع: هو كلُّ لونٍ من النخيل لا يعرف اسمه فهو جمع، وقيل: الجَمْع تمر مختلط من أنواعٍ متفرِّقة، وليس مرغوبًا فيه، وما يخلط إلا لرداءته١.
الطريق الثالثة: يحيى بن أبي كثير عن عقبة بن عبد الغفار عنه به.
رواه البخاري٢، ومسلم٣، والنسائي٤، وأحمد٥، كلهم من طرقٍ به.
ولفظ البخاري: عن أبي سعيد قال: جاء بلالٌ إلى النبي ﷺ بتمرٍ برني، فقال له النبي ﷺ: من أين هذا؟ قال بلال: كان عندي تمرٌ رديء، فبعت منه صاعين بصاع لنطعم النبي ﷺ. فقال النبي ﷺ عند ذلك: "أوَّه، أوَّه، عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر ببيعٍ آخر ثم اشتر به".
وقوله "أَوَّه" هي كلمة يقولها الرجل عند الشكاية والتوجُّع٦.
الطريق الرابعة: أبو نضرة عنه به:
عن أبي نضرة قال: "سألت ابن عباسٍ عن الصرف، فقال: أَيدًا بيدٍ؟ قلت: نعم. قال: فلا بأس به. فأخبرت أبا سعيدٍ،
_________________
(١) ١ النهاية في غريب الحديث (١/٢٩٦) . ٢ صحيح البخاري - مع الفتح -[كتاب الوكالة (٤/رقم ٢٣١٢)] . ٣ صحيح مسلم [كتاب المساقاة (٣/١٢١٥)] . ٤ سنن النسائي [كتاب البيوع (٧/٢٧٣)] . ٥ مسند أحمد (٣/٦٢) . ٦ النهاية في غريب الحديث (١/٨٢) .
[ ٢ / ٤٣٤ ]
فقلت: إني سألت ابن عباسٍ عن الصرف، فقال: أيدًا بيد؟ قلت: نعم. قال فلا بأس به. قال: أَوَ قال ذلك! إنا سنكتب إليه فلا يفتيكموه. قال: فوالله لقد جاء بعض فتيان رسول الله ﷺ بتمرٍ فأنكره، فقال: كأنّ هذا ليس من تمر أرضنا؟ قال: كان في تمر أرضنا - أو في تمرنا - العام بعض الشيء، فأخذت هذا وزدت بعض الزيادة. فقال: أَضعفت، أَربيت، لا تقربنّ هذا، إذا رابك من تمرك شيءٌ فبعه ثم اشتر الذي تريد من التمر".
رواه مسلم١ وهذا لفظه، وأحمد٢، وأبو يعلى٣، والطحاوي٤ - مختصرًا -. كلهم من طرقٍ به.
وفي لفظ لمسلم: "هذا الربا فردوه، ثم بيعوا تمرنا واشتروا لنا من هذه".
ورواه مسلم والبيهقي٥ عن أبي نضرة قال: "سألت ابن عمر وابن عباس عن الصرف فلم يريا به بأسًا " الحديث بنحوه. وفي آخره يقول أبو نضرة: فأتيت ابن عمر بعدُ فنهاني، ولم آت ابن عباسٍ، قال: فحدَّثني أبو الصهباء أنه سأل ابن عباس عنه بمكة فكرهه".
_________________
(١) ١ صحيح مسلم [كتاب المساقاة (٣/١٢١٦-١٢١٧) . ٢ مسند أحمد (٣/٣،١٠،٥٨،٦٠) . ٣ مسند أبي يعلى الموصلي (٢/٤٢٦) . ٤ شرح معاني الآثار (٤/٦٨) . ٥ السنن الكبرى (٥/٢٨١) .
[ ٢ / ٤٣٥ ]
الطريق الخامسة: سعيد بن المسيب عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة به.
رواه مالك١ عن عبد المجيد بن سهيل عن سعيدٍ به، ومن طريق مالك أخرجه البخاري٢، ومسلم٣، والنسائي٤.
ولفظ مالك: عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة - ﵄ - أن رسول الله ﷺ استعمل رجلًا على خيبر، فجاءه بتمرٍ جنيب، فقال رسول الله ﷺ: "أكلُّ تمر خيبر هكذا"؟ قال: لا، والله يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال رسول الله ﷺ: "لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبًا". وزاد البخاري ومسلم: "وكذلك الميزان".
والجنيب، نوع جيِّد من أنواع التمر٥.
ومن غير طريق مالك أخرجه أيضًا البخاري٦، ومسلم٧، والدارمي٨، والدارقطني٩، والبيهقي١٠، كلهم من طرقٍ عن
_________________
(١) ١ الموطأ (٢/٤٨٥) . ٢ صحيح البخاري - مع الفتح -[كتاب البيوع (٤/رقم ٢٢٠١)، كتاب الوكالة (٤/رقم ٢٣٠٢)، كتاب المغازي (٧/رقم ٤٢٤٤)] . ٣ صحيح مسلم [كتاب المساقاة (٣/١٢١٥)] . ٤ سنن النسائي [كتاب البيوع (٧/٢٧١)] . ٥ النهاية في غريب الحديث (١/٣٠٤) . ٦ صحيح البخاري - مع الفتح -[كتاب الاعتصام (١٣/رقم ٧٣٥٠)] . ٧ صحيح مسلم [كتاب المساقاة (٣/١٢١٥)] . ٨ سنن الدارمي (٢/٣٣٥) . ٩ سنن الدارقطني (٣/١٧) . ١٠ السنن الكبرى (٥/٢٨٥) .
[ ٢ / ٤٣٦ ]
عبد المجيد بن سهيل به. ولفظهم نحو لفظ مالك، وقد وقع عندهم تسمية الرجل الذي استعمله النبي ﷺ على خيبر بأنه أخو بني عدي الأنصاري، وعند الدارقطني: "سواد بن غزية أخو بني عدي الأنصاري".
وقيل إن الرجل هو مالك بن صعصعة، وذلك لما رواه الخطيب بإسناده عن مالك بن صعصعة أن النبي ﷺ كان يبعثه إلى تمر خيبر يستوفيه، فأتاه مالك بتمرٍ طيب، فقال له رسول الله ﷺ: "ما هذا التمر يا مالك"؟ قال: استطبته لك، الصاع بالصاعين، قال: "لا تعودنَّ لذلك، الصاع بالصاع، والدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم" ١. وفي إسناد الخطيب فليح بن سليمان، وقد تقدم الكلام فيه وأنه: صدوق كثير الخطأ٢.
قال الحافظ ابن حجر: لعلها قصة أخرى٣.
وروى الحديث من هذه الطريق أيضًا، النسائي٤، وأبو داود الطيالسي٥، وأحمد٦، وأبو يعلى٧، والطحاوي٨، وابن حبان٩، كلهم من طرقٍ عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن
_________________
(١) ١ الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة (ص٣٧٥) . ٢ تقدم عند حديث رقم (٩) . ٣ الفتح (٧/٥٦٨) . ٤ سنن النسائي [كتاب البيوع (٧/٢٧٢)] . ٥ مسند الطيالسي (ص٢٩٤) . ٦ مسند أحمد (٣/٤٥،٦٧) . ٧ مسند أبي يعلى (٢/٤٣٨-٤٣٩) . ٨ شرح معاني الآثار (٤/٦٨) . ٩ الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان (١١/٣٩٤-٣٩٥) .
[ ٢ / ٤٣٧ ]
أبي سعيد الخدري وحده. ولفظ أحمد: أن رسول الله ﷺ أُتي بتمرٍ ريَّان وكان تمر نبي الله ﷺ تمرًا بعلًا فيه يبس، فقال: أنّى لكم هذا التمر؟ فقالوا هذا تمرٌ ابتعنا صاعًا بصاعين من تمرنا. فقال النبي ﷺ: "لا يصلح ذلك، ولكن بع تمرك ثم ابتع حاجتك".
والبَعْل: هو ما شرب من النخيل بعروقه من الأرض من غير سقي سماءٍ ولا غيرها١.
ورواه الدارقطني٢ أيضًا بإسناده عن محمد بن إسماعيل الجعفري عن عبد الله بن سلمة٣ بن أسلم عن أبيه عن سعيد بن المسيب عن أبي سعيد وأبي هريرة به. ولم يذكر لفظه.
وهذا الإسناد لا يعتبر به؛ فإن محمد بن إسماعيل الجعفري قال فيه أبو حاتم: منكر الحديث يتكلمون فيه. وقال أبو نعيم: متروك٤.
وأما عبد الله بن سلمة بن أسلم فقد ضعفه الدارقطني وغيره، وقال أبو نعيم: متروك٥. وأما سلمة بن أسلم فلم أعرفه. والله أعلم.
ومما تقدم من الروايات تبين أن جميعها تلتقي في سعيد بن المسيب، وذلك من رواية عبد المجيد بن سهيل وقتادة عنه.
_________________
(١) ١ انظر: النهاية في غريب الحديث (١/١٤١) . ٢ سنن الدارقطني (٣/١٧) . ٣ وقع في سنن الدارقطني المطبوع "مسلمة" وهو خطأ. ٤ لسان الميزان (٥/٧٨) . ٥ لسان الميزان (٣/٢٩٢) .
[ ٢ / ٤٣٨ ]
ورواه البخاري تعليقًا١ عن الدراوردي عن عبد المجيد بن سهيل عن أبي صالح عن أبي سعيد وأبي هريرة به. ووصله الدارقطني٢ وابن عبد البر٣.
قال ابن عبد البر: لا نعرفه بهذا الإسناد هكذا إلا من حديث الدراوردي٤.
والدراوردي هو عبد العزيز بن محمد، وَثَّقه مالك وابن معين، وقال ابن سعد: ثقة كثير الحديث يغلط. وقال أحمد: كان معروفًا بالطلب وإذا حدث من كتابه فهو صحيح، وإذا حدّث من كتب الناس وهم. وكان يقرأ من كتبهم فيخطئ، وربما قلب حديث عبد الله بن عمر يرويها عن عبيد الله بن عمر.
وقال أبو زرعة: سيء الحفظ، فربما حدث من حفظه الشيء فيخطئ. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال ابن حبان: كان يخطئ٥.
وخلص فيه الحافظ ابن حجر إلى أنه صدوق كان يحدث من كتب غيره فيخطئ٦.
ويظهر لي أنه أخطأ في هذا الحديث، وذلك أن غيره من الرواة ومنهم مالك رووه عن عبد المجيد بن سهيل عن سعيد بن
_________________
(١) ١ صحيح البخاري - مع الفتح -[كتاب المغازي (٧/رقم ٤٢٤٦)] . ٢ سنن الدارقطني (٣/١٧) . ٣ التمهيد (٥/١٣٢) . ٤ التمهيد (٢٠/٥٧) . ٥ تهذيب التهذيب (٦/٢٥٤-٢٥٥) . ٦ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٤١١٩) .
[ ٢ / ٤٣٩ ]
المسيب، فمخالفة الدراوردي تعتبر شذوذًا لما سبق من حاله، فلعله انقلب عليه سعيد بن المسيب إلى أبي صالح كما ينقلب عليه عبد الله بن عمر إلى عبيد الله بن عمر، وعبد المجيد بن سهيل لم يكن بالواسع في الرواية حتى يقال حدث عن كليهما١. والله أعلم.
الطريق السادسة: أبو المتوكل الناجي عنه به:
رواه مسلم٢، والنسائي٣، والطيالسي٤، وأحمد٥، وعبد بن حميد٦، وأبو يعلى٧، وابن الجارود٨، كلهم من هذه الطريق.
ولفظ مسلم: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، يدًا بيدٍ، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء".
وأبو المتوكل هو علي بن داود، ويقال: ابن دؤاد البصري٩.
_________________
(١) ١ انظر قول يحيى بن معين فيه في: تهذيب الكمال (١٨/٢٧٠) . ٢ صحيح مسلم [كتاب المساقاة (٣/١٢١١)] . ٣ سنن النسائي [كتاب البيوع (٧/٢٧٧)] . ٤ مسند الطيالسي (ص٢٩٥) . ٥ مسند أحمد (٣/٤٩-٥٠، ٦٦-٦٧، ٩٧) . ٦ المنتخب (٢/٥٧، رقم: ٨٦٠) . ٧ مسند أبي يعلى (٢/٤٢٢) مختصرًا. ٨ المنتقى - المطبوع مع تخريجه غوث المكدود - (٢/٢٢٦) . ٩ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٤٧٣١) .
[ ٢ / ٤٤٠ ]
الطريق السابعة: سهيل بن أبي صالح عن أبيه عنه به:
رواه مسلم١، والطيالسي٢، وأحمد٣، والطحاوي٤، كلهم من هذه الطريق.
ولفظ مسلم: "لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الورق بالورق، إلا وزنًا بوزن مثلًا بمثل سواءً بسواءٍ".
وقد تابع سهيل بن أبي صالح على هذا الحديث عبد العزيز بن رُفيع. رواه الطبراني٥.
الطريق الثامنة: عمرو بن دينار عن أبي صالح عنه به٦:
رواه البخاري٧ بإسناده عن ابن جريج أخبرني عمرو بن دينار به موقوفًا، ولفظه: عن أبي سعيد قال: "الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم" وفيه محاورة أبي سعيد لابن عباس، واحتجاج ابن عباس بحديث أسامة: "لا ربا إلا في النسيئة".
ورواه مسلم٨ عن محمد بن حاتم بن ميمون ومحمد بن عبَّاد المكي، وابن أبي عمر كلهم عن سفيان عن عمرو بن دينار به
_________________
(١) ١ صحيح مسلم [كتاب المساقاة (٣/١٢٠٩)] . ٢ مسند الطيالسي (ص٢٩٠) . ٣ المسند (٣/٩،٤٧) . ٤ شرح مشكل الآثار (١٥/٣٩٠)، شرح معاني الآثار (٤/٦٧) . ٥ المعجم الكبير (١/١٧٤) . ٦ أفردت هذا الطريق عن سابقه لبيان الاختلاف الواقع في إسناده. ٧ صحيح البخاري - مع الفتح -[كتاب البيوع (٤/رقم ٢١٧٨)] . ٨ صحيح مسلم [كتاب المساقاة (٣/١٢١٧)] .
[ ٢ / ٤٤١ ]
موقوفًا، ورواه ابن ماجه١ عن محمد بن الصبّاح الجَرْجرائي عن سفيان به موقوفًا أيضًا، ورواه أحمد٢ عن سفيان به موقوفًا أيضًا.
بينما رواه الحميدي٣ عن سفيان به مرفوعًا، ولفظه: "الدرهم بالدرهم، والدينار بالدينار، مثلًا بمثل، ليس بينهما فضل"، وذكر محاورة أبي سعيد لابن عباس في ذلك.
وتابع الحميدي على رفع الحديث عبد الرزاق٤ ومحمد بن مسلم الطائفي٥، ورواه أيضًا عبد الرزاق٦ عن معمر عن عمرو بن دينار به مرفوعًا.
وهناك من الرواة عن عمرو بن دينار من روى الحديث من غير ذكرٍ لأبي سعيد الخدري فيه٧، وإنما ذكر قول ابن عباس
_________________
(١) ١ سنن ابن ماجه [كتاب التجارات (٢/٧٥٨-٧٥٩)] . ووقع في المطبوع منه: "عن أبي صالح عن أبي هريرة عن أبي سعيد" وهو خطأ، والصواب: "عن أبي صالح عن أبي سعيد" بدون ذكر أبي هريرة. وانظر في ذلك: تحفة الأشراف (١/٤٧)، (٣/٣٥٢) . ٢ المسند (٥/٢٠٠) . ٣ مسند الحميدي (٢/٣٢٨-٣٢٩) . ٤ المصنف (٨/١١٧) . ٥ رواه عنه علي بن الجعد (المسند: ٢/٧٠٣)، وابن شاهين في الناسخ والمنسوخ (ص٣٨٢)، وابن عبد البر في التمهيد (٢/٢٤٤) . ٦ المصنف (٨/١١٧) . ٧ من هؤلاء الرواة: شعبة. انظر: المعجم الكبير (١/١٧٤)، وانظر أيضًا: مسند البزار (٧/٩-١٠) .
[ ٢ / ٤٤٢ ]
عن أسامة مرفوعًا: "لا ربا إلا في النسيئة". وهذا يؤكد أن الحديث وقع فيه اختصار من بعض الرواة، فإنّ أصل الحديث أن أبا صالح السَّمَّان سأل أبا سعيد الخدري عن الصرف، فنهاه عنه وقال: "الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم "، ثم ذكر أبو صالح قول ابن عباس، فقال له أبو سعيد إنه لقيه فاحتج ابن عباس بحديث أسامة: "لا ربا إلا في النسيئة"، فاحتج عليه أبو سعيد بما سمع من النبي ﷺ، فبعض الرواة ذكر الحديث تامًا، ومنهم من ذكر الجزء الموقوف منه على أبي سعيد وحديث أسامة، ومنهم من اقتصر على حديث أسامة. فعلى هذا لا تعارض بين هذه الروايات ولا اضطراب. والله أعلم.
الطريق التاسعة: عن أبي الجوزاء عن ابن عباس عن أبي سعيدٍ به:
رواه ابن ماجه١، وأحمد٢، والطبراني٣، وابن شاهين٤، والبيهقي٥، وابن عبد البر٦. كلهم من طرقٍ عن أبي الجوزاء به.
ولفظ ابن ماجه: عن أبي الجوزاء قال: سمعته يأمر بالصرف - يعني ابن عباس - ويحدث ذلك عنه، ثم بلغني أنه رجع عن ذلك، فلقيته بمكة فقلت: إنه بلغني أنك رجعت؟ قال: نعم،
_________________
(١) ١ سنن ابن ماجه [كتاب التجارات (٣/٧٥٩)] . ٢ مسند أحمد (٣/٥١) . ٣ المعجم الكبير (١/١٧٧) . ٤ الناسخ والمنسوخ (ص٣٨٤-٣٨٥) . ٥ السنن الكبرى (٥/٢٨٢) . ٦ التمهيد (٢/٢٤٥)، (٤/٧٥) .
[ ٢ / ٤٤٣ ]
إنما كان ذلك رأيًا مني، وهذا أبو سعيد يحدث عن رسول الله ﷺ "أنه نهى عن الصرف".
وأبو الجوزاء اسمه أوس بن عبد الله الرَّبَعي البصري، وهو ثقة١.
وإسناد هذا الحديث صحيح، وفيه التصريح برجوع ابن عباس عن قوله بإباحة ربا الفضل.
الطريق العاشرة: عبد الرحمن بن أبي نُعم عن أبي سعيد به:
رواه أبو يعلى٢، والطبراني في الكبير٣، وابن عبد البر٤. كلهم من طرقٍ عن مغيرة بن مِقسم به، ولفظ أبي يعلى: "جاء أبو سعيد الخدري إلى رجلٍ فقال له: أقرأت ما لم نقرأ؟ وصحبت ما لم نصحب؟ فقال أبو سعيد: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الذهب بالذهب مثلًا بمثل، فما زاد فهو ربا، والفضة بالفضة مثلًا بمثل، فما زاد فهو ربا". قال سمعته بعد يقول: اللهم إني أتوب إليك مما كنت أفتي به الناس في الصرف. وعند الطبراني أن الرجل الذي كلّمه أبو سعيد هو ابن عباس ﵁.
وإسناد هذه الطريق حسن، فإن عبد الرحمن بن أبي نُعم ضعفه ابن معين، ووثقه ابن سعد، والنسائي، وذكره ابن حبان في الثقات٥، وجعله ابن حجر في مرتبة: صدوق٦.
_________________
(١) ١ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٥٧٧) . ٢ مسند أبي يعلى (٢/٤٨٩) . ٣ المعجم الكبير (١/١٧٦-١٧٧) . ٤ التمهيد (٢/٢٤٣-٢٤٤) . ٥ تهذيب التهذيب (٦/٢٨٦) . ٦ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٤٠٢٨) .
[ ٢ / ٤٤٤ ]
والمغيرة بن مقسم ثقة، ولكنه يدلس١، ولكن لم يذكر أنه يدلّس إلا عن إبراهيم النخعي٢، ومنهم من ينفي ذلك عنه.
الطريق الحادية عشرة: مجاهد عنه به:
رواه أحمد٣، والطبراني٤، والخطيب البغدادي٥، كلهم من طرقٍ عن خُصيف به، ولفظ أحمد: عن أبي سعيد ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ مرّتين على المنبر يقول: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة وزنًا بوزنٍ".
وخُصيف هو ابن عبد الرحمن الجزري، ضعَّفه يحيى القطان، وأحمد، والنسائي، وابن خزيمة، ووثقه ابن معين والفسوي٦.
وجعله ابن حجر في مرتبة: صدوق سيء الحفظ خلط بآخرة٧.
وفي الإسناد علة أخرى وهي الانقطاع، ذلك أن مجاهدًا لم يسمع من أبي سعيد رضي الله عنه٨.
فعلى هذا فإن هذه الطريق ضعيفة لما سبق من حال خصيف بن عبد الرحمن، وأيضًا لانقطاعه، إلا أنها مع ضعفها فهي صالحة للاعتبار. والله أعلم.
_________________
(١) ١ انظر: تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٦٨٥١)، وتعريف أهل التقديس (ص١١٢) . ٢ انظر ترجمته في: تهذيب التهذيب (١٠/٢٦٩-٢٧١) . ٣ المسند (٣/٩٣) . ٤ المعجم الأوسط (٣/١٨) . ٥ تاريخ بغداد (١٣/١٤٧) . ٦ تهذيب التهذيب (٣/١٤٣-١٤٤) . ٧ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (١٧١٨) . ٨ تهذيب التهذيب (١٠/٤٤) .
[ ٢ / ٤٤٥ ]
الطريق الثانية عشرة: عطاء بن يسار عنه به:
رواه مالك١ مرسلًا ووصله الطحاوي٢، ورواه ابن أبي شيبة٣، وأبو يعلى٤. كلهم من هذا الطريق.
وفي رواية أبي يعلى جاء ذكر أبي سلمة بن عبد الرحمن مقرونًا بعطاء بن يسار.
ولفظ مالك: "التمر بالتمر مثلًا بمثل" فقيل له: إن عاملك على خيبر يأخذ الصاع بالصاعين. فقال رسول الله ﷺ: "ادعوه لي" فدُعي له، فقال ﷺ: "أتأخذ الصاع بالصاعين"؟ فقال: يا رسول الله، لا يبيعوني الجنيب بالجمع صاعًا بصاع، فقال له رسول الله ﷺ: "بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبًا".
الطريق الثالثة عشرة: عبد الملك بن ميسرة عن أبي صالح عنه به:
رواه الطبراني٥ بإسناده عن أبي خالد الدَّالاني عن عبد الملك به، ولفظه: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح مثلًا بمثل، فمن زاد أو ازداد فقد أربى" فقيل: يا رسول الله، فإن صاحب تمرك يشتري صاعًا بصاعين، فأرسل إليه فقال:
_________________
(١) ١ الموطأ (٢/٤٨٤) . ٢ شرح معاني الآثار (٤/٦٤)، شرح مشكل الآثار (١٥/٣٩٦) . ٣ المصنف (٥/٢٩٧) . ٤ مسند أبي يعلى (٢/٢٨٣) . ٥ المعجم الكبير (٦/٣٨)، المعجم الأوسط (٤/٢٦٢) .
[ ٢ / ٤٤٦ ]
يا رسول الله، تمري كذا وكذا، فلا يأخذوه إلا أن أزيدهم، فقال النبي ﷺ: "لا تفعل".
وفي إسناد الطبراني أبو خالد الدَّالاني. قال فيه ابن معين والنسائي: ليس به بأس. وقال أحمد: لا بأس به. وقال أبو حاتم: صدوق ثقة. وقال ابن سعد: منكر الحديث، وقال ابن حبان: كان كثير الخطأ فاحش الوهم١.
ولذا جعله ابن حجر في مرتبة: صدوق يخطئ كثيرًا٢.
وهذه الطريق مع ضعفها فهي صالحة للاعتبار.
الطريق الرابعة عشرة: عطية العوفي عنه به:
رواه محمد بن الحسن٣، وعلي بن الجعد٤، والطبراني٥، كلهم من هذا الطريق، ولفظ محمد بن الحسن نحو لفظ أبي المتوكل الناجي عن أبي سعيدٍ ﵁، وقد سبق في الطريق السادسة من هذا الحديث.
وعطية العوفي تقدم الكلام فيه٦، وأنه صدوق يخطئ كثيرًا.
وهذه الطريق مع ضعفها فهي صالحة للاعتبار.
_________________
(١) ١ تهذيب التهذيب (١٢/٨٢-٨٣) . ٢ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٨٠٧٢) . ٣ الآثار (ص١٦٩) . ٤ مسند علي بن الجعد (٢/٧٩٥) . ٥ المعجم الكبير (١/١٧٧) . ٦ تقدم الكلام فيه عند حديث رقم (١٢٤) .
[ ٢ / ٤٤٧ ]
الطريق الخامسة عشرة: حيان بن عبيد الله عن أبي مجلز عن أبي سعيد ﵁:
رواه محمد بن نصر المروزي١، وابن عدي٢، والحاكم٣، والبيهقي٤، وابن حزم٥. كلهم من هذا الطريق.
ولفظ ابن عدي: عن حيّان بن عبيد الله أبو زهير قال: سئل أبو مجلز لاحق بن حميد عن الصرف وأنا أشاهد، فقال: "كان ابن عباس يقول زمانًا من عمره لا بأس بما كان منه يدًا بيدٍ، وكان يقول: إنما الربا في النسيئة، حتى لقيه أبو سعيد الخدري فقال له: يا ابن عباس، ألا تتقي الله حتى متى تؤكِّل الناس الربا، أما بلغك أن رسول الله ﷺ قال ذات يومٍ وهو عند زوجته أم سلمة: "إني أشتهي تمر عجوةٍ"، وأنها بعثت بصاعين من تمرٍ إلى رجلٍ من الأنصار فأتاها بصاعٍ واحدٍ بدل الصاعين، فقدمته إلى النبي ﷺ، فلمّا رآه أعجبه، تناول تمرةً ثم أمسك، فقال: من أين لكم هذا"؟ قالت: بعثنا من تمرنا بصاعين إلى منزل فلان فأتينا بدل الصاعين بهذا الصاع الواحد، فألقى التمر من يده ثم قال: "ردّوه فلا حاجة لي فيه، التمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والذهب بالذهب، والفضة بالفضة، عين بعين، مثل بمثلٍ،
_________________
(١) ١ السنة (ص٥٥) . ٢ الكامل (٢/٤٢٥) . ٣ المستدرك (٢/٤٢-٤٣) . ٤ السنن الكبرى (٥/٢٨٦) . ٥ المحلّى (٨/٤٧٩) .
[ ٢ / ٤٤٨ ]
فمن زاد فهو ربًا" - ثم قال - "كل ما يكال أو يوزن فكذلك أيضًا"، قال: فقال ابن عباس: جزاك الله يا أبا سعيد عني الجنة، فإنك ذكرتني أمرًا كنت نسيته، أستغفر الله وأتوب إليه. فكان ينهى عنه بعد ذلك أشد النهي".
قال ابن عدي: وهذا الحديث من حديث أبي مجلز عن ابن عباس تفرَّد به حيّان.
وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذه السياقة.
وتعقّبه الذهبي فقال: حيَّان فيه ضعف وليس بالحجة١.
وحيَّان بن عبيد الله قال فيه البخاري: ذكر الصلت منه الاختلاط. وقال أبو حاتم: صدوق. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال البيهقي: تكلموا فيه. وقال ابن حزم: مجهول٢. وقال البزار: مشهور ليس به بأس٣. وتقدم قول الذهبي فيه: فيه ضعف ليس بالحجة.
وأما قول ابن حزم: "مجهول" فقد قال ابن حجر: "لم يصب"٤، وذلك لما تقدم من كلام الأئمة فيه، فليس بمجهول.
_________________
(١) ١ تلخيص المستدرك - المطبوع في حاشية المستدرك - (٢/٤٣) . ٢ لسان الميزان (٢/٣٧٠) . ٣ حكاه عنه ابن التركماني في الجوهر النقي - المطبوع في حاشية سنن البيهقي - (٥/ ٢٨٦) . ٤ لسان الميزان (٢/٣٧٠) .
[ ٢ / ٤٤٩ ]
ومما يؤيد أن حيّان لم يضبط هذا الحديث أنه لم يتابع عليه كما قال ابن عدي، وأيضًا فقد روى نحو هذا الحديث عن عبد الله بن بريدة بن حصيب عن أبيه١، ولم يتابع عليه أيضًا٢. ولعلّ هذا من اختلاطه الذي حكاه عنه الصَّلت كما سبق.
فعلى هذا فإن هذا الإسناد ضعيف، وأما أصل الحديث فهو محفوظ من طرقٍ أخرى سبق ذكرها.
وأعله ابن حزم بالانقطاع بين أبي مجلز ومن فوقه، حيث قال: "لم يسمعه لا من أبي سعيد ولا من ابن عباس"٣. ولم يذكر دليلًا على ذلك.
وأعله أيضًا بأن ما ذكر فيه من رجوع ابن عباس مخالف لما حكاه عنه سعيد بن جبير في أنه لم يرجع عن قوله في الصرف حتى مات٤.
والجواب عن هذا أن رجوع ابن عباس ﵁ ثابت عن غير واحدٍ، وقد سبق قول أبي الصهباء أن ابن عباس كان يكره الصرف بعد أن حدثه أبو سعيد الخدري ﵁ بنهي النبي ﷺ عنه إلا مثلًا بمثل.
وسبق أيضًا ذكر خبر أبي الجوزاء عنه - وهو خبر صحيح كما سبق - وفيه التصريح برجوع ابن عباس ﵁.
_________________
(١) ١ رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٤/٦٦)، والطبراني في الأوسط (١/٢٢٧) . ووقع في المطبوع منه "حيان بن عبد الله" وهو خطأ. ٢ قاله الطبراني في الأوسط. ٣ المحلى (٨/٤٨٢) . ٤ المحلى (٨/٤٨٢-٤٨٣) .
[ ٢ / ٤٥٠ ]
وروى أيضًا إسحاق بن راهويه بإسناده عن ابن أبي مليكة أنه قال: "سمعت ابن عباس قبل موته بثلاثٍ يقول: أستغفر الله وأتوب إليه من الصرف"١. ورجاله ثقات ما عدا سالم بن أبي حفصة وهو صدوق٢.
الطريق السادسة عشرة: بكر بن عبد الله المزني عنه به:
رواه الطبراني٣ بإسناده عن سالم بن عبد الله أبي غياث العتكي به. وذكر محاورة أبي سعيد لابن عباس ﵁ في الصَّرف، واحتجاج أبي سعيد بحديث النبي ﷺ: "الذهب بالذهب وزنًا بوزن، مثلًا بمثل، تبره وعينه، فمن زاد أو استزاد فقد أربى ". وفي آخره ذكر رجوع ابن عباس حيث قال: "إني أستغفر الله وأتوب إليه، إن رسول الله ﷺ يقول: "الذهب بالذهب وزنًا بوزن " الحديث.
وفي إسناد الطبراني سالم بن عبد الله أبو غياث العتكي البصري، قال عنه أحمد: لا شيء. وقال مرّةً: ضعيف٤. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: ربما أخطأ٥.
_________________
(١) ١ إتحاف الخيرة المهرة (ص٢٢٣) . ٢ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٢١٧١) . ٣ المعجم الكبير (١/١٧٧-١٧٨) . ٤ تاريخ أسماء الضعفاء والكذابين، لابن شاهين (ص١٠٦) . وقول أحمد: "لا شيء" وقع في ميزان الاعتدال (٢/٣٠٣)، والمغني في الضعفاء (١/٣٦٥) نسبة هذا القول إلى يحيى بن معين، ولم أقف على هذا القول عن ابن معين في الروايات المطبوعة عنه، ولا في كتب الجرح والتعديل. فالله أعلم. ٥ الثقات (٤/٣٠٩) .
[ ٢ / ٤٥١ ]
فعلى هذا فإن هذه الطريق ضعيفة، لضعف سالم أبو غياث العتكي، إلا أن الجزء المرفوع من الحديث له من المتابعات والشواهد ما يؤيده، وقد سبقت. والله أعلم.
هذه هي الطرق التي وقفت عليها في حديث أبي سعيد الخدري ﵁، والخلاصة فيه أنه حديث صحيح مشهور عنه، ولا يقدح فيه الضعف في بعض الطرق. والله أعلم.
١٤٢ - (٣) عن بلال بن رباح ﵁ قال: كان عندي تمرٌ فبعته في السوق بأجود منه بنصف كيله، فقدمته إلى رسول الله ﷺ فقال: "ما رأيت اليوم تمرًا أجود منه، من أين هذا يا بلال"؟ فحدثته بما صنعت، فقال: "انطلق فردّه على صاحبه وخذ تمرك بعه بحنطة أو شعير ثم اشتر به من هذا التمر"، ففعلت، فقال رسول الله ﷺ: "التمر بالتمر مثلًا بمثل، والحنطة بالحنطة مثلًا بمثل، والشعير بالشعير، مثلًا بمثل، والملح بالملح مثلًا بمثل، والذهب بالذهب مثلًا بمثل، والفضة بالفضة وزنًا بوزن، فما كان من فضلٍ فهو ربا"١.
جاء هذا الحديث عن بلال ﵁ من طرق:
_________________
(١) ١ قدمت هذا الحديث لارتباطه بحديث أبي سعيد الخدري ﵁ السابق، كما سيتبين في آخر تخريج هذا الحديث.
[ ٢ / ٤٥٢ ]
الطريق الأولى: سعيد بن المسيب عنه به:
رواه إسحاق بن راهويه١، والبزار٢ باللفظ المذكور، وأبو يعلى٣، والشاشي٤، والطبراني٥. كلهم من طرقٍ عن جرير بن عبد الحميد عن منصور بن المعتمر عن أبي حمزة به.
وفي هذا الإسناد أبو حمزة وهو ميمون القصَّاب. قال فيه ابن معين: ليس بشيء. وقال أحمد: متروك الحديث. وقال البخاري: ضعيف ذاهب الحديث. وقال أبو حاتم: ليس بقوي، يكتب حديثه. وقال الدارقطني: ضعيف جدًا٦. وجعله ابن حجر في مرتبة: ضعيف٧.
ويظهر لي حسب ما تقدم من أقوال أئمة الجرح والتعديل أن أكثر الأئمة على أن حديثه في مرتبة الضعيف ضعفًا شديدًا، فلا يعتبر به. والله أعلم.
وسعيد بن المسيب لم يسمع من بلال، فهو منقطع٨.
ومما يبيّن ضعف أبي حمزة القصَّاب، أنه قد اضطرب في هذا الحديث، فرواه مرَّة عن سعيد بن المسيب عن بلال، ورواه مرَّة
_________________
(١) ١ إتحاف الخيرة المهرة (ص٢٣٠-٢٣١) . ٢ مسند البزار - البخر الزخار - (٤/٢٠٠) . ٣ إتحاف الخيرة المهرة (ص٢٣٢) . ٤ مسند الشاشي (٢/٣٧٥) . ٥ المعجم الكبير (١/٣٣٩) . ٦ تهذيب التهذيب (١٠/٣٩٥-٣٩٦) . ٧ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٧٠٥٧) . ٨ انظر: مجمع الزوائد (٤/١١٦)، تهذيب التهذيب (٤/٨٨) .
[ ٢ / ٤٥٣ ]
عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب عن بلال١، فذكر عمر بن الخطاب بين سعيد وبلال.
قال الدارقطني: أبو حمزة مضطرب الحديث، والاضطراب في الإسناد من قبله٢.
فعلى هذا فإن هذه الطريق لا يعتبر بها لحال أبي حمزة القصّاب. والله أعلم.
والمحفوظ في هذه الطريق هو عن سعيد بن المسيب قال: "كان عند بلال تمر فتغيَّر "٣ الحديث مرسلًا.
الطريق الثانية: مسروق عنه به:
رواه الدارمي٤، والترمذي في العلل الكبير٥، والبزار٦، وأبو يعلى٧، والطحاوي٨، والطبراني٩، وابن عبد البر١٠. ولفظه نحو اللفظ السابق. كلهم من طرقٍ عن إسرائيل عن أبي إسحاق به.
وهذا إسناد رجاله ثقات إلا أن أبا إسحاق وهو السبيعي مدلِّس١١، ولم يصرِّح بالسماع في شيء من طرق الحديث،
_________________
(١) ١ رواه الطبراني في الكبير (١/٣٣٩)، والبزار في مسنده (٤/٢٠١)، وأبو نعيم الأصبهاني في معرفة الصحابة (٣/٥٥) . ٢ علل الدارقطني (٢/١٥٨-١٥٩) . ٣ مصنف عبد الرزاق (٨/٣٣) . ٤ سنن الدارمي (١/٣٣٥) . ٥ العلل الكبير (١/٤٩٣) . ٦ مسند البزار (٤/٢٠٤-٢٠٥) . ٧ إتحاف الخيرة المهرة (ص٢٣٣) . ٨ شرح معاني الآثار (٤/٦٨) . ٩ المعجم الكبير (١/٣٥٩) . ١٠ التمهيد (٥/١٣٤) . ١١ تعريف أهل التقديس (ص١٠١) .=
[ ٢ / ٤٥٤ ]
ومسروق هو ابن الأجدع، وقد ذكر ابن المديني الصحابة الذين لقيهم مسروق١، ولم يذكر منهم بلالًا ﵁ فيكون الإسناد منقطعًا بين مسروق وبلال - والله أعلم -.
وله علّة أُخرى وهي أن المحفوظ في هذه الطريق الإرسال، فقد قال الترمذي: سألت محمدًا - يعني البخاري - عن هذا الحديث، فقال: إنما يُروى هذا عن مسروق عن النبي ﷺ مرسلًا٢.
الطريق الثالثة: أبو دهقانة عن ابن عمر ﵁ عن بلال ﵁ به:
رواه الطبراني في الكبير٣، وأبو نعيم الأصبهاني٤ بإسنادهما عن فضيل به.
رواه هكذا عن فضيل الوليدُ بن القاسم الهمداني٥، ويزيد بن عبد العزيز بن سياه٦. بنحو اللفظ السابق.
وخالفهما ابن نمير٧، ووكيع٨، ويعلى بن عبيد٩، فرووه عن فضيل بن غزوان عن أبي دهقانة عن ابن عمر ﵁ قال: "أتى رسول الله ﷺ ضيف فقال لبلال " الحديث. فجعلوه
_________________
(١) ١ تهذيب الكمال (٢٧/٤٥٦) . ٢ العلل الكبير (١/٣٩٤) . ٣ المعجم الكبير (١/٣٤٢) . ٤ معرفة الصحابة (٣/٥٦) . ٥ المعجم الكبير (١/٣٤٢) . ٦ معرفة الصحابة (٣/٥٦) . ٧ مصنف ابن أبي شيبة (٥/٢٩٨)، مسند أحمد (٢/٢١)، أبو يعلى (إتحاف الخيرة المهرة: ص٢٤٩) . ٨ مصنف ابن أبي شيبة (٥/٢٩٨) . ٩ مسند أحمد (٢/١٤٤) .
[ ٢ / ٤٥٥ ]
من مسند ابن عمر - ﵄ -، ورواية هؤلاء أرجح لكثرتهم وضبطهم.
ويشهد لهذا الترجيح أن ابن عمر لم يكن يرى ربا الفضل حتى حدثه أبو سعيد الخدري بنحوٍ مما وقع لبلال في هذا الحديث، فرجع ابن عمر عن قوله. وقد تقدم ذكر هذا في الطريق الرابعة من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
فعلى هذا فإن المحفوظ في هذه الطريق أنه عن أبي دهقانة عن ابن عمر "أن النبي ﷺ قال لبلال " الحديث.
وأبو دهقانة قد ذكره البخاري١، وابن أبي حاتم٢، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا. وقال العجلي: ثقة٣. وذكره ابن حبان في الثقات٤. ومعلوم من منهجهما - رحمهما الله - التساهل في توثيق المجاهيل٥. إلا أن هذه القصة عن بلال صحيحة من طرقٍ أخرى من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ وقد سبق ذلك، وابن عمر - ﵄ - وإن لم يكن شهد هذه القصة فقد سمعها من أبي سعيد ﵁ كما سبق، ومرسل الصحابي حجة. والله أعلم.
فمما سبق يتبين أن هذا الحديث لا يصح عن بلال ﵁ من روايته، وأما قصة الحديث فهي ثابتة صحيحة من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ كما سبق ذكرها.
_________________
(١) ١ التاريخ الكبير (٨/كنى: ٢٩) . ٢ الجرح والتعديل (٩/٣٦٨) . ٣ معرفة الثقات (٢/٤٠٠) . ٤ الثقات (٥/٥٨٠) . ٥ انظر: التنكيل، للمعلمي (١/٦٦) .
[ ٢ / ٤٥٦ ]
١٤٣ - (٤) عن عثمان بن عفان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تبيعوا الدينار بالدينارين، ولا الدرهم بالدرهمين".
جاء هذا الحديث من طريقين:
الطريق الأولى: عبد الله بن وهب عن مخرمة بن بكير عن أبيه عن سليمان بن يسار عن مالك بن أبي عامرٍ عنه به:
أخرجه مسلم١ باللفظ المذكور، والبزار٢، والبيهقي٣، وابن عبد البر٤. كلهم من هذا الطريق. وهو المعروف.
قال البزار: لا نعلم يروى عن عثمان إلا من حديث مالك بن أبي عامرٍ به.
الطريق الثانية: عاصم بن عبد العزيز الأشجعي عن أبي سهيل بن مالك بن أبي عامرٍ عن أبيه عنه به:
أخرجه العقيلي٥، وابن عبد البر٦ بإسنادهما عن عاصم بن عبد العزيز به.
ولفظ العقيلي: "لا تبيعوا الذهب إلا مثلًا بمثل".
وعاصم بن عبد العزيز الأشجعي، تقدّم٧ أنه ضعيف.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم [كتاب المساقاة (٣/١٢٠٩)] . ٢ مسند البزار - البحر الزخار - (٢/٣٧) . ٣ السنن الكبرى (٥/٢٧٨)، معرفة السنن والآثار (٨/٣٧) . ٤ التمهيد (٢٤/٢١٠) . ٥ الضعفاء (٣/٣٣٨) . ٦ التمهيد (٢٤/٢١١) . ٧ تقدم عند حديث رقم (١٠٢) .
[ ٢ / ٤٥٧ ]
وقد انفرد هنا بالرواية عن أبي سهيل ولم يتابع عليه، ولذا قال العقيلي: ليس له من حديث أبي سهيلٍ أصل١.
فهذا الإسناد يعتبر منكرًا. والله أعلم.
١٤٤ - (٥) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم، لا فضل بينهما".
جاء هذا الحديث من خمسة طرقٍ هي:
الطريق الأولى: موسى بن أبي تميم عن سعيد بن يسار عنه به:
رواه مالك٢، ومن طريقه أخرجه مسلم٣، والنسائي٤، والشافعي٥، وأحمد٦، والطحاوي٧.
وأخرجه مسلم٨، وأحمد٩، والطحاوي١٠ بنحو هذا اللفظ من هذا الطريق عن غير مالك.
_________________
(١) ١ الضعفاء (٣/٣٣٨) . ٢ موطأ مالك [كتاب البيوع (٢/٦٣٢)] . ٣ صحيح مسلم [كتاب المساقاة (٣/١٢١٢)] . ٤ سنن النسائي [كتاب البيوع (٧/٢٧٨)] . ٥ الرسالة (ص٢٧٧)، رقم الفقرة (٧٥٩) . ٦ مسند أحمد (٢/٣٧٩،٤٨٥) . ٧ شرح معاني الآثار (٤/٦٩) . ٨ صحيح مسلم [كتاب المساقاة (٣/١٢١٢)] . ٩ مسند أحمد (٢/٤٨٥) . ١٠ شرح معاني الآثار (٤/٦٩) .
[ ٢ / ٤٥٨ ]
الطريق الثانية: فضيل بن غزوان عن عبد الرحمن بن أبي نُعم عنه به:
أخرجه مسلم١، والنسائي٢، وابن ماجه٣، وأحمد٤. ولفظ مسلم: "الذهب بالذهب وزنًا بوزن مثلًا بمثل، والفضة بالفضة وزنًا بوزن مثلًا بمثل، فمن زاد أو استزاد فهو ربًا". ونحوه لفظ النسائي.
وزاد أحمد: "ولا تباع ثمرة حتى يبدو صلاحها". ولفظ ابن ماجه: "الفضة بالفضة، والذهب بالذهب، والشعير بالشعير، والحنطة بالحنطة، مثلًا بمثل".
وهذه الزيادات صحيحة الإسناد.
الطريق الثالثة: فضيل بن غزوان عن أبي زرعة عنه به:
رواه مسلم٥، والنسائي٦، كلاهما من هذا الطريق، ولفظه عندهم: "التمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والملح بالملح، مثلًا بمثل يدًا بيدٍ، فمن زاد أو استزاد فقد أربى إلا ما اختلفت ألوانه".
_________________
(١) ١ صحيح مسلم [كتاب المساقاة (٣/١٢١٢)] . ٢ سنن النسائي [كتاب البيوع (٧/٢٧٨)] . ٣ سنن ابن ماجه [كتاب التجارات (٢/٧٥٨) . ٤ مسند أحمد (٢/٢٦١-٢٦٢، ٤٣٧) . ٥ صحيح مسلم [كتاب المساقاة (٣/١٢١٢)] . ٦ سنن النسائي [كتاب البيوع (٧/٢٧٣-٢٧٤)] .
[ ٢ / ٤٥٩ ]
الطريق الرابعة: فضيل بن غزوان عن أبي حازم الأشجعي عنه به:
رواه ابن أبي شيبة١، ولفظه: "الحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، يدًا بيدٍ، كيلًا بكيلٍ، وزنًا بوزنٍ، فمن زاد أو استزاد فقد أربى إلا ما اختلفت ألوانه".
وإسناد هذه الطريق صحيح، فأبو حازم الأشجعي، واسمه سلمان؛ ثقة٢.
الطريق الخامسة: سهيل بن أبي صالح عن أبيه عنه به:
رواه الطبراني في الأوسط٣ بإسناده عن سعيد بن منصور عن فليح بن سليمان به. ولفظه: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، لا تستفضلوا بعضها على بعض ". وقال الطبراني عقبه: "لم يرو هذا الحديث عن فليح إلا سعيد".
وقد أعلّ أبو حاتم هذه الطريق بأن المحفوظ عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي سعيد الخدري٤، وكذلك رواه أيضًا عمرو بن دينار عن أبي صالح عن أبي سعيد. قال أبو حاتم: وهذا الصحيح "عن أبي سعيد"، وقال مرّة: هذا أشبه وأصح٥.
وقد سبق ذكر هذه الطريق في الكلام على حديث أبي سعيد الخدري ﵁، ولعلّ الخطأ في هذا الإسناد من فليح بن سليمان، فإنه كثير الخطأ٦.
_________________
(١) ١ المصنف (٥/٧٠) . ٢ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٢٤٧٩) . ٣ المعجم الأوسط (٣/٢٧٩) . ٤ علل الحديث (١/٣٧٢-٣٧٣) . ٥ علل الحديث (١/٣٧٩) . ٦ تقدم الكلام فيه عند حديث رقم (٩) .
[ ٢ / ٤٦٠ ]
فعلى هذا فإن هذا الإسناد لا يصح عن أبي هريرة، والمحفوظ في هذا الإسناد أنه عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي سعيد. والله أعلم.
فمما سبق من الطرق يتبين أن هذا الحديث عن أبي هريرة صحيح، وذلك بأكثر من طريق. والضعف في بعض الطرق لا يقدح في صحته. والله أعلم.
ولأبي هريرة ﵁ في هذا الباب حديث آخر سبق ذكره في الطريق الخامسة من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
١٤٥ - (٦) عن أبي المنهال قال: سألت البراء بن عازب وزيد بن أرقم ﵃ عن الصَّرف، فكلُّ واحدٍ منهما يقول: هذا خيرٌ مني، فكلاهما يقول: "نهى النبي ﷺ عن بيع الذهب بالورق دينًا".
رواه البخاري١ وهذا لفظه، ومسلم٢، والنسائي٣، وعبد الرزاق٤، وأحمد٥، والطحاوي٦، والدارقطني٧، والبيهقي٨، كلهم من طرقٍ عن أبي المنهال به.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري - مع الفتح -[كتاب البيوع (٤/رقم ٢٠٦٠،٢١٨٠)، كتاب الشركة (٥/رقم ٢٤٩٧)، كتاب مناقب الأنصار (٧/رقم ٣٩٣٩)] . ٢ صحيح مسلم [كتاب المساقاة (٣/١٢١٢-١٢١٣)] . ٣ سنن النسائي [كتاب البيوع (٧/٢٨٠)] . ٤ المصنف (٨/١١٨) . ٥ مسند أحمد (٤/٢٨٩،٣٦٨،٣٧١،٣٧٢،٣٧٣،٣٧٤) . ٦ مشكل الآثار (١٥/٣٢٩،٣٣١،٣٣٣،٣٣٤) . ٧ سنن الدارقطني (٣/١٦-١٧) . ٨ السنن الكبرى (٥/٢٨٠-٢٨١) .
[ ٢ / ٤٦١ ]
وأبو المنهال، هو عبد الرحمن بن مطعم البُناني البصري، نزيل مكة١.
والحديث يدل على النهي عن بيع الذهب بالفضة نسيئة، وقد سبق أن الصرف هو بيع الذهب بالفضة أو العكس، ويدل على هذا رواية عبد الرزاق فإن فيها: "باع رجلٌ ذهبًا بورق"، ويدل على هذا أيضًا قوله في آخر الحديث: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الذهب بالورق دينًا "، مما يبين أن الواقعة التي سُئل عنها البراء بن عازب وزيد بن أرقم - ﵄ - هي بيع الذهب بالورق. ولذلك بوّب البخاري على الحديث بقوله: باب بيع الورق بالذهب نسيئة. وبوّب النسائي عليه بقوله: بيع الفضة بالذهب نسيئة.
ولكن روى الحميدي هذا الحديث على غير هذا المعنى. فقد روى عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي المنهال قال: "باع شريك لي بالكوفة دراهم بدراهم بينهما فضل، فقلت: ما أرى هذا يصلح، فقال: لقد بعتها في السوق فما عاب ذلك عليّ أحد، فأتيت البراء بن عازب فسألته، قال: قدم النبي ﷺ المدينة وتجارتنا هكذا، فقال: "ما كان يدًا بيد فلا بأس به، وما كان نسيئةً فلا خير فيه". وأت ابن أرقم فإنه كان أعظم تجارة مني، فأتيته فذكرت ذلك له فقال: صدق البراء "٢. قال الحميدي: هذا منسوخ ولا يؤخذ به.
والذي حمل الحميدي على الحكم على الحديث بالنسخ هو روايته الحديث بلفظ: "باع شريك بالكوفة دراهم بدراهم بينهما فضل" ثم إن
_________________
(١) ١ تهذيب التهذيب (٦/٢٧٠) . ٢ مسند الحميدي (٢/٣١٧-٣١٨) .
[ ٢ / ٤٦٢ ]
البراء بن عازب وزيد بن أرقم رويا عن النبي ﷺ إنما نهى عن ذلك ما كان نسيئة دون ما كان يدًا بيدٍ. وذلك صريح في إباحة ربا الفضل، ولذلك حكم الحميدي على الحديث بالنسخ.
وتابع الحميدي على هذه الرواية سعيد بن عبد الرحمن المخزومي١ وهو ثقة٢. إلا أن هذه المتابعة من طريق القاسم بن عبد الله بن مهدي عنه، والقاسم بن عبد الله بن مهدي قال فيه ابن عدي: لا بأس به. وقال: كان بعض شيوخ مصر يضعِّفه، وقال الدارقطني: متّهم بوضع الحديث. وذكر الذهبي له حديثًا فقال عقبه: هذا موضوع باطل٣.
فعلى هذا فإن متابعة سعيد بن عبد الرحمن المخزومي غير معتبرة لضعف الرواي عنه وهو القاسم بن عبد الله بن مهدي ضعفًا شديدًا.
قال البيهقي عن رواية الحميدي: عندي أن هذا خطأ، والصحيح ما رواه علي ابن المديني٤، ومحمد بن حاتم٥، وهو المراد بما أُطلق في رواية ابن جريج٦، فيكون الخبر واردًا في بيع الجنسين أحدهما بالآخر، فقال: ما كان منه يدًا بيد فلا بأس، وما كان منه نسيئة فلا٧.
_________________
(١) ١ أخرجها الطحاوي في شرح مشكل الآثار (١٥/٣٣٣) . ٢ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٢٣٤٨) . ٣ ميزان الاعتدال (٤/٢٩٢-٢٩٣) . ٤ أخرجها البخاري (٧/رقم ٣٩٣٩) . ٥ أخرجها مسلم [كتاب المساقاة (٣/١٢١٢-١٢١٣)] . ٦ أخرجها البخاري (٤/رقم ٢٠٦٠)، والنسائي وأحمد (٤/٣٦٨،٣٧٢)، والطحاوي (١٥/٣٣١)، والدارقطني. ٧ السنن الكبرى (٥/٢٨١) . وانظر: معرفة السنن والآثار (٨/٤٢) .
[ ٢ / ٤٦٣ ]
وتعقَّب ابن التركماني البيهقي بأن رواية علي بن المديني ومحمد بن حاتم، والتي جاء فيها "باع ورقًا بنسيئة" موافقة لرواية الحميدي عن سفيان؛ لأن قوله "بنسيئة" صفة لموصوف محذوف دل عليه قوله أولًا ورقًا، فيكون التقدير: بورق نسيئة١.
وفيما قاله ابن التركماني نظر؛ وذلك أن رواية الحميدي: "باع دراهم بدراهم بينهما فضل"، فكيف تكون موافقة لرواية: "باع ورقًا بنسيئة"، على فرض صحة المعنى الذي ذكره ابن التركماني وهو أنه باع ورقًا بورقٍ نسيئة، فرواية الحميدي فيها ربا الفضل، والرواية الأخرى ربا النسيئة.
فالصحيح هو ما قاله البيهقي وهو أن رواية الحميدي خطأ لمخالفتها لسائر الروايات التي ليس فيها أن النبي ﷺ أباح لهم بيع الورق بالورق ما كان يدًا بيدٍ، ولو كان متفاضلًا. بل بعض الروايات صريح في أن الواقعة التي كان الحديث فيها هي في بيع الذهب بالورق دينًا.
وقد نسب بعض الفقهاء القول بإباحة ربا الفضل إلى البراء بن عازب وزيد بن أرقم٢، ولعل مستندهم في ذلك رواية الحميدي. وقد تبين أن رواية الحميدي شاذة.
ولكن قد يقال: إن ابن عباس قد احتج على أبي سعيد الخدري بأنه سمع البراء ابن عازب وزيد بن أرقم يحدثان عن النبي ﷺ أنه قال: "إنما الربا في النسيئة" فهذا يدل على أن حديث البراء بن عازب وزيد بن أرقم
_________________
(١) ١ الجوهر النقي - المطبوع في حاشية السنن الكبرى - (٥/٢٨١) . ٢ انظر على سبيل المثال: المغني لابن قدامة (٤/١٣٤) .
[ ٢ / ٤٦٤ ]
فيه إباحة ربا الفضل، وهي رواية الحميدي، مما يعني ثبوت الحديث عنهما بذلك. وذلك فيما رواه أسلم بن سهل الرزَّاز المعروف ببحشل في تاريخ واسط١، والطبراني في الكبير٢ كلاهما من طريق القاسم بن عيسى الطائي ثنا هشيم عن إسماعيل بن سالم الأسدي عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي صالح " فذكر محاورة أبي سعيد لابن عباس في الصرف، ثم قول الأخير: سمعت زيد بن أرقم والبراء بن عازب يقولان: سمعنا رسول الله ﷺ يقول: "إنما الربا في النسيئة" هذا لفظ بحشل.
فالجواب: أن هذا الحديث منكر، وذلك أن الروايات المستفيضة عن ابن عباس هي أنه كان يحتج بحديث أسامة لا حديث البراء بن عازب وزيد بن أرقم، ولعلّ هذه النكارة من القاسم بن عيسى الطائي، فإنه قد قال فيه أبو داود: تغير عقله. ولم يوثقه غير ابن حبان٣.
وأيضًا فإن في الإسناد تدليس هشيم وحبيب بن أبي ثابت، وهما في الطبقة الثالثة من المدلسين عند ابن حجر٤.
فعلى هذا فإن هذا الإسناد ضعيف لا يعتبر لنكارته. والله أعلم وأحكم.
_________________
(١) ١ تاريخ واسط (ص٩٣) . ٢ المعجم الكبير (١/١٧٣) . وفي لفظه نكارة. ٣ تهذيب التهذيب (٨/٣٢٧) . ٤ تعريف أهل التقديس (ص٨٤،١١٥) .
[ ٢ / ٤٦٥ ]
١٤٦ - (٧) عن فضالة بن عبيد ﵁ قال: أُتي رسول الله ﷺ وهو بخيبر بقلادةٍ فيها خَرَزٌ وذهب، وهي من المغانم تباع، فأمر رسول الله ﷺ بالذهب الذي في القلادة فنزع وحده، ثم قال لهم رسول الله ﷺ: "الذهب بالذهب وزنًا بوزن".
رواه مسلم١، وأبو داود٢، والترمذي٣، والنسائي٤، وابن أبي شيبة٥، وأحمد٦، وابن الجارود٧، والطحاوي٨ - واللفظ لهم - والطبراني٩، والدارقطني١٠، والبيهقي١١، كلهم من هذا الطريق.
وفي لفظ لمسلم وأبي داود: "كنا مع رسول الله ﷺ يوم خيبر نبايع اليهود الوقية الذهب الدينارين والثلاثة، فقال رسول الله ﷺ: "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا وزنًا بوزن".
وفي لفظ لمسلم: عن فضالة ﵁ قال: اشتريت يوم خيبر قلادة باثني عشر دينارًا، فيها ذهب وخرز، ففصلتها، فوجدت فيها أكثر من اثني عشر دينارًا، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: "لا تباع حتى تفصل".
_________________
(١) ١ صحيح مسلم [كتاب المساقاة (٣/١٢١٣-١٢١٤)] . ٢ سنن أبي داود [كتاب البيوع (٣/٦٤٧،٦٤٩،٦٥٠)] . ٣ جامع الترمذي [كتاب البيوع (٣/٥٥٦)] . ٤ سنن النسائي [كتاب البيوع (٧/٢٧٩)] . ٥ مصنف ابن أبي شيبة (٨/٤٢١) . ٦ مسند أحمد (٦/١٩،٢٢) . ٧ المنتقى - المطبوع مع تخريجه غوث المكدود - (٢/٢٢٩) . ٨ شرح معاني الآثار (٤/٦٩-٧١،٧٢،٧٣-٧٤) . ٩ المعجم الكبير (١٨/٣٠٢،٣١٤-٣١٥) . ١٠ سنن الدارقطني (٣/٣) . ١١ السنن الكبرى (٥/٥٩٢-٥٩٣)، معرفة السنن والآثار (٨/٥٦-٥٧،٥٨) .
[ ٢ / ٤٦٦ ]
قال النووي عن هذا اللفظ: "يحتمل أن مراده كانوا يبتاعون الأوقية من ذهبٍ وخرزٍ وغيره بدينارين أو ثلاثة، وإلا فالأوقية وزن أربعين درهمًا، ومعلوم أن أحدًا لا يبتاع هذا القدر من ذهبٍ خالص بدينارين أو ثلاثة، وهذا سبب مبايعة الصحابة على هذا الوجه ظنوا جوازه لاختلاط الذهب بغيره، فبيّن النبي ﷺ أنه حرام حتى يميز ويباع الذهب بوزنه ذهبًا"١. انتهى.
ويشهد لقول النووي الروايات الأخرى للحديث. والله أعلم.
ويشهد له أيضًا ما أخرجه أبو عوانة٢، وابن بشكوال٣ بإسنادهما عن مخرمة بن بكير عن أبيه سمعت الجلاح سمعت حنشًا السبّائي يقول: أردت أن أبيع من فضالة بن عبيد قلادةً من السُّهمان فيها فصوص ولؤلؤ، وفيها ذهب، وهي ثمن ألف دينار، فقال: إن شئت سمتك، وإن شئت حدثتك عن رسول الله ﷺ قال: لما كان يوم حنين جعل على الغنائم سعد بن أبي وقاص وسعد بن عبادة، فأرادوا أن يبيعوا الدينارين بالثلاثة، والثلاثة بخمسة، فقال رسول الله ﷺ: "مثقال بمثقال". هذا لفظ ابن بشكوال.
وذكر يوم حنين في الحديث غير محفوظ، وإنما هو يوم خيبر كما في لفظ أبي عوانة والطرق الأخرى، كطريق مسلم التي سبق الإشارة إليه، وقد رواها بإسناده عن الجلاح عن حنشٍ به.
_________________
(١) ١ شرح صحيح مسلم (١١/١٩) . ٢ مسند أبي عوانة (٢/٣٢٧) . ٣ غوامض الأسماء المبهمة (١/٢٤٢-٢٤٣) . وانظر: المعجم الكبير (١٨/٣٠٢-٣٠٣) .
[ ٢ / ٤٦٧ ]
وقد روى نحو هذا المتن الإمام مالك عن يحيى بن سعيد الأنصاري أنه قال: أمر رسول الله ﷺ السَّعدين أن يبيعا آنيةً من ذهب أو فضة فباعا كل ثلاثةٍ بأربعةٍ عينًا، أو كل أربعة بثلاثةٍ عينًا، فقال رسول الله ﷺ: "أربيتما فرُدَّا "١.
والسَّعدان هما سعد بن أبي وقاص، وسعد بن عبادة، كما سبق في رواية ابن بشكوال. وقيل: سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، ولكن قال ابن عبد البر: "هذا غلط لا يجوز أن يكون سعد بن معاذ أحد السَّعدين المذكورين في هذا الباب، لأن سعد بن معاذ توفي بعد الخندق بيسيرٍ من سهم أصابه يوم الخندق ولم يدرك خيبر، والقول الأول أولى وأصح"٢. يعني أنهما سعد بن أبي وقاص وسعد بن عبادة - ﵄ - وقد رجّح ابن بشكوال٣ ما رجحه ابن عبد البر. والله أعلم.
وقد اختلفت الروايات في حديث فضالة بن عبيد ﵁ في تعيين جنس المبيع الذي نهى عنه النبي ﷺ، وكذلك في ثمنه.
وقد أجاب البيهقي عن هذا الاختلاف بقوله: "سياق هذه الأحاديث مع عدالة رواتها تدل على أنها كانت بيوعًا شهدها فضالة ﵁ كلها والنبي ﷺ ينهى عنها، فأداها كلها، وحنش الصنعاني أداها متفرقًا، والله أعلم"٤.
_________________
(١) ١ الموطأ (٢/٤٩١) . ٢ التمهيد (٢٤/١٠٦) . ٣ غوامض الأسماء المبهمة (١/٢٤١) . ٤ السنن الكبرى (٥/٢٩٣) .
[ ٢ / ٤٦٨ ]
واعترض الحافظ ابن حجر على هذا الجواب فقال: "الجواب المسدد عندي أن هذا الاختلاف لا يوجب ضعفًا، بل المقصود من الاستدلال محفوظ لا اختلاف فيه، وهو النهي عن بيع ما لم يفصل، وأما جنسها وقدر ثمنها فلا يتعلق به في هذه الحالة ما يوجب الحكم بالاضطراب، وحينئذٍ فينبغي الترجيح بين رواتها، وإن كان الجميع ثقات فيحكم بصحة رواية أحفظهم وأضبطهم، ويكون رواية الباقين بالنسبة إليه شاذة، وهذا الجواب هو الذي يجاب به في حديث جابر وقصة جمله ومقدار ثمنه"١.
وحديث فضالة بن عبيد ﵁ رواه عنه حنش الصنعاني وعلي بن رباح٢، وقد اختلف على حنش الصنعاني: فرواه عنه خالد بن أبي عمران٣، والجلاح أبو كثير٤، وعامر بن يحيى٥، كلهم رووه عن حنش عن فضالة به.
وخالفهم ربيعة بن سليم، ويقال: ابن أبي سليم أو ابن سليمان التُّجيبي أبو مرزوق، فرواه عن حنش الصنعاني عن رويفع بن ثابت ﵁
_________________
(١) ١ التلخيص الحبير (٣/٩) . ٢ انظر: المصادر التي سبقت الإشارة إليها عند تخريج الحديث. ٣ قال عنه ابن حجر: صدوق. تقريب التهذيب: رقم الترجمة (١٦٦٢) . وهذه الرواية رواها عنه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والطحاوي، والطبراني، والدارقطني، والبيهقي. ٤ قال عنه ابن حجر: صدوق. تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٩٩٠) . وهذه الرواية رواها عنه مسلم، وأبو داود، وأحمد، والبيهقي. ٥ قال عنه ابن حجر: ثقة. تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٣١١٢) . وهذه الرواية رواها عنه مسلم، والطحاوي، والطبراني، والبيهقي.
[ ٢ / ٤٦٩ ]
أن رسول الله ﷺ قال في غزوة خيبر: "بلغني أنكم تتبايعون المثقال بالنصف والثلثين، وأنه لا يصلح إلا المثقال بالمثقال، والوزن بالوزن". رواه الطحاوي١ واللفظ له، والطبراني في الكبير٢.
ورواه أحمد بإسناده عن عبيد الله بن أبي جعفر المصري قال: حدثني من سمع حنشًا الصنعاني يقول: سمعت رويفع بن ثابت الأنصاري ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يبتاعنَّ ذهبًا بذهبٍ إلا وزنًا بوزن، ولا ينكح ثيبًا من السبي حتى تحيض" ٣. والرجل المبهم هنا هو أبو مرزوق التجيبي كما جزم بذلك الحسيني٤، وابن حجر٥. ويؤيد ذلك أن أحمد روى بإسناده عن أبي مرزوق مولى تجيب عن حنش الصنعاني عن رويفع بن ثابت "٦ الحديث. وفيه النهي عن نكاح الثيب من السبي حتى تحيض، وليس فيه ذكر النهي عن بيع الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل.
وأبو مرزوق هو ربيعة بن سليم، وقد تقدم الكلام فيه٧، وأن ابن حجر قال فيه: "مقبول".
_________________
(١) ١ شرح معاني الآثار (٤/٦٩) . ٢ المعجم الكبير (٥/٢٥) . ٣ مسند أحمد (٤/١٠٩) . وقد روى الطبراني [المعجم الكبير (١٨/٣٠٢-٣٠٣)]، والبيهقي [السنن الكبرى (٥/٣٩٢-٣٩٣)] الحديث عن حنش الصنعاني عن فضالة بن عبيد ﵁ ولفظه: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يأخذ إلا مثلًا بمثل". وهذا يؤيد أن هذا المتن إنما هو محفوظ عن فضالة بن عبيد كما سيأتي. ٤ الإكمال (٢/٤١٠) . ٥ تعجيل المنفعة (ص٥٤٣-٥٤٤) . ٦ المسند (٤/١٠٨) . ٧ تقدم عند حديث رقم (٨٨) .
[ ٢ / ٤٧٠ ]
وقد سبق أنه قد خالفه غيره في هذا الحديث وهم أكثر منه وأوثق. فرواية ربيعة ابن سليم عن حنش الصنعاني عن رويفع بن ثابت شاذة، والمحفوظ عن حنش الصنعاني في حديث النهي عن بيع الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل، أنه عن فضالة بن عبيد ﵁، وقد تابع حنش الصنعاني في رواية الجماعة عنه علي بن رباح اللخمي كما تقدم.
ومما يؤيد أن الحديث الذي رواه أبو مرزوق التجيبي عن حنش الصنعاني عن رويفع بن ثابت في النهي عن الصرف مقلوب، وأن المحفوظ فيه أنه عن فضالة بن عبيد ما جاء في الحديث من أن النهي كان يوم خيبر، وحديث حنش الصنعاني في النهي عن الصرف يوم خيبر إنما هو عن فضالة بن عبيد، وأما حديثه عن رويفع بن ثابت فإنما كان في غزوة حنين كما تقدم١.
فإذا تقرر بما سبق أن الحديث إنما هو محفوظ عن فضالة بين عبيد ﵁ فإنه قد أَعلَّ الطحاوي الحديث بالاضطراب وجعله مانعًا من الاحتجاج به فقال: "قد اضطرب هذا الحديث، فلم يوقف على ما أُريد منه، فليس لأحدٍ أن يحتجَّ بمعنى من المعاني التي روي عليها إلا احتج مخالفه عليه بالمعنى الآخر"٢.
وهذا التعليل بناءً على اختلاف ألفاظ الحديث باختلاف مخارجه.
وهذا التعليل من الطحاوي ضعيف، وقد تكلّف - ﵀ - ردَّ الاحتجاج بهذا الحديث بتأويلاتٍ بعيدة، كقوله: "يجوز أن يكون رسول الله
_________________
(١) ١ حديث رقم (٩٢) . ٢ شرح معاني الآثار (٤/٧٥) . وانظر: شرح مشكل الآثار (١٥/٣٨٢) .
[ ٢ / ٤٧١ ]
ﷺ فصّل الذهب لأن صلاح المسلمين كان في ذلك، ففعل ما فيه صلاحهم، لا لأن بيع الذهب قبل أن ينزع مع غيره في صفقة واحدةٍ غير جائز"١.
وأمّا اختلاف ألفاظ الحديث فليس دليلًا على الاضطراب فيه؛ لأن هذه الألفاظ لا معارضة بينها، بل هي تدل على معنى واحد متفق بينها. وقد سبق كلام الحافظ ابن حجر في رد الاضطراب عن هذا الحديث.
والذي يظهر أن الذي نحى بالطحاوي هذا المنحى هو التبرير لمذهب أبي حنيفة لكونه خالف معنى ما يدل عليه الحديث. وقد ذكر ابن أبي شيبة هذا الحديث في كتاب (الرد على أبي حنيفة) ٢.
فالحديث صحيح لا إشكال فيه. وهو يدل على النهي عن بيع الذهب بالذهب مع أحدهما شيءٌ غير الذهب٣. والله أعلم.
١٤٧ - (٨) عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثلٍ، سواء بسواء، يدًا بيدٍ، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيدٍ".
جاء هذا الحديث من طرق:
_________________
(١) ١ شرح معاني الآثار (٤/٧٤) . ٢ مصنف ابن أبي شيبة (٨/٤٢١) . ٣ معالم السنن (٣/٦٤٧) . وسيأتي مزيد تفصيل لهذه المسألة في الدراسة الفقهية - إن شاء الله -.
[ ٢ / ٤٧٢ ]
الطريق الأولى: خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي الأشعث الصنعاني عنه به:
رواه مسلم١ واللفظ له، وأبو داود٢ - وساق إسناده ولم يسق تمام لفظه -، والترمذي٣، وابن أبي شيبة٤، وأحمد٥، والدارمي٦، والبزار٧، والنسائي في الكبرى٨، والبيهقي٩. كلهم من هذا الطريق. وقال الترمذي حسن صحيح.
وزاد الترمذي: "فمن زاد أو ازداد فقد أربى، بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم، يدًا بيد، وبيعوا البر بالتمر كيف شئتم يدًا بيد، وبيعوا الشعير بالتمر كيف شئتم يدًا بيد".
وذكر الترمذي أن بعضهم روى قوله: "بيعوا الذهب بالفضة " الحديث؛ من قول أبي قلابة وليس من قول النبي ﷺ.
وأبو الأشعث الصنعاني اسمه شراحيل بن آده - وقيل: غير ذلك - ثقة شهد فتح دمشق١٠.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم [كتاب المساقاة (٣/١٢١١)] . ٢ سنن أبي داود [كتاب البيوع (٣/٦٤٧)] . ٣ جامع الترمذي [كتاب البيوع (٤/٥٤١)] . ٤ مصنف ابن أبي شيبة (٦/٢٩٨) . ٥ مسند أحمد (٥/٣١٤،٣٢٠) . ٦ سنن الدارمي (٢/٣٣٦) . ٧ مسند البزار (٧/١٦٥) . ٨ السنن الكبرى (٤/٢٨) . ٩ السنن الكبرى (٥/٢٧٧-٢٧٨،٢٨٢) . ١٠ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٢٧٦١) .
[ ٢ / ٤٧٣ ]
ورواه معتمر بن سليمان عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي أسماء الرحبي عن عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم١. قال ابن عبد البر: قول المعتمر عن خالد عن أبي قلابة عن أبي أسماء خطأ، وقد خالفه الثوري وغيره عن خالد٢.
الطريق الثانية: أيوب عن أبي قلابة عن أبي الأشعث عنه به:
رواه مسلم٣، وابن أبي شيبة٤، والبيهقي٥، وابن عبد البر٦، كلهم من هذا الطريق. ولفظ مسلم: عن أيوب عن أبي قلابة قال: كنت بالشام في حلقةٍ فيها مسلم بن يسار فجاء أبو الأشعث، قال: قالوا: أبو الأشعث، أبو الأشعث، فجلس، فقلت له: حدِّث أخانا حديث عبادة بن الصامت. قال: نعم: غزونا غزاةً وعلى الناس معاوية فغنمنا غنائم كثيرة، فكان فيما غنمنا آنيةٌ من فضة، فأمر معاوية رجلًا أن يبيعها في أُعطيات الناس، فتسارع الناس في ذلك. فبلغ عبادة بن الصامت، فقام فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة، والبرّ بالبرّ، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح،
_________________
(١) ١ التمهيد (٤/٧٧) . ٢ المصدر السابق. ٣ صحيح مسلم [كتاب المساقاة (٣/١٢١٠)] . ٤ مصنف ابن أبي شيبة (٥/٢٩٧) . ٥ السنن الكبرى (٥/٢٧٧) . ٦ التمهيد (٤/٧٨-٧٩) .
[ ٢ / ٤٧٤ ]
إلا سواءً بسواءٍ عينًا بعين، فمن زاد أو ازداد فقد أربى. فردَّ الناس ما أخذوا. فبلغ ذلك معاوية فقام خطيبًا، فقال: ألا ما بال رجالٍ يتحدثون عن رسول الله ﷺ أحاديث قد كنا نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه. فقام عبادة بن الصامت فأعاد القصة ثم قال: لنحدِّثن بما سمعنا من رسول الله ﷺ وإن كره معاوية - أو قال: وإن رغم - ما أُبالي ألاّ أصحبه في جنده ليلةً سوداء.
وحمل شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم - رحمهما الله - إنكار عبادة على معاوية - ﵄ - على مقابلة الصياغة المحرمة - وهي الآنية من الذهب - بالأثمان، وهذا لا يجوز؛ كآلات الملاهي١ انتهى.
وبالنظر إلى قصة الحديث التي سبق ذكرها لا يظهر ما قالاه، ومعاوية قد روى النهي عن استعمال آنية الذهب والفضة٢، والذي أنكره عليه عبادة هو ربا الفضل.
الطريق الثالثة: قتادة عن مسلم بن يسار عن أبي الأشعث الصنعاني عن عبادة ﵁ موقوفًا ومرفوعًا:
رواه النسائي٣، وابن جرير٤، والبيهقي٥، وابن عبد البر٦، كلهم من طرقٍ عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة به موقوفًا.
_________________
(١) ١ تفسير آيات أشكلت (٢/٦٢٢)، وأعلام الموقعين (٢/١٤٣) . ٢ رواه أحمد (٤/٩٥) . ٣ سنن النسائي [كتاب البيوع (٧/٢٧٦)] . ٤ تهذيب الآثار (٢/٨٣-٨٤) . ٥ السنن الكبرى (٥/٢٧٦-٢٧٧) . ٦ التمهيد (٤/٨٢) .
[ ٢ / ٤٧٥ ]
ولفظ النسائي: عن أبي الأشعث الصنعاني عن عبادة بن الصامت، وكان بدريًا وكان بايع النبي ﷺ أن لا يخاف في الله لومة لائم؛ أن عبادة قام خطيبًا فقال: "أيها الناس، إنكم أحدثتم بيوعًا لا أدري ما هي، ألا إن الذهب بالذهب وزنًا بوزن، تبرها وعينها، وإن الفضة بالفضة وزنًا بوزن تبرها وعينها، ولا بأس ببيع الفضة بالذهب يدًا بيد، والفضة أكثرهما، ولا تصلح النسيئة، ألا إن البُرَّ بالبر، والشعير بالشعير مُدْيًا بمديٍ، ولا بأس ببيع الشعير بالحنطة يدًا بيد، والشعير أكثرهما، ولا يصلح النسيئة، ألا وإن التمر بالتمر مديًا بمديٍ، حتى ذكر الملح مدًّا بمدٍ، فمن زاد أو استزاد فقد أربى".
والتِّبْر: هو الذهب والفضة قبل أن يضربا دنانير ودراهم١.
وقوله "مديًا بمديٍ" أي: مكيال بمكيال. والمدي مكيال لأهل الشام٢.
هكذا روى الحديث سعيد بن أبي عروبة عن قتادة موقوفًا على عبادة، وذكر أبو داود أن هشامًا الدستوائي تابع سعيدًا على هذا٣. وقتادة لم يسمع من مسلم بن يسار٤. ولكن ذكر أحمد أنه كان يقال إن بينهما أبا الخليل٥، وهو ثقة٦.
_________________
(١) ١ النهاية في غريب الحديث (١/١٧٩) . ٢ المرجع السابق (٤/٣١٠) . ٣ سنن أبي داود [كتاب البيوع (٣/٦٤٦)] . ٤ المراسيل لابن أبي حاتم (ص١٤٠-١٤١) . ٥ المرجع السابق (ص١٤٠) . ٦ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٢٨٨٧) . وانظر: تهذيب التهذيب (٤/٤٠٢-٤٠٣) .
[ ٢ / ٤٧٦ ]
ويدل على قوله رواية همام كما سيأتي.
وأما همام بن يحيى العوذي فاختلف الرواة عنه. فرواه عنه عبد الصمد بن عبد الوارث مثل رواية هشام وسعيد بن أبي عروبة١، ورواه بشر بن عمر٢، وعمرو ابن عاصم٣، وهشام بن علي بن رجاء٤، وعفان بن مسلم٥، كلهم عن همام عن قتادة عن أبي الخليل عن مسلم بن يسار عن أبي الأشعث الصنعاني عن عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ الحديث.
ورواه هدبة بن خالد عن همام عن قتادة عن أبي قلابة عن أبي أسماء الرحبي عن أبي الأشعث عن عبادة٦.
والمحفوظ عن همام رواية بشر بن عمرو ومن معه لكثرتهم.
فإذا تقرر أن المحفوظ في رواية همام هو عن قتادة عن أبي الخليل عن مسلم بن يسار عن أبي الأشعث عن عبادة مرفوعًا فقد سبق أنه خالفه هشامٌ وسعيدٌ في الرواية عن قتادة، وذلك أنهما روياه موقوفًا على عبادة، ورفعه همام.
وقد رجّح البيهقي٧ رواية همام، ورجّح ابن عبد البر٨ رواية سعيد وهشام.
_________________
(١) ١ مسند البزار (٧/١٦٥) . ٢ رواه عنه: أبو داود [كتاب البيوع (٣/٦٤٣)]، البيهقي (٥/٢٩١) . ٣ رواه عنه: النسائي [كتاب البيوع (٧/٢٧٧)] . ٤ رواه عنه البيهقي في سننه (٥/٢٧٧) . ٥ رواه عنه: الطحاوي في شرح معاني الآثار (٤/٦٦)، والشاشي (٣/١٦٤-١٦٧)، والبيهقي (٥/٢٨٢-٢٨٣،٢٩١) . ٦ سنن الدارقطني (٣/١٨) . ٧ السنن الكبرى (٥/٢٧٧) . ٨ التمهيد (٤/٨٣) .
[ ٢ / ٤٧٧ ]
وعند الرجوع إلى كلام الأئمة في الرواة عن قتادة نجدهم يقدمون سعيدًا وهشامًا على همام إذا انفردا١، فكيف إذا اجتمعا على مخالفة همام.
وهذا الطريق وإن كان المحفوظ فيه الوقف، فإنه قد ثبت في الطرق الأخرى أنّ عبادة كان يحدّث به عن النبي ﷺ. والله أعلم.
الطريق الرابعة: محمد بن سيرين عن مسلم بن يسار وعبد الله بن عبيد٢ عن عبادة بن الصامت مرفوعًا:
رواه النسائي٣، وابن ماجه٤، والحميدي٥، وأحمد٦، والبزار٧، والشاشي٨، والبيهقي٩. كلهم من هذا الطريق. وليس في رواية الحميدي والبزار ذكر "عبد الله بن عبيد". ولفظ النسائي: عن عبادة: "نهانا رسول ﷺ عن بيع الذهب بالذهب والورق بالورق، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر - قال أحدهما: والملح بالملح ولم يقله الآخر - إلا مثلًا بمثل
_________________
(١) ١ انظر: شرح علل الترمذي (٢/٦٩٤-٦٩٩) . ٢ وقع عند النسائي (٧/٢٧٤): عبد الله بن عتيك. وهو وَهْم كما قال المزي في تحفة الأشراف (٤/٢٥٨) . ٣ سنن النسائي [كتاب البيوع (٧/٢٧٤-٢٧٥)] . ٤ سنن ابن ماجه [كتاب التجارات (٢/٧٥٧-٧٥٨)] . ٥ مسند الحميدي (١/١٩٢-١٩٣) . ٦ مسند أحمد (٥/٣٢٠) . ٧ مسند البزار - البحر الزخار - (٧/١٦٦) . ٨ مسند الشاشي (٣/١٦٥-١٦٦-١٦٧) . ٩ السنن الكبرى (٥/٢٧٦)
[ ٢ / ٤٧٨ ]
يدًا بيدٍ، وأمرنا أن نبيع الذهب بالورق، والورق بالذهب، والبر بالشعير، والشعير بالبر يدًا بيدٍ كيف شئنا. قال أحدهما: فمن زاد أو ازداد فقد أربى".
وأُعلّ هذا الطريق بأن مسلم بن يسار لم يسمعه من عبادة بن الصامت. فقد قال أبو حاتم في مسلم بن يسار: روى عن عبادة بن الصامت مرسلًا١.
وقال البيهقي: هذا الحديث لم يسمعه مسلم بن يسار من عبادة بن الصامت، إنما سمعه من أبي الأشعث عن عبادة٢.
وقد سبق في الطريق السابقة ذكر رواية مسلم بن يسار عن أبي الأشعث.
ويفهم من كلام النسائي أن المخالفة واقعة من محمد بن سيرين؛ فإنه ذكر طريق محمد بن سيرين عن مسلم بن يسار عن عبادة، قال عقبه: خالفه قتادة رواه عن مسلم بن يسار عن أبي الأشعث عن عبادة.
ولكن قد تابع محمد بن سيرين على روايته بكر بن عبد الله المزني٣، وهو ثقة ثبت٤، مما يرجح أن الاختلاف واقعٌ من مسلم بن يسار وليس في الرواة عنه، فإنه تارة يرويه عن أبي الأشعث الصنعاني عن عبادة بن الصامت، وتارة يسقط أبا الأشعث، فيرويه عن عبادة بن الصامت.
_________________
(١) ١ الجرح والتعديل (٨/١٩٨) . ٢ السنن الكبرى (٥/٢٧٦) . ٣ رواه عنه الشاشي في مسنده (٣/١٦٩)، وابن عبد البر في التمهيد (٤/٨١) . ٤ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٧٤٣)
[ ٢ / ٤٧٩ ]
الطريق الخامسة: إسماعيل بن أبي خالد عن حكيم بن جابر عنه به:
رواه النسائي١، وابن أبي شيبة٢، وأحمد٣، والطحاوي٤، والشاشي٥، والبيهقي٦، وابن عبد البر٧. كلهم من هذا الطريق.
ولفظ النسائي: عن عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الذهب الكفة بالكفة". فقال معاوية: إنّ هذا لا يقول شيئًا. قال عبادة: إني والله ما أُبالي ألا أكون بأرضٍ يكون بها معاوية. إني أشهد أني سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك". وزاد ابن عبد البر ذكر الأصناف الستة الباقية في هذا الحديث، وهي الفضة والبر والشعير والتمر والملح.
وقد أُعلَّ الحديث بالانقطاع بين حكيم بن جابر وعبادة بن الصامت ﵁. فقد قال البخاري في ترجمة حكيم: "وقال حكيم: أخبرت عن عبادة - في الصرف -"٨.
قال الحافظ ابن حجر تعليقًا على قول البخاري هذا: "يعلل بذلك الحديث الذي أخرجه النسائي له عن عبادة بالعنعنة"٩، يعني به هذا الحديث.
_________________
(١) ١ سنن النسائي (٧/٢٧٧) . ٢ مصنف ابن أبي شيبة (٥/٢٩٨) . ٣ مسند أحمد (٥/٣١٩) . ٤ شرح معاني الآثار (٤/٦٧) . ٥ مسند الشاشي (٣/١٧٠-١٧١) . ٦ السنن الكبرى (٥/٢٧٨) . ٧ التمهيد (٤/٧٩) . ٨ التاريخ الكبير (٣/١٢) . ٩ تهذيب التهذيب (٢/٤٤٥)
[ ٢ / ٤٨٠ ]
وممن أعلّ الحديث أيضًا بالانقطاع الذهبي، فقال: "له علة، جاء عن حكيم قال: أُخبرت عن عبادة"١.
ولعلّ الذهبي قد تابع في ذلك البخاري - ﵀ -.
ويفهم من كلام المزي أنه لا يرى الانقطاع، وذلك أنه بعد أن ذكر قول البخاري عقبه بأنّ حكيمًا قد سمع من عمر بن الخطاب رضي الله عنه٢ أي أن سماعه ممكن؛ لأن عبادة قد توفي بعد عمر بن الخطاب ﵁.
الطريق السادسة: قبيصة بن ذؤيب عنه به:
رواه ابن ماجه٣ - وفيه قصة -، والبزار٤، والطبراني في مسند الشاميين٥، وتمام الرازي٦، وابن عساكر٧، وابن عبد البر٨. كلهم من طرقٍ عن يحيى بن حمزة عن برد بن سنان عن إسحاق بن قبيصة عنه به. وليس في إسناد البزار ذكر برد بن سنان.
ويحيى بن حمزة هو ابن واقد الحضرمي، ثقة٩.
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء (٦/١٧٨) . ٢ تحفة الأشراف (٤/٢٤٨) . ٣ سنن ابن ماجه [المقدمة (١/٨-٩)] . ٤ مسند البزار (٧/١٦٧) . ٥ مسند الشاميين (١/٢١٨) . ٦ الفوائد (٢/٢٩٦) . ٧ تاريخ دمشق (٨/٨٦٤) . ٨ التمهيد (٤/٨٥-٨٦) . ٩ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٧٥٣٦)
[ ٢ / ٤٨١ ]
وبرد بن سنان هو أبو العلاء الشامي الدمشقي، وثقه ابن معين، ودحيم، والنسائي، وغيرهم. وقال أحمد: صالح الحديث. وضعفه علي بن المديني١.
وجعله ابن حجر في مرتبة: صدوق٢.
وإسحاق بن قبيصة بن ذؤيب الخزاعي الشامي. ذكره ابن حبان في الثقات٣. وقال ابن حجر: صدوق٤. ولم يذكر الحافظ ابن حجر من وثقه سوى ما ذكره عن ابن حبان. ومعلوم أن توثيق ابن حبان لا يكفي في رفع الجهالة عن الراوي، فيبقى إسحاق بن قبيصة مجهولًا، إلا أنها جهالة حال؛ لأنه روى عنه أكثر من واحد، ويكون على اصطلاح الحافظ في التقريب: "مقبولًا" فيحتاج إلى متابع.
وأما قبيصة بن ذؤيب فهو ممّن ولد في عهد النبي ﷺ فقد ولد عام الفتح. وروى عن جمع من الصحابة منهم عثمان بن عفان ﵁. ونزل الشام حيث كان عبادة بن الصامت رضي الله عنه٥، وقد توفي عبادة بن الصامت ﵁ سنة أربعٍ وثلاثين من الهجرة٦. فيكون عُمْرُ قبيصة حين وفاة عبادة أكثر من خمسٍ وعشرين
_________________
(١) ١ تهذيب التهذيب (١/٤٢٨-٤٢٩) . ٢ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٦٥٣) . ٣ الثقات (٦/٤٦) . ٤ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٣٧٩) . ٥ تهذيب التهذيب (٨/٣٤٦)، والإصابة في تمييز الصحابة (٣/٢٦٦) . ٦ تاريخ مواليد العلماء ووفياتهم (١/١٢٣) .
[ ٢ / ٤٨٢ ]
سنة، وهو ظاهر في إمكان سماعه منه. ولم أقف على من نفى سماع قبيصة من عبادة بن الصامت ﵁ من الأئمة المتقدمين، إلا أن المزي قال في قبيصة: "لم يلق عبادة بن الصامت"١. ولم يذكر دليلًا على ذلك، فيبقى أن الإسناد متصل وليس فيه انقطاع.
وأما قول البوصيري: "صورته مرسل؛ لأن قبيصة لم يدرك القصة"٢. فالجواب أن يقال: إن قبيصة وإن لم يدرك القصة فقد أدرك عبادة وهو صاحب القصة، فيكون أخذها منه.
ومما سبق يتبين أن هذا الإسناد متصل إلا أن فيه إسحاق بن قبيصة لم يوثقه غير ابن حبان. ومع ذلك فإن هذا الطريق يصلح للمتابعات، وقد توبع كما في الطرق الأخرى للحديث. والله أعلم.
وقد روي حديث قبيصة بن ذؤيب عن عبادة من طريقٍ آخر. فقد رواه الشاشي٣ بإسناده عن بقية بن الوليد عن عمر بن المغيرة عن ابن أبي عروبة عن قتادة عن جابر بن زيد أبي الشعثاء عنه به. ولفظه: أن النبي ﷺ قال: "لا بأس بالقمح بالشعير اثنين بواحد يدًا بيدٍ". ولكن في إسناده عمر بن المغيرة، وقد قال فيه البخاري: "منكر الحديث مجهول". وأيضًا فيه تدليس بقية بن الوليد.
_________________
(١) ١ تحفة الأشراف (٤/٢٥٦) . ٢ مصباح الزجاجة (ص٦) . ٣ مسند الشاشي (٣/١٧١-١٧٢) .
[ ٢ / ٤٨٣ ]
وقد سئل أبو حاتم عن هذا الحديث بهذا الإسناد فقال: "هذا حديث منكر، وإنما هو قتادة عن أبي قلابة عن أبي الأشعث عن عبادة عن النبي ﷺ"١.
وقد سبق ذكر حديث أبي الأشعث عن عبادة ﵁.
الطريق السابعة: الحسن البصري عنه به:
رواه أحمد بن منيع٢، والطبراني٣. كلاهما عن أسباط بن محمد عن الشيباني عن رجلٍ من أهل البصرة عنه به، ولفظ ابن منيع: عن عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله ﷺ في مجلس من مجالس الأنصار ليلة الخميس في رمضان، ولم يصم رمضانًا بعده يقول: "الفضة بالفضة مثلًا بمثل يدًا بيدٍ، وما زاد فهو ربا، والشعير قفيزًا بقفيزٍ يدًا بيدٍ، وما زاد فهو ربًا، والتمر قفيزًا بقفيزٍ يدًا بيدٍ، وما زاد فهو ربا".
والشيباني هو سليمان بن أبي سليمان الشيباني الكوفي، وهو ثقة٤.
وفي الإسناد رجلٌ لم يسمَّ.
وأيضًا فإن في الإسناد انقطاعًا وهو أن الحسن لم يسمع من عبادة بن الصامت ﵁. قاله البزار٥.
فعلى هذا فإن هذا الإسناد ضعيف.
_________________
(١) ١ علل الحديث، لابن أبي حاتم (٣٨٤-٣٨٥) . ٢ إتحاف الخيرة المهرة (ص٢٤١) . ٣ جامع المسانيد والسنن لابن كثير (٧/١٠٧) . ٤ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٢٥٦٨) . ٥ تهذيب التهذيب (٢/٢٦٩) .
[ ٢ / ٤٨٤ ]
الطريق الثامنة: محمد بن سيرين عن عبادة١ وأنس بن مالك:
رواه أبو داود الطيالسي٢، والبزار٣. كلاهما عن الربيع بين صَبيح عن محمد بن سيرين به. ولفظ أبي داود الطيالسي: أن رسول الله ﷺ قال: "الورق بالورق، والذهب بالذهب، والتمر بالتمر، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والملح بالملح، عينًا بعين، أو قال: وزنًا بوزن"، قال: وقال أحدهما ولم يقله الآخر: "ولا بأس بالدينار بالورق اثنين بواحد يدًا بيدٍ، ولا بأس بالبر بالشعير اثنين بواحدٍ يدًا بيدٍ، ولا بأس بالملح بالشعير اثنين بواحدٍ يدًا بيدٍ".
قال الطيالسي: "هكذا رواه الربيع". يشير إلى مخالفة الربيع لغيره في هذا الإسناد. ثم ساق بإسناده ما يبين أن محمد بن سيرين لم يسمعه من عبادة وإنما رواه عنه بواسطة كما سيأتي.
وقال البزار: لا نعلم رواه عن أنس إلا الربيع، وإنما يعرف عن محمد عن مسلم بن يسار عن عبادة.
وقال البوصيري: "إسناده حسن، الربيع بن صبيح مختلف فيه، وباقي رجال الإسناد ثقات"٤.
والمحفوظ في هذا الحديث أنه عن الربيع بن صبيح عن محمد بن سيرين عن عبادة وأنس به. ولكن رواه أبو بكر بن عياش عن
_________________
(١) ١ وقع عند الطيالسي: "عبد الله" وهو خطأ. ٢ مسند الطيالسي (ص٧٩،٢٨٥) . ٣ كشف الأستار (٢/١٠٩) . ٤ إتحاف الخيرة المهرة (ص١٩٩)
[ ٢ / ٤٨٥ ]
الربيع بن صبيح عن الحسن عن عبادة وأنس به١. وهو شاذ والمحفوظ الأول.
والربيع بن صبيح مختلفٌ فيه. ضعفه ابن سعد، ويعقوب بن شيبة، وابن المديني، وابن معين في رواية، والنسائي وغيرهم. وقال شعبة: لا يعجبني الاحتجاج به إذا انفرد. وقال أحمد: لا بأس به، رجل صالح. وقال ابن معين في رواية: ليس به بأس٢. وقال ابن حجر: صدوق سيء الحفظ٣.
ويظهر لي حسب ما تقدم من أقوال أئمة الجرح والتعديل أنه ضعيف الحديث، ولكن ضعفه ليس شديدًا، بل هو صالحٌ للاعتبار ولا يحتج به إذا انفرد.
وحديثه هذا عن أنس ليس له متابع، فقد قال البزار: "لا نعلم رواه عن أنسٍ إلا الربيع"، فيكون على هذا ضعيفًا.
وأما حديثه عن عبادة فله ما يؤيده من الطرق السابقة، إلا أنه بهذا الإسناد منقطع، لأن محمد بن سيرين لم يسمعه من عبادة٤، وإنما سمعه من مسلم بن يسار عن عبادة، كما سبق في الطريق الرابعة لهذا الحديث.
هذه هي الطرق التي وقفت عليها في حديث عبادة بن الصامت ﵁. وهو حديث صحيح لا شك فيه، والضعف اليسير الحاصل في بعض الطرق ينجبر بالطرق الأخرى للحديث. والله أعلم.
_________________
(١) ١ سنن الدارقطني (٣/١٨) . ٢ تهذيب التهذيب (٣/٢٤٧-٢٤٨) . ٣ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (١٨٩٥) . ٤ جامع التحصيل (ص٣٢٤) .
[ ٢ / ٤٨٦ ]
١٤٨ - (٩) عن أبي بكرة ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن الفضة بالفضة، والذهب بالذهب، إلا سواءً بسواءٍ، وأمرنا أن نبتاع الذهب بالفضة كيف شئنا، والفضة بالذهب كيف شئنا".
رواه البخاري١ واللفظ له، ومسلم٢، والنسائي٣، وأحمد٤، والطحاوي٥، وابن حبان٦، والبيهقي٧. كلهم من طرقٍ عن يحيى بن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه به.
وزاد مسلم: "فسأله رجلٌ فقال: يدًا بيدٍ؟ فقال: هكذا سمعت". وذكر هذه الزيادة أحمد، وعنده أن الرجل الذي سأل أبا بكرة هو ثابت بن عبيد، وفي رواية له ثابت بن عبد الله.
إلا أن النسائي رواه من وجهٍ آخر أيضًا عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الرحمن بن أبي بكرة بمثله، إلا أن يحيى ين أبي كثير مدلِّس٨ وقد عنعن، وهو إنما سمع هذا الحديث من يحيى بن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، فإنه هكذا رواه مسلم.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري - مع الفتح -[كتاب البيوع (٤/رقم ٢١٧٥،٢١٨٢)] . ٢ صحيح مسلم [كتاب المساقاة (٣/١٣١٣)] . ٣ سنن النسائي [كتاب البيوع (٧/٢٨٠)] . ٤ مسند أحمد (٥/٣٨،٤٩) . ٥ شرح معاني الآثار (٤/٦٩)، شرح مشكل الآثار (١٥/٣٩١) . ٦ الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان (١١/٣٨٩) . ٧ السنن الكبرى (٥/٢٨٢) . ٨ تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس (ص٧٦) .
[ ٢ / ٤٨٧ ]
ورواه أيضًا البزار١، وابن عدي٢، والحازمي٣ من طريق بحر بن كنيز أبي الفضل عن عبد العزيز بن أبي بكرة عن أبيه "أن النبي ﷺ نهى عن الصرف قبل موته بشهرين".
قال البزار: "لا نعلمه بهذا اللفظ إلا عن أبي بكرة، وبحر بن كنيز لين الحديث".
وقال الحازمي: "هذا الحديث واهي الإسناد، وبحر السقاء لا تقوم به حجة".
وقال الهيثمي: "في الصحيح أنه نهى عن الذهب بالذهب من غير ذكر تاريخ" ثم قال عن هذا الإسناد: "فيه بحر بن كنيز السقاء وهو ضعيف" ٤. وقد تقدم الكلام في بحر بن كنيز٥ وأنه ضعيف جدًا.
فعلى هذا فإن حديث "نهى النبي ﷺ عن الصرف قبل موته بشهرين" ضعيف لضعف بحر بن كنيز. والله أعلم.
١٤٩ - (١٠) عن معمر بن عبد الله ﵁ أنه أرسل غلامه بصاع قمحٍ، فقال: بعه ثم اشتر به شعيرًا، فذهب الغلام، فأخذ صاعًا وزيادة بعض صاع، فلما جاء معمرًا أخبره بذلك. فقال له معمر: لم فعلت ذلك؟ انطلق فردّه ولا تأخذنّ إلا مثلًا بمثل،
_________________
(١) ١ كشف الأستار (٢/١١٠) . ٢ الكامل في ضعفاء الرجال (٢/٥٢-٥٣) . ٣ الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار (ص١٦٧) . ٤ مجمع الزوائد (٤/١١٩) . ٥ تقدم عند حديث عمران بن حصين رقم (٣٦) .
[ ٢ / ٤٨٨ ]
فإني كنت أسمع رسول الله ﷺ يقول: "الطعام بالطعام مثلًا بمثل". قال: وكان طعامنا يومئذ الشعير. قيل له: فإنه ليس بمثله. قال: إني أخاف أن يضارع".
رواه مسلم١ وهذا لفظه، وأحمد٢، وابن حبان٣، والطبراني في الكبير٤، والدارقطني٥، والبيهقي٦. كلهم من طرقٍ عن أبي النضر عن بسر بن سعيد عنه به، وأبو النضر اسمه سالم بن أبي أمية المدني.
وقوله: "إني أخاف أن يضارع"، المضارعة: هي المشابهة والمقاربة٧.
قال البيهقي: هذا الذي كرهه معمر بن عبد الله خوف الوقوع في الربا احتياطًا من جهته لا روايةً، والرواية عن النبي ﷺ عامة تحتمل الأمرين جميعًا، أن يكون أراد الجنس الواحد دون الجنسين، أوهما معًا، فلما جاء عبادة بن الصامت بقطع أحد الاحتمالين نصًا، وجب المصير إليه. وبالله التوفيق٨.
وقال النووي: "احتج مالك بهذا الحديث في كون الحنطة والشعير صنفًا واحدًا لا يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلًا، ومذهبنا ومذهب الجمهور أنهما صنفان يجوز التفاضل بينهما "، إلى أن قال: "وأما
_________________
(١) ١ صحيح مسلم [كتاب المساقاة (٣/١٢١٤)] . ٢ مسند أحمد (٦/٤٠٠-٤٠١) . ٣ الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان (١١/٣٨٥) . ٤ المعجم الكبير (٢٠/٤٤٧) . ٥ سنن الدارقطني (٣/٢٤) . ٦ السنن الكبرى (٥/٢٨٣-٢٨٥) . ٧ النهاية في غريب الحديث (٣/٨٥) . ٨ السنن الكبرى (٥/٢٨٣) .
[ ٢ / ٤٨٩ ]
حديث معمر هذا فلا حجة فيه؛ لأنه لم يصرح بأنهما جنس واحد، وإنما خاف من ذلك فتورع احتياطًا"١.
١٥٠ - (١١) عن مجاهدٍ قال: "كنت مع عبد الله بن عمر - ﵄ - فجاءه صائغ، فقال له: يا أبا عبد الرحمن، إني أصوغ الذهب ثم أبيع الشيء من ذلك بأكثر من وزنه، فأستفضل من ذلك قدر عمل يدي، فنهاه عبد الله عن ذلك، فجعل الصائغ يردّد عليه المسألة، وعبد الله ينهاه، حتى انتهى إلى باب المسجد، أو إلى دابةٍ يريد أن يركبها، ثم قال عبد الله بن عمر: "الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم، لا فضل بينهما، هذا عهد نبينا إلينا وعهدنا إليكم".
جاء هذا الحديث عن ابن عمر - ﵄ - من طرق:
الطريق الأولى: مجاهد عنه به:
رواه مالك٢ باللفظ المذكور عن حميد بن قيس المكي به، ومن طريق مالك رواه النسائي٣، والشافعي٤، وعبد الرزاق٥، والطحاوي٦، والبيهقي٧، والبغوي٨.
_________________
(١) ١ شرح صحيح مسلم (١١/٢٠) . ٢ الموطأ (٢/٤٩٢) . ٣ سنن النسائي [كتاب البيوع (٧/٢٧٨)] . ووقع في المطبوع: "مجاهد: قال عمر" وهو خطأ، وإنما هو "ابن عمر". وانظر: حاشية السِّندي. ٤ السنن المأثورة (ص٢٦٥-٢٦٦)، الرسالة (ص٢٧٧) . ٥ المصنف (٨/١٢٥) . ٦ شرح معاني الآثار (٤/٦٦)، شرح مشكل الآثار (١٥/٣٨٣) . ٧ السنن الكبرى (٥/٢٧٩،٢٩٢) . ٨ شرح السنة (٨/٦٣)
[ ٢ / ٤٩٠ ]
وحميد بن قيس المكي الأعرج أبو صفوان القارئ، وثقه ابن سعد وابن معين وأحمد في رواية والبخاري وأبو داود وغيرهم١. قال الذهبي: ثقة٢.
قال الشافعي عن لفظ مالك: "هذا عهد نبينا إلينا" - قال -: هذا خطأ٣.
ويعني الشافعي بذلك أن ابن عمر لم يسمع من النبي ﷺ في الصرف شيئًا، وما جاء في رواية مالك فهو خطأ. ولذلك روى الشافعي عقب قوله هذا عن سفيان بن عيينة عن وردان الرَّومي أنه سأل ابن عمر فقال: إني رجل أصوغ الحلي ثم أبيعه، فأستفضل قدر أجرتي - أو عمل يدي - فقال ابن عمر - ﵄ - "الذهب بالذهب لا فضل بينهما، هذا عهد صاحبنا إلينا وعهدنا إليكم".
قال الشافعي: يعني "صاحبنا": عمر بن الخطاب ﵁.
قال البيهقي: "هو كما قال - أي الشافعي - فالأخبار دالة على أن ابن عمر لم يسمع في ذلك من النبي ﷺ شيئًا"٤.
ولكن ذكر البيهقي احتمالًا وهو أن تكون رواية مالك صحيحة من وجه، فقال: "قد يجوز أن يقول هذا عهد نبينا ﷺ إلينا وهو
_________________
(١) ١ انظر: تهذيب التهذيب (٣/٤٦-٤٧) . ٢ الكاشف (١/١٩٣) . ٣ السنن المأثورة (ص٢٦٦) . ٤ معرفة السنن والآثار (٨/٣٨) .
[ ٢ / ٤٩١ ]
يريد إلى أصحابه بعدما ثبت له ذلك عن النبي ﷺ في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ وغيره"١.
وقال ابن عبد البر: "قول الشافعي عندي غَلَطٌ على أصله، لأن حديث ابن عيينة في قوله "صاحبنا" مجمل يحتمل أن يكون أراد رسول الله ﷺ وهو الأظهر، ويحتمل أن يكون أراد عمر، فلما قال مجاهد عن ابن عمر: "هذا عهد نبينا" فسَّر ما أجمل وردان الرومي، وهذا أصل ما يعتمد عليه الشافعي في الآثار، ولكن الناس لا يسلم منهم أحدٌ من الغلط، وإنما دخلت الداخلة على الناس من قبل التقليد؛ لأنهم إذا تكلم العالم عند من لا ينعم النظر بشيءٍ كتبه وجعله دينًا يردّ به ما خالفه دون أن يعرف الوجه فيه فيقع الخلل، وبالله التوفيق"٢ انتهى.
وحكم ابن عبد البر على قول الشافعي بأنه غلط: إن كان يعني به أن قول ابن عمر "هذا عهد نبينا إلينا" صحيح وأن معناه أن ابن عمر سمع هذا من النبي ﷺ. فالجواب عنه أن ابن عمر قد ثبت عنه القول بما كان يقول به ابن عباس في الصرف حتى حدثه أبو سعيد الخدري ﵁ أنه سمع النبي ﷺ "ينهى عن بيع الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل"، ولو أن ابن عمر سمع فيه من النبي ﷺ شيئًا لم يعدل عنه كما هو معلوم. وقد سبق الكلام في هذا بأطول مما هنا٣.
_________________
(١) ١ معرفة السنن والآثار (٨/٣٨) . ٢ التمهيد (٢/٢٤٨) . ٣ تقدم عند الطريق الثالثة من حديث عمر بن الخطاب ﵁ رقم (١٤٠) .
[ ٢ / ٤٩٢ ]
وإن كان ابن عبد البر يعني بقوله هذا تصحيح رواية: "هذا عهد نبينا إلينا" ولكن بالتوجيه الذي ذكره البيهقي، فَنَعَم. ولعلّ هذا هو مقصود ابن عبد البر - ﵀ -، وبه وجّه ابن التركماني قول ابن عبد البر١. والله أعلم.
فمما سبق يتبين أن هذه الطريق صحيحة، وأما قول ابن عمر "هذا عهد نبينا إلينا" فهو مرسل صحابي؛ لأن ابن عمر لم يسمع من النبي ﷺ في ذلك شيئًا، ومرسل الصحابي حجة.
قال ابن بشكوال: "الصائغ هو وردان الرومي"٢، ثم روى بإسناده عن الشافعي ثنا سفيان بن عيينة عن وردان الرومي به. وقد تقدّم ذكره.
ورواه البيهقي٣، وابن عبد البر٤ أيضًا من طريق الشافعي.
وأغرب ابن القيم - ﵀ - فقال: "لا يعرف عن أحد من الصحابة أنه نهى أن يباع الحلي إلا بغير جنسه، أو بوزنه، والمنقول عنهم إنما هو في الصرف"٥ انتهى.
وفيما قاله نظر؛ فهذا ابن عمر - ﵄ - كما سبق في هذا الحديث نهى عن بيع الذهب المصوغ بأكثر من وزنه، وتقدم عن عبادة بن الصامت ﵁ نحو هذا. والله أعلم.
_________________
(١) ١ الجوهر النقي - حاشية السنن الكبرى - (٥/٢٨٠) . ٢ غوامض الأسماء المبهمة (١/٢٩٨) . ٣ السنن الكبرى (٥/٢٧٩) . ٤ التمهيد (٢/٢٤٧) . ٥ أعلام الموقعين (٢/١٤٥) .
[ ٢ / ٤٩٣ ]
الطريق الثانية: أبو جناب الكلبي عن أبيه عنه به:
رواه أحمد١ من هذا الطريق، ولفظه: "لا تبيعوا الدينار بالدينارين، ولا الدرهم بالدرهمين، ولا الصاع بالصاعين، فإني أخاف عليكم الرما، والرما هو الربا، فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله، أرأيت الرجل يبيع الفرس بالأفراس، والنجيبة بالإبل، قال: لا بأس إذا كان يدًا بيد".
وإسناد أحمد فيه علتان:
الأولى: أبو جناب الكلبي، واسمه يحيى بن أبي حية، ضعّفه ابن سعد، والقطان، وأحمد، وأبو داود، والنسائي، وغيرهم. وتكلم في حديثه أيضًا لتدليسه عن الضعفاء٢. قال ابن حجر:: "ضعفوه لكثرة تدليسه"٣. وهو هنا لم يصرِّح بالسماع.
العلة الثانية: المخالفة في الرفع والوقف، فإن الأسانيد الصحيحة فيها أن ابن عمر كان يقول بمتن هذا الحديث من قوله لا يبلغ به النبي ﷺ كما رواه أحمد٤، وابن أبي شيبة٥، وغيرهما. وابن عمر أخذ هذا أولًا من أبيه٦، حتى لقيه أبو سعيد فحدَّثه به عن النبي صلى الله عليه وسلم٧.
_________________
(١) ١ المسند (٢/١٠٩) . ٢ تهذيب التهذيب (١١/٢٠١-٢٠٢-٢٠٣) . ٣ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٧٥٣٧) . ٤ المسند (٣/٤) . ٥ المصنف (٥/٢٩٩) . ٦ انظر: تهذيب الآثار (٢/٧٣-٧٤-٧٥) . ٧ قد سبق في الطريق الأولى من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ رقم (١٤١)
[ ٢ / ٤٩٤ ]
فعلى هذا فإن المحفوظ في هذا الحديث أنه موقوف على ابن عمر - ﵄ -، ولكن يمكن أن يجاب عن هذه العلة بأن ابن عمر وإن لم يكن سمعه من النبي ﷺ، فقد سمعه من أبي سعيد عنه، فيكون مرسل صحابي وهو حجة. والله أعلم.
فيبقى أن علة الإسناد هو أبو جناب الكلبي، وقد تقدم أنه ضعيف مدلّس.
وأما قوله "يا رسول الله، أرأيت الرجل يبيع الفرس " الحديث، فهي بهذا الإسناد ضعيفة، إلا أن معناه جاء عن ابن عمر عن النبي ﷺ من غير هذا الطريق أيضًا كما سيأتي - إن شاء الله - في (فصل: النهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة) . والله أعلم.
الطريق الثالثة: عبد المؤمن عنه به:
رواه أبو يعلى١ بإسناده عن سكين به. ولفظه: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والملح بالملح، والتمر بالتمر مثلًا بمثل، كيلًا بكيل، فمن زاد أو استزاد فقد أربى".
وعبد المؤمن لم يقع منسوبًا في هذه الرواية، ولكن لعله ابن أبي شراعة الجلاَّب، فقد قال البخاري٢ وأبو حاتم٣: سمع من ابن عمر - ﵄ -.
_________________
(١) ١ مسند أبي يعلى (٢/٢٧٨) . ٢ التاريخ الكبير (٦/١١٦) . ٣ الجرح والتعديل (٦/٦٥) .
[ ٢ / ٤٩٥ ]
وقال البخاري: حديثه في البصريين١، وسكين بصري.
وعبد المؤمن بن أبي شراعة قال فيه يحيى القطان: لم يكن به بأس إذا جاءك بشيء تعرفه. وقال يحيى بن معين: ثقة٢.
وأما سُكين، فهو ابن عبد العزيز العبدي العطّار البصري، وثقه وكيع، وابن معين، والعجلي. وقال أبو حاتم: لا بأس به.
وضعفه أبو داود والنسائي٣.
وخلص فيه ابن حجر إلى أنه: صدوق، يروي عن ضعفاء٤.
فعلى هذا فإن هذا الإسناد حسن، إلا أنه كما سبق - غير مرّة - أن ابن عمر لم يسمع هذا الحديث من النبي ﷺ، وإنما سمعه من أبي سعيد الخدري عنه، فهو مرسل صحابي، وهو حجة. والله أعلم.
الطريق الرابعة: عطية العوفي عنه به:
رواه الحارث بن أبي أسامة٥ عن يحيى بن هاشم السِّمسار ثنا ابن أبي ليلى به. ولفظه: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة مثلًا بمثل، فمن زاد فقد أربى، وإن استنظرك أن يدخل بيته فلا تدعه".
ويحيى بن هاشم السِّمسار تقدم الكلام فيه٦، وأنه متروك متّهم.
_________________
(١) ١ التاريخ الكبير (٦/١١٦) . ٢ الجرح والتعديل (٦/٦٥) . ٣ تهذيب التهذيب (٤/١٢٧) . ٤ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٢٤٦١) . ٥ بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث (١/٥٠٢) . ٦ تقدم الكلام عليه عند حديث عبد الله بن عمر، رقم (٩)، عند الطريق الثامنة منه.
[ ٢ / ٤٩٦ ]
وأما ابن أبي ليلى، فهو محمد بن عبد الرحمن، تقدم الكلام فيه وأنه صدوق سيئ الحفظ جدًا١.
وعطية العوفي، تقدم أنه صدوق يخطئ كثيرًا٢.
وقد روى عبد الرزاق٣، وابن جرير٤، والبيهقي٥ وغيرهم هذا المتن من طرقٍ عن ابن عمر عن عمر بن الخطاب موقوفًا، وهو الصواب والله أعلم.
فعلى هذا فإن هذه الطريق عن ابن عمر عن النبي ﷺ ضعيفة جدًا لا يعتبر بها. والله أعلم.
الطريق الخامسة: بشر بن حرب عنه به:
رواه الطيالسي٦، والطبراني٧ بإسنادهما عن حماد بن زيد به. ولفظ الطيالسي: عن بشر بن حرب قال: سألت ابن عمر عن الصرف: الدرهم بالدرهمين فقال: عين الربا، عين الربا، فلا تقربه، هل سمعت٨ ما قال رسول الله ﷺ: "خذوا المثل بالمثل".
_________________
(١) ١ تقدم الكلام عليه عند حديث رقم (٤٤) . ٢ تقدم الكلام فيه عند حديث رقم (١٢٤) . ٣ المصنف (٨/١٢١) . ٤ تهذيب الآثار (٢/٧٣) . ٥ السنن الكبرى (٥/٢٨٤) . ٦ مسند الطيالسي (ص٢٥٤) . ٧ انظر: جامع المسانيد والسنن، لابن كثير (٢٨/٤٩) . ٨ عند الطبراني: "أما شعرت" وهو أولى من اللفظ المذكور في مسند الطيالسي المطبوع "سمعت". واللفظ الأخير يمكن أن يخرَّج بأن يكون المعنى: هل سمعت ما يحدث به عن النبي ﷺ.
[ ٢ / ٤٩٧ ]
وبشر بن حرب مختلفٌ فيه، فضعَّفه ابن سعد، وابن المديني، وابن معين، وأحمد، والعجلي، وغيرهم. وقال أبو داود: ليس بشيء. وقال ابن عدي: لا أعرف في رواياته حديثًا منكرًا وهو عندي لا بأس به١.
وجعله ابن حجر في مرتبة: صدوق فيه لين٢.
ويظهر لي من الأقوال السابقة لأئمة الجرح والتعديل أنه ضعيف الحديث يصلح للاعتبار. وقد توبع في الطرق السابقة. والله أعلم.
هذه هي الطرق التي وقفت عليها في حديث ابن عمر هذا، وهو حديث صحيح. والضعف في بعض الطرق لا يمنع الاحتجاج به، وإن كان يسيرًا فهو ينجبر بغيره. والله أعلم.
١٥١ - (١٢) عن عطاء بن يسار أن معاوية بن أبي سفيان باع سقايةً من ذهب أو ورق بأكثر من وزنها، فقال له أبو الدرداء سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن مثل هذا إلا مثلًا بمثل، فقال له معاوية: ما أرى بمثل هذا بأسًا. فقال أبو الدرداء: من يعذرني من معاوية؟ أنا أخبره عن رسول الله ﷺ، ويخبرني عن رأيه. لا أُساكنك بأرضٍ أنت فيها. ثم قدم أبو الدرداء على عمر بن الخطاب فذكر ذلك له، فكتب عمر بن الخطاب إلى معاوية أن لا تبيع ذلك إلا مثلًا بمثل وزنًا بوزن".
_________________
(١) ١ تهذيب التهذيب (١/٤٤٦) . ٢ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٦٨١) .
[ ٢ / ٤٩٨ ]
رواه مالك١ عن زيد بن أسلم به، ومن هذا الطريق أخرجه الشافعي٢، وأحمد٣، والنسائي٤، والبيهقي٥.
وقد أُعلَّ هذا الحديث بعلتين:
١ - الانقطاع.
٢ - أن هذه القصة إنما عرضت لمعاوية مع عبادة بن الصامت لا مع أبي الدرداء.
أما العلة الأولى، فقد قال ابن عبد البر: ظاهر هذا الحديث الانقطاع، لأن عطاء لا أحفظ له سماعًا من أبي الدرداء، وما أظنه سمع منه شيئًا؛ لأن أبا الدرداء توفي بالشام في خلافة عثمان لسنتين بقيتا من خلافته، ذكر ذلك أبو زرعة عن أبي مسعر عن سعيد بن عبد العزيز. وقال الواقدي: "توفي أبو الدرداء سنة اثنتين وثلاثين، ومولد عطاء بن يسار إحدى وعشرين، وقيل: سنة عشرين". قال ابن عبد البر: وقد روى عطاء بن يسار عن رجلٍ من أهل مصر عن أبي الدرداء حديث لهم البشرى، وممكن أن يكون سمع عطاء بن يسار من معاوية، لأن معاوية توفي سنة ستين، وقد سمع عطاء بن يسار من أبي هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن عمر وجماعة من الصحابة هم أقدم
_________________
(١) ١ الموطأ (٢/٤٩٢) . ٢ الرسالة (ص٤٤٦)، فقرة (١٢٢٨) . ٣ المسند (٦/٤٤٨) . ٤ سنن النسائي [كتاب البيوع (٧/٢٧٩)] . ٥ السنن الكبرى (٥/٢٨٠)، معرفة السنن والآثار (٨/٣٨-٣٩) .
[ ٢ / ٤٩٩ ]
موتًا من معاوية، ولكنه لم يشهد هذه القصة؛ لأنها كانت في زمن عمر، وتوفي عمر سنة ثلاث وعشرين، أو أربع وعشرين من الهجرة"١ انتهى كلامه.
وقد سبق البخاريُّ ابنَ عبد البر في الحكم على رواية عطاء بن يسار عن أبي الدرداء بالانقطاع. فقال: مرسل لا يصح٢.
ولما ذكر الذهبي هذا القول عن البخاري عقبه بحديث في إسناده تصريح عطاء بالتحديث عن أبي الدرداء٣. والذهبي صاحب استقراء وإمامة في الرجال، ولكن بالنظر إلى سن عطاء بن يسار المدني عند وفاة أبي الدرداء الذي توفي بالشام فإنه يبعد سماعه منه، ولا سيما أن البخاري قد صرَّح بالانقطاع بينهما.
وأما الحديث الذي ذكره الذهبي والذي فيه تصريح عطاء بن يسار بالتحديث عن أبي الدرداء فقد رواه النسائي في الكبرى٤ بإسنادٍ صحيح وليس فيه التصريح بالتحديث، فلعلّ من ذكر صيغة التحديث بين عطاء بن يسار وأبي الدرداء أخطأ في ذلك. والله أعلم.
_________________
(١) ١ التمهيد (٤/٧١-٧٢) . وما ذكر أن عبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن عمر توفيا قبل معاوية فغير صحيح. فقد توفي عبد الله بن عمرو بن العاص بالطائف ليالي الحرة - سنة ثلاث وستين - على ما رجّح ابن حجر في تقريب التهذيب (رقم٣٤٩٩) . وعبد الله بن عمر بن الخطاب توفي سنة ثلاثٍ وسبعين على ما قرره الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب (رقم ٣٤٩٠) . ٢ صحيح البخاري مع الفتح (١١/ عقب حديث رقم ٦٤٤٣) . وانظر ميزان الاعتدال (٣/٤٧٤) . ٣ ميزان الاعتدال (٣/٤٧٤) . ورواه بنحوه ابن جرير الطبري في تفسيره (٢٧/١٤٦)، تفسير سورة الرحمن عند قوله تعالى ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ . ٤ السنن الكبرى (٦/٤٧٨) .
[ ٢ / ٥٠٠ ]
وأما الاحتمال الذي ذكره ابن عبد البر وهو أن يكون عطاء سمع هذا الحديث من معاوية فضعيف؛ لأن سياق الحديث يبعد فيه هذا الاحتمال.
وأما العلة الثانية في الحديث فقد قال ابن عبد البر: "لا أعلم هذ القصة روي أنها عرضت لمعاوية مع أبي الدرداء إلا من حديث زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، ولم يروَ من وجهٍ آخر فيما علمت، وليست محفوظةً إلا لمعاوية مع عبادة بن الصامت"١.
ولكن ابن عبد البر في موضعٍ آخر أشار إلى إمكان ثبوتها عن أبي الدرداء كما أنها مشهورة عن عبادة بن الصامت، فقد قال ابن عبد البر: "وممكن أن يكون له مع أبي الدرداء - أي معاوية - مثل هذه القصة أو نحوها"٢.
ورجّح الزرقاني هذا الاحتمال حيث قال: "الإسناد الصحيح وإن لم يرد من وجهٍ آخر، فهو من الأفراد الصحيحة، والجمع ممكن، لأنه عرض له ذلك مع عبادة وأبي الدرداء"٣.
والذي يظهر لي هو ما ذكره ابن عبد البر أولًا وهو أن المحفوظ في هذه القصة أنها عن عبادة بن الصامت ﵁ ورواية عطاء بن يسار عن أبي الدرداء شاذة، وذلك لورود الطرق الكثيرة التي تثبت أن الواقعة إنما كانت بين عبادة بن الصامت
_________________
(١) ١ التمهيد (٤/٧٢) . ٢ التمهيد (٤/٨٣) . ٣ شرح الزرقاني (٤/٢٢٦) .
[ ٢ / ٥٠١ ]
ومعاوية - ﵄ -، وفي بعض الطرق ذكر فيها قدوم عبادة على عمر بن الخطاب رضي الله عنه١، وأن عمر أمر معاوية بما حدثه به عبادة بن الصامت ﵁ نظير ما ذكر في حديث أبي الدرداء ﵁، مما يؤيد أن ذكر أبي الدرداء غير محفوظ.
وأما قول الزرقاني: "الإسناد الصحيح " الخ. فالجواب عنه بما سبق أنه منقطع بين عطاء وأبي الدرداء ﵁. والله أعلم.
وقوله: "باع سقايةً من ذهب"، السقاية إناء يشرب فيه٢.
١٥٢ - (١٣) عن أبي الزبير المكي قال: سمعنا أبا أُسيد٣ الساعدي وابن عباس يفتي الدينار بالدينارين، قال: فقال أبو أُسيد الساعدي وأغلظ له، فقال له ابن عباس: ما كنت أظنُّ أنّ أحدًا يعرف قرابتي من رسول الله ﷺ يقول لي مثل هذا يا أبا أُسيد، فقال أبو أُسيد: أشهد لسمعت رسول الله ﷺ وهو يقول: "الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم، وصاع حنطة بصاع حنطة، وصاع شعير بصاع شعير، وصاع ملح بصاع ملح، لا فضل بين شيء من ذلك"، فقال عبد الله بن عباس: إن هذا شيءٌ إنما كنت أقوله برأي ولم أسمع فيه شيئًا.
_________________
(١) ١ هي الطريق السادسة من طرق حديث عبادة بن الصامت ﵁. ٢ النهاية في غريب الحديث (٢/٣٨٢) . ٣ بضم الهمزة - مصغّرًا -، وقيل: بفتح همزة فمكسورة - أًسِيد -، والصواب التصغير. انظر: المغني في ضبط أسماء الرجال (ص٢٢) .
[ ٢ / ٥٠٢ ]
رواه الشاشي١ وهذا لفظه، والطبراني٢، والحاكم٣، وابن عبد البر٤. كلهم من طرقٍ عن عتيق بن يعقوب الزبيري حدثني عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن إبراهيم بن طهمان به.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه بهذه السياقة، وعتيق بن يعقوب شيخ قرشي من أهل المدينة.
وفي قول الحاكم نظر، ذلك أن عتيق بن يعقوب لم يرو له مسلم شيئًا، بل لم يرو له أصحاب الكتب الستة. وعتيق بن يعقوب وثقه الدارقطني، وذكره ابن حبان في الثقات٥.
وأما عبد العزيز بن محمد الدراوردي فقد سبق الكلام فيه٦، وأنه صدوق يخطئ.
وإبراهيم بن طهمان هو أبو سعيد الخراساني، وثّقه جمهور أئمة الجرح والتعديل إلا من شذَّ٧. قال ابن حجر: ثقة يغرب٨.
قال الهيثمي عن هذا الحديث: "إسناده حسن"٩. وهو كما قال
- ﵀ - إلا أن له شواهد تؤيده فيكون بها صحيحًا لغيره. والله أعلم.
_________________
(١) ١ مسند الشاشي (٣/٣٩٧) . ٢ المعجم الكبير (١٩/٢٦٨-٢٦٩) . ٣ المستدرك (٢/١٩-٢٠) . ووقع في المطبوع منه: "أبا سعيد الساعدي" وهو خطأ. وفي تلخيص المستدرك للذهبي: "أبا أسيد" وهو الصواب. ٤ التمهيد (٢/٢٤٤-٢٤٥) . ٥ لسان الميزان (٤/١٢٩-١٣٠) . ٦ تقدم عند حديث أبي سعيد الخدري في الطريق الخامسة منه. ٧ انظر: تهذيب التهذيب (١/١٢٩-١٣٠-١٣١) . ٨ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (١٨٩) . ٩ مجمع الزوائد (٤/١١٧) .
[ ٢ / ٥٠٣ ]
وروى الطبراني١ الحديث بإسناده عن طاهر بن خالد بن نزار عن أبيه حدثنا إبراهيم بن طهمان عن مطر الورَّاق عن عطاء بن أبي رباح فذكر نحو حديث أبي الزبير المكي، إلا أنه ذكر أبا سعيد الخدري بدل أبا أُسيد الساعدي.
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن مطر الورَّاق إلا إبراهيم بن طهمان".
وإسناد الطبراني فيه طاهر بن خالد بن نزار، وثقه الخطيب، وقال الدارقطني: هو وأبوه ثقتان. وقال ابن أبي حاتم: صدوق. وقال ابن عدي: له عن أبيه إفرادات وغرائب٢. وخلص فيه الحافظ الذهبي إلى أنه: صدوق وله مناكير٣.
وأيضًا ففي إسناد الطبراني مطر الورّاق وحديثه عن عطاء ضعيف٤. وهو هنا يروي عن عطاء بن أبي رباح.
فعلى هذا فإن هذا الإسناد عن أبي سعيد الخدري ضعيف، والمعروف أنه عن أبي أسيد الساعدي ﵁ كما تقدم. والله أعلم.
_________________
(١) ١ المعجم الأوسط (٢/٣٣٨) . ٢ ميزان الاعتدال (٣/٤٨) . وقول الدارقطني نقله عنه ابن حجر في لسان الميزان (٣/٢٠٦) . ٣ ميزان الاعتدال (٣/٤٨) . ٤ انظر: تهذيب التهذيب (١٠/١٦٨)، تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٦٦٩٩) . وسيأتي الكلام فيه بأطول مما هنا، عند حديث رقم (١٨٣) .
[ ٢ / ٥٠٤ ]
١٥٣ - (١٤) عن هشام بن عامر ﵁ قال: "إن رسول الله ﷺ نهانا أن نبيع الذهب بالورق نسيئة، وأنبأنا - أو قال: وأخبرنا - أن ذلك هو الربا".
رواه أحمد١ واللفظ له، وعلي بن الجعد٢، وأبو بكر بن أبي شيبة٣، وأحمد بن منيع٤، وأبو يعلى٥، وابن جرير٦، والطبراني٧، كلهم من طرقٍ عن أيوب عن أبي قلابة عنه به، وعندهم أن هشام بن عامر ﵁ لمّا قدم البصرة وجدهم يتبايعون الذهب في أعطياتهم فحدَّث بهذا الحديث.
قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح٨.
والإسناد وإن كان رجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي إلا أن فيه علةً، وهي الانقطاع، وذلك أن أبا قلابة لم يسمع من هشام بن عامر، قاله ابن المديني٩.
فعلى هذا فإن الإسناد ضعيف لانقطاعه، إلا أن الحديث له شواهد كثيرة تؤيده فيها النهي عن بيع الذهب بالورق نسيئة، فيكون الحديث بهذا الإسناد حسنًا لشواهده. والله أعلم.
_________________
(١) ١ المسند (٤/١٩،٢٠-٢١) . ٢ مسند علي بن الجعد (١/٥٥٧-٥٥٨) . ٣ إتحاف الخيرة المهرة (ص٢٤٣-٢٤٤) . ٤ إتحاف الخيرة المهرة (ص٢٤٢-٢٤٣) . ٥ إتحاف الخيرة المهرة (ص٢٤٤) . ٦ تهذيب الآثار (٢/٨١) . ٧ المعجم الكبير (٢٢/١٧٦) . ٨ مجمع الزوائد (٤/١١٧،١١٨) . ٩ المراسيل لابن أبي حاتم (ص٩٥) .
[ ٢ / ٥٠٥ ]
١٥٤ - (١٥) عن أبي رافعٍ قال: كنت أصوغ لأزواج النبي ﷺ، فحدثنني أنهن لسمعن رسول الله ﷺ يقول: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، وزنًا بوزن، فمن زاد أو استزاد فقد أربى".
أخرجه أحمد١، وأبو سعيد بن الأعرابي٢، بإسنادهما عن أبي جعفر عن يحيى البكاء به.
قال الهيثمي: رواه أحمد، وفيه يحيى البكاء وهو ضعيف٣.
وأبو جعفر هو الرازي، واسمه عيسى بن أبي عيسى. مختلفٌ فيه. فوثقه ابن سعد، وابن معين في بعض الروايات عنه، وعلي بن المديني في رواية، وأبو حاتم، والحاكم وغيرهم.
وضعفه ابن معين، وابن المديني، وأحمد في روايةٍ عنهم، وضعفه أيضًا أبو زرعة، والنسائي، وابن حبان وغيرهم٤.
وخلص فيه ابن حجر إلى أنه: صدوق سيء الحفظ خصوصًا عن مغيرة٥.
ويحيى البكاء هو يحيى بن مسلم، ويقال: ابن سليم، ويقال: ابن أبي خليد الأزدي. وثقه ابن سعد فقط، وضعفه أحمد، وابن معين، وأبو داود، وأبو زرعة، والنسائي، وابن حبان، وغيرهم٦.
وجعله ابن حجر في مرتبة: ضعيف٧.
وأبو رافع هو نُفيع الصائغ المدني، نزيل البصرة، ثقة ثبت٨.
_________________
(١) ١ مسند أحمد (٥/٢٧١) . ٢ معجم ابن الأعرابي (١/٤٢٢)، رقم (٤٢٣) . ٣ مجمع الزوائد (٤/١١٨) . ٤ تهذيب التهذيب (١٢/٥٦-٥٧) . ٥ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٨٠١٩) . ٦ تهذيب التهذيب (١١/٢٧٩) . ٧ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٧٦٤٥) . ٨ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٧١٨٢) .
[ ٢ / ٥٠٦ ]
فمما سبق يتبين أن الحديث بهذا الإسناد ضعيف؛ لضعف يحيى البكاء، إلا أنه يرتقي بشواهده فيكون حسنًا لغيره. والله أعلم.
١٥٥ - (١٦) عن شرحبيل بن سعد أن أبا سعيد وأبا هريرة وابن عمر حدثوا أن النبي ﷺ قال: "الذهب بالذهب مثلًا بمثل، والفضة بالفضة مثلًا بمثل، عينًا بعين، من زاد أو ازداد فقد أربى".
رواه مسدّد١، وأحمد٢، وأبو يعلى٣. كلهم من هذا الطريق. وعندهم أن شرحبيل قال: إن لم أكن سمعته منهم فأدخلني الله النار.
وشرحبيل بن سعد تقدم الكلام عليه وأنه ضعيف٤.
ولكن أحاديث هؤلاء الصحابة ثابتة عنهم قد سبق ذكرها، فيكون الحديث الذي رواه شرحبيل حسنًا لغيره، لأنه قد توبع على حديثه. والله أعلم.
١٥٦ - (١٧) عن أنس بن مالك ﵁ قال: أُتي رسول الله ﷺ بتمر الرَّيَّان، فقال: أَنَّى لكم هذا التمر؟ قالوا: كان عندنا تمر بعلًا، فبعناه صاعين بصاعٍ، فقال رسول الله ﷺ: رُدُّوه على صاحبه".
رواه البزار٥ وهذا لفظه، والطبراني في الأوسط٦. كلاهما بإسنادهما عن روح بن عبادة حدثنا كثير بن يسار عن ثابت البناني به.
_________________
(١) ١ إتحاف الخيرة المهرة (ص٢٠١-٢٠٢) . ٢ المسند (٣/٥٨) . ٣ مسند أبي يعلى (٢/٢٩٤) . ٤ تقدم الكلام عليه عند حديث أبي هريرة ﵁ رقم (٣٣) . ٥ كشف الأستار (٢/١٠٨) . ٦ المعجم الأوسط (٢/١٠٣) .
[ ٢ / ٥٠٧ ]
ولفظ الطبراني في آخره قال النبي ﷺ: "ردُّوه على صاحبه، فبيعوه بعين، ثم ابتاعوا التمر".
قال البزار: لا نعلم رواه عن ثابت إلا كثير.
وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن ثابت إلا كثير أبو الفضل، تفرد به رَوْح.
قال الهيثمي: إسناده حسن١.
وكثير بن يسار لم يوثقه غير ابن حبان. وأثنى عليه سعيد بن عامر خيرًا. وذكره البخاري في تاريخه وأشار إلى حديثه هذا عن أنس، ولكن لم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا٢. وكذلك ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا٣.
وقال ابن القطان: حاله غير معروفة٤.
وتعقبه الحافظ ابن حجر بأن حاله معروفة، ثم ساق عددًا ممن روى عنه، ولكنه لم يذكر أحدًا ممن وثقه غير ابن حبان.
والذي يظهر لي هو ما قاله ابن القطان؛ لأن الرواية عن الراوي لا ترفع من جهالة حاله، وإنما إذا روى عن الرواي أكثر من واحد فإنها ترفع جهالة عينه فقط.
وهذا الحديث عن أنس لا يعلم رواه عنه غير كثير بن يسار عن ثابت البناني عنه كما سبق في قول البزار والطبراني.
_________________
(١) ١ مجمع الزوائد (٤/١١٦) . ٢ التاريخ الكبير (٧/٢١٣-٢١٤)، وانظر: لسان الميزان (٤/٤٨٥) . ٣ الجرح والتعديل (٧/١٥٨) . ٤ لسان الميزان (٤/٤٨٥) .
[ ٢ / ٥٠٨ ]
وكثير بن يسار ليس في درجة من يُقبل حديثه إذا انفرد.
والذي يظهر أن إسناد هذا الحديث ضعيف؛ لأن فيه كثير بن يسار، وهو مجهول كما سبق، إلا أن متن الحديث صحيح ثابت بأحاديث كثيرة مرَّ ذكرها فيما سبق. والله أعلم.
١٥٧ - (١٨) عن أبي الزبير المكِّي قال: سألت جابر بن عبد الله عن الحنطة بالتمر وفضل، يدًا بيدٍ، فقال: "قد كنّا على عهد رسول الله ﷺ نشتري الصاع الحنطة بستة آصع من تمرٍ يدًا بيدٍ، فإن كان نوعًا واحدًا، فلا خير فيه إلا مثلًا بمثل".
أخرجه أبو يعلى١ بإسناده عن عبد الرحيم بن سليمان عن أشعث بن سوار به.
قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح٢.
وفي قوله نظر، فإن أشعث بن سوار ليس من رجال الصحيح، فالبخاري لم يخرج له في الصحيح، إنما خرج له في الأدب المفرد، ومسلم إنما خرج له في المتابعات٣. وقد تقدّم أن أشعث بن سوار ضعيف٤.
وعلى هذا فإن هذا الحديث بهذا الإسناد ضعيف لضعف أشعث بن سوَّار، إلا أنه لا يمنع من الاستشهاد به لكون المعنى الذي يدل عليه صحيح، فقد جاء في أحاديث كثيرة ذكرت في هذا الفصل تدل على إباحة بيع الجنسين المختلفين ولو مع التفاضل إذا كان يدًا بيدٍ.
_________________
(١) ١ مسند أبي يعلى الموصلي (٤/١٤٥-١٤٦) . ٢ مجمع الزوائد (٤/١١٧) ٣ انظر: تهذيب الكمال (٣/٢٧٠) . ٤ تقدم عند حديث رقم (١٣) .
[ ٢ / ٥٠٩ ]
١٥٨ - (١٩) عن أبي رافع قال: سمعت أبا بكر الصديق ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، مثلًا بمثلٍ، الزائد والمستزيد في النار".
جاء هذا الحديث من طريقين:
الطريق الأولى: موسى بن أبي عائشة عن حفص بن أبي حفص عن أبي رافعٍ عنه به:
أخرجه البزار١ واللفظ له، والترمذي في العلل الكبير٢.
وفي إسنادهما حفص بن أبي حفص، قال فيه البخاري: فيه نظر٣. وقال البزار: روى عنه السُّدِّي وموسى بن أبي عائشة، فقد ارتفعت جهالته٤. وقال الدارقطني: مجهول٥. وذكره ابن حبان في الثقات٦. انتهى.
فأما قول البزار في ارتفاع جهالته فالمقصود بها جهالة العين، وأما جهالة الحال فلا، حتى يوثقه معتبر، على أن ابن حبان فرق بين الذي يروى عنه السدي والذي يروي عنه موسى٧.
وأما قول الهيثمي: "في إسناد البزار حفص بن أبي حفص، قال الذهبي ليس بالقوي"٨، فغير صحيح؛ لأن قول الذهبي
_________________
(١) ١ مسند البزار - البحر الزخار - (١/١٠٩) . ٢ العلل الكبير (١/٤٩٥) . ٣ التاريخ الكبير (٢/٣٦١) . ٤ مسند البزار (١/١١١) . ٥ علل الدارقطني (١/٢٤٢) . ٦ الثقات (٦/١٩٧) . ٧ الثقات (٤/١٥٢)، (٦/١٩٧) . ٨ مجمع الزوائد (٤/١١٨) .
[ ٢ / ٥١٠ ]
الذي نقله عنه الهيثمي إنما هو في حفص ابن أبي حفص التميمي السراج الذي يروي عن الحسن البصري١، وأما هذا الذي في إسناد البزار فقد ترجم له الذهبي ترجمة مستقلة، وذكر فيه قول البخاري السابق٢.
ووقع للحافظ ابن حجر نحو ما وقع للهيثمي٣، وذلك أنه لمَّا ترجح لحفص بن أبي حفص التميمي، وذكر فيه قول الذهبي، ثم ذكر قول ابن حبان، ذكر بعد ذلك قول الدارقطني السابق. ومعلوم أن الدارقطني إنما قال قوله هذا في غير من ترجم له الحافظ ابن حجر.
وأما قول الحافظ ابن حجر بعد أن نقل قول الدارقطني: فما أدري أهو التميمي أو غيره٤. فالجواب عنه أن الدارقطني إنما قال: مجهول بعد أن ذكر حديث موسى بن أبي عائشة عن حفص بن أبي حفص عن أبي رافع عن أبي بكر ﵁ "٥ الحديث.
ويظهر أن الحافظ ابن حجر ذهب أخيرًا إلى أن حفص بن أبي حفص الذي يروي عن أبي رافع ليس هو التميمي، وذلك أنه قال في موضع آخر: "ثم وجدت الخطيب فرق بينهما في المتفق والمفترق "٦. والله أعلم.
_________________
(١) ١ ميزان الاعتدال (٢/٨٠) . ٢ ميزان الاعتدال (٢/٩٢) . ٣ انظر: لسان الميزان (٢/٣٢٢) . ٤ المرجع السابق. ٥ علل الدارقطني (١/٢٤١-٢٤٢) . ٦ تعجيل المنفعة (ص٩٨) .
[ ٢ / ٥١١ ]
وممن فرّق أيضًا بين حفص بن أبي حفص التميمي، وحفص بن أبي حفص الذي يروي عنه موسى بن أبي عائشة ويروي عن أبي رافع: البخاري١ وابن أبي حاتم٢.
فمما سبق يترجح أن حفص بن أبي حفص الذي يروي عن أبي رافع ليس هو التميمي وإنما هو غيره.
وعلى هذا فإن هذا الإسناد ضعيف لحال حفص بن أبي حفص، وقال أبو حاتم عن هذا الحديث: حديث منكر٣.
وقال الدارقطني: "الحديث غير ثابتٍ عن أبي رافع"٤.
الطريق الثانية: محمد بن السائب الكلبي عن أخيه سلمة٥ بن السائب عن أبي رافعٍ به:
أخرجه عبد الرزاق٦، وابن أبي شيبة٧، وعبد بن حميد٨، وأبو بكر الأموي المروزي٩، وأبو يعلى الموصلي١٠. كلهم من طرقٍ عن محمد بن السائب الكلبي به. ورواه إسحاق بن
_________________
(١) ١ التاريخ الكبير (١/٣٦١،٣٦٨) . ٢ الجرح والتعديل (٣/١٧٤،١٨٩) . ٣ المرجع السابق (٣/١٨٩) . ٤ علل الدارقطني (١/٢٤٢) . ٥ وقع في المطبوع من مصنفي عبد الرزاق وابن أبي شيبة: "أبو سلمة"، وهو خطأ. ٦ مصنف عبد الرزاق (٨/١٢٤) . ٧ مصنف ابن أبي شيبة (٥/٢٩٩) . ٨ المنتخب (١/٣٤) . ٩ مسند أبي بكر الصديق (ص١٢٤،١٢٥،١٢٨) . ١٠ مسند أبي يعلى الموصلي (١/٥٥،٥٦) .
[ ٢ / ٥١٢ ]
راهويه١ بإسناده عن محمد بن السائب عن أخيه سلمة عن أسامة بن زيد عن أبي رافع به.
ومحمد بن السائب الكلبي لا يعتبر به. قال البزار: أجمع أهل العلم بالنقل على ترك حديثه٢. انتهى. وهو متهم بالكذب ورمي بالرفض٣.
فمما سبق يتبين أن هذا الحديث لا يصح عن أبي بكر الصديق ﵁ مرفوعًا إلى النبي ﷺ.
ولكن رواه إسحاق بن راهويه٤، والطحاوي٥ بإسنادهما عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، قال: كتب أبو بكر الصديق إلى أمراء الأجناد حين قدم الشام: أما بعد، فإنكم قد هبطتم أرض الربا، فلا تتبايعوا الذهب بالذهب إلا وزنًا بوزن، ولا الورق بالورق، إلا وزنًا بوزن، ولا الطعام بالطعام، إلا كيلًا بكيل". قال أبو قيس: قرأت كتابه. انتهى. هذا لفظ الطحاوي. قال البوصيري: إسناده صحيح٦.
وهذا موقوف على أبي بكر الصديق، وفي إسناده موسى بن عُلَيّ بن رباح، قال فيه ابن سعد، وابن معين، وأحمد٧،
_________________
(١) ١ إتحاف الخيرة المهرة (ص٢٣٦-٢٣٧) . وانظر: المطالب العالية (١/٣٨٧-٣٨٨) . ٢ مسند البزار (١/١١١) . ٣ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٥٩٠١) . ٤ إتحاف الخيرة المهرة (ص٢٣٩-٢٤٠) . وانظر: المطالب العالية (١/٣٨٨) . ٥ شرح معاني الآثار (٤/٧٠) . ٦ إتحاف الخيرة المهرة (ص٢٤٠) . ٧ تهذيب التهذيب (١٠/٣٦٣) .
[ ٢ / ٥١٣ ]
والبخاري١، والعجلي، وأبو حاتم، والنسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات.
ونقل الساجي أن ابن معين قال فيه: ليس بالقوي٢. وهذا النقل عن ابن معين معارض برواياتٍ أخرى عن ابن معين في توثيقه وهي أكثر.
وأما قول ابن عبد البر: ما انفرد به فليس بالقوي٣، فهو معارض بأقوال الأئمة السابقين، وقولهم مقدم.
ولذلك فإن قول ابن حجر في موسى بن علي: "صدوق ربما أخطأ"٤، لا يتوافق مع نقله عن أئمة الجرح والتعديل فيه. وحقُّه أن يكون ثقةً. ولذلك فإن قول الذهبي فيه: "ثبت صالح"٥ أولى من قول الحافظ ابن حجر. والله أعلم.
فعلى هذا فإن هذا الإسناد إسناد صحيح موقوف على أبي بكر الصديق ﵁.
ورواه موقوفًا أيضًا ابن عبد البر. فقد روى بإسناده٦ عن أبي صالح قال: كتب أبو بكر الصديق ﵁ إلى عماله: "ألا يشتروا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل، ولا الفضة بالفضة إلا مثلًا
_________________
(١) ١ علل الترمذي الكبير (٢/٩٧٢) . ٢ تهذيب التهذيب (١٠/٣٦٤) . ٣ المرجع السابق. ٤ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٦٩٩٤) . ٥ الكاشف (٣/١٨٧) . ٦ التمهيد (٤/٨٤) .
[ ٢ / ٥١٤ ]
بمثل، ولا الحنطة بالحنطة إلا مثلًا بمثل، ولا الشعير بالشعير إلا مثلًا بمثل، ولا التمر بالتمر إلا مثلًا بمثل". وإسناد ابن عبد البر رجاله ثقات، إلا أن أبا صالح السَّمّان لم يسمع من أبي بكر الصديق.
قال أبو زرعة: "أبو صالح ذكوان عن أبي بكر الصديق ﵁ مرسل"١.
ورواه موقوفًا أيضًا مسدد٢، فرواه بإسناده عن ابن سيرين "أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر نهوا عن الصرف". وإسناد مسدد رجاله ثقات، إلا أنه مرسل باعتبار روايته عن النبي صلى الله عليه وسلم٣، ومنقطع باعتبار روايته عن أبي بكر الصديق، فإن محمد بن سيرين لم يدرك أبا بكر رضي الله عنه٤. إلا أنه يشهد له ما تقدم عن أبي بكر.
ومما سبق يتبين أن الحديث المروي عن أبي بكر الصديق ﵁ مرفوعًا إلى النبي ﷺ لا يثبت، وإنما الثابت عن أبي بكر الصديق هو الحديث الموقوف عليه، وأما الرفع فقد صح من غير طريق أبي بكر الصديق ﵁ كما جاء في هذا الفصل. والله أعلم.
_________________
(١) ١ المراسيل، لابن أبي حاتم (ص٥٣) . ٢ إتحاف الخيرة المهرة (ص٢٠٣) . ٣ تقدم أن محمد بن سيرين سمع هذا من مسلم بن يسار عن عبادة ﵁، وذلك في الطريق الرابعة من حديث عبادة بن الصامت ﵁، رقم (١٤٨) . ٤ المراسيل، لابن أبي حاتم (ص١٥١) .
[ ٢ / ٥١٥ ]
١٥٩ - (٢٠) عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم، لا فضل بينهما، فمن كانت له حاجة بورق فليصطرفها بذهب، ومن كانت له حاجة بذهب، فليصطرفها بالورق، والصرف هاءَ وهاءَ".
رواه ابن ماجه١ واللفظ له، وابن جرير٢، والطبراني٣، والدارقطني٤، والحاكم٥، وأبو بكر بن المقريء٦. كلهم من طرقٍ عن إبراهيم بن محمد بن العباس أبو إسحاق الشافعي عن أبيه محمد بن العباس الشافعي، ثم اختلفوا عليه.
فرواه ابن ماجه والطبراني وأبو بكر بن المقرئ عنه عن أبيه عباس بن عثمان بن شافع عن عمر بن محمد بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن جده به.
ورواه ابن جرير عنه - أي عن محمد بن العباس الشافعي - عن عمر بن محمد بن علي به - بدون ذكر عباس بن عثمان بن شافع -.
ورواه الدارقطني والحاكم عنه عن عمر بن محمد عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب ﵁ به.
وعند الحاكم "عمر بن محمد بن زيد" وهو ابن عبد الله بن عمر العدوي. وذكر الحافظ ابن حجر٧ أن عمر بن محمد الوارد في إسناد الدارقطني هو عمر بن محمد ابن عمر بن علي بن أبي طالب.
_________________
(١) ١ سنن ابن ماجه [كتاب التجارات (٢/٧٦٠)] . ٢ تهذيب الآثار (٢/٧٦،٨١) . ٣ المعجم الأوسط (٦/٢٥٩) . ٤ سنن الدارقطني (٣/٢٥) . ٥ المستدرك (٢/٤٩) . ٦ معجم شيوخ أبي بكر بن المقرئ (٣/٨٢٢) . ٧ إتحاف المهرة (ج٤/ القسم الثاني، ص١٠) . ولم أجد للنقّاد كلامًا في عمر بن محمد بن عمر هذا حسب ما اطلعت عليه. والله أعلم.
[ ٢ / ٥١٦ ]
وهذا الاضطراب في الإسناد لعل سببه محمد بن العباس الشافعي، فإنه لم يوثقه غير ابن حبان١، وتسامح فيه الحافظ ابن حجر فقال فيه: "صدوق"٢، وكان على اصطلاحه ينبغي أن يكون مقبولًا.
وإسناد ابن ماجه فيه عباس بن عثمان بن شافع لا يعرف حاله٣. وعمر بن محمد بن علي بن أبي طالب مجهول الحال٤. ولذلك حكم عليه البوصيري بالضعف، فقال: "هذا إسناد ضعيف"٥.
وأما قول الحاكم عنه: حديث غريب صحيح، ففيه نظر؛ لجهالة محمد بن العباس الشافعي، واضطراب إسناده.
ومما سبق يتبين أن الحديث ضعيف بهذا الإسناد لجهالة محمد بن العباس الشافعي، وللاضطراب الواقع في إسناده. ومعنى الحديث ثابت في أحاديث أخرى. والله أعلم.
إلا أنه قد ثبت موقوفًا عن علي ﵁ أنه نهى عن الصرف، فقد روى مسدَّد٦ بإسنادٍ صحيح رواته أئمة ثقات عن سعيد بن المسيب "أن عليًا وعثمان نهيا عن الصرف".
وروى عبد الرزاق٧، والطحاوي٨ أيضًا عن علي ﵁ ما يدل على أنه كان ينهى عن الصرف إلا مثلًا بمثل. والله أعلم.
_________________
(١) ١ الثقات (٩/٥٤)، وانظر: تهذيب التهذيب (٩/٢٤٧) . ٢ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٥٩٩٨) . ٣ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٣١٧٩) . ٤ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٤٩٦٧) . ٥ مصباح الزجاجة (٢/١٩٥) . ٦ إتحاف الخيرة المهرة (ص٢٠٢-٢٠٣) . ٧ المصنف (٨/١٢٤) . ٨ شرح معاني الآثار (٤/٧٠) .
[ ٢ / ٥١٧ ]
١٦٠ - (٢١) عن سعيد بن المسيب قال: "لا ربا إلا في ذهبٍ أو فضة، أو مما يكال أو يوزن، بما يؤكل أو يشرب".
رواه مالك١، والبيهقي٢ بإسنادهما عن سعيد بن المسيب.
ورواه الدارقطني٣ بإسناده عن المبارك بن مجاهد عن مالك عن أبي الزناد عن سعيد بن المسيب عن النبي ﷺ.
قال الدارقطني: "هذا مرسل، وهم المبارك على مالك برفعه إلى النبي ﷺ، وإنما هو من قول سعيد بن المسيب، مرسل".
وقال عبد الحق الإشبيلي٤ نحو ما قال الدارقطني.
قال ابن القطان: "ليست هذه علته، وإنما علته أن المبارك بن مجاهد ضعيف، ومع ضعفه انفرد عن مالك برفعه، والناس رووه عنه موقوفًا"٥.
ويظهر أن نتيجة قول ابن القطان هي نتيجة قول الدارقطني وعبد الحق، وذلك أن ترجيحهما كون الحديث من قول سعيد بن المسيب، والحكم على رواية المبارك بالوهم يغني عن بيان حال المبارك.
وقد سبق أن الحديث في الموطأ من قول سعيد بن المسيب.
وأما المبارك بن مجاهد، فهو أبو الأزهر الخراساني المروزي، ضعفه قتيبة، وأبو أحمد الحاكم، وابن حبان، وذكره ابن الجارود، والدولابي، والعقيلي في الضعفاء، وقال أبو حاتم الرازي: ما أرى بحديثه بأسًا٦.
_________________
(١) ١ الموطأ (٢/٤٩٣) . ٢ السنن الكبرى (٥/٢٨٦) . ٣ سنن الدارقطني (٣/١٤) . ٤ نصب الراية (٤/٣٧) . ٥ المرجع السابق. ٦ لسان الميزان (٥/١٢) .
[ ٢ / ٥١٨ ]
فمما سبق يتبين أن الصواب في هذا الحديث أنه من قول سعيد بن المسيب، وأما رفعه إلى النبي ﷺ فمُنْكَر.
١٦١ - (٢٢) عن عطاء بن أبي رباح قال: جاء بضعة عشر من أصحاب النبي ﷺ إلى ابن عباس فقالوا: نحن أقدم سنًا منك وأعلم برسول الله ﷺ منك، أرأيت حين تحل الصرف وقد سمعنا رسول الله ﷺ ينهى عنه " فذكر الحديث١ عن أسامة ﵁.
رواه إسحاق بن راهويه٢ عن محمد بن بكر أنبا إسماعيل بن عبد الملك بن أبي الصُّفيرا٣ به.
ومحمد بن بكر هو ابن عثمان البرساني البصري، قال عنه أحمد: صالح الحديث. وقال ابن معين وأبو داود والعجلي: ثقة. وقال أبو حاتم: شيخ محلّه الصدق. وقال النسائي: ليس بالقوي٤.
وخلص فيه الحافظ ابن حجر إلى أنه: صدوق قد يخطئ٥.
وأما إسماعيل بن عبد الملك بن أبي الصفيرا، فقد قال عنه ابن مهدي: اضرب على حديثه. وقال ابن معين: ليس به بأس، وقال مرّة: ليس بالقوي. وكذا قال النسائي. وقال أحمد: منكر الحديث، وذكر له أحمد حديثًا منكرًا عن عطاء بن أبي رباح. وقال البخاري: يكتب حديثه.
_________________
(١) ١ يعني حديث: "لا ربا إلا في النسيئة". ٢ إتحاف الخيرة المهرة (ص٢٢٤) . ٣ قال ابن حجر: بالمهملة والفاء، مصغرًا. التقريب: رقم الترجمة (٤٦٥) . ٤ تهذيب التهذيب (٩/٧٧-٧٨) . ٥ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٥٧٦٠) .
[ ٢ / ٥١٩ ]
وقال أبو حاتم: ليس بقويٍ في الحديث وليس حده الترك. وقال ابن حبان: سيء الحفظ رديء الفهم١.
وجعله ابن حجر في مرتبة: صدوق كثير الوهم٢.
فعلى هذا فإن هذا الإسناد ضعيف لضعف إسماعيل بن عبد الملك بن أبي الصُّفيرا، ولم يتابع على ذكر هؤلاء العدة من الصحابة. قال ابن حجر: "لم يخرجوا هذا السياق عن هذه العدة من الصحابة، وإسماعيل فيه كلام"٣ انتهى.
وقال البوصيري٤ نحو قول الحافظ ابن حجر.
_________________
(١) ١ تهذيب التهذيب (١/٣١٦-٣١٧) . ٢ تقري التهذيب: رقم الترجمة (٤٦٥) . ٣ المطالب العالية (١/٣٩٠) . ٤ إتحاف الخيرة المهرة (ص٢٢٤) .
[ ٢ / ٥٢٠ ]
دلالة الأحاديث السابقة:
يستفاد مما تقدم النهي عن الربا.
والربا لغةً: الزيادة. يقال: ربا الشيء يربو ربوًا ورباءً، زاد ونما، وأربيته: نمّيته، وفي التنزيل: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ ١.
أما في الشرع، فيختلف باختلاف نوعه. ويمكن تقسيم أنواعه إلى قسمين:
١ - ربا الدَّين: وهو أن يقول صاحب الدين للمدين: إما أن تقضي الدين وإما أن تربي، أي تزيد فيه، فيزيد في الدين ويؤخر الأجل. وهذا هو ربا الجاهلية٢. ويدخل فيه ربا القرض٣، ويقصد به اشتراط نفعٍ للمقرض؛ لأنه جعل الزيادة - وهو النفع - في مقابل الدَّين.
وإذا كان ما حصل به القرض من الأموال الربوية، فيدخل أيضًا في ربا البيع الذي سوف يأتي؛ لأن القرض من باب الإرفاق والإحسان، فإذا اشترط فيه نفع للمقرض أصبح من باب المعاوضات والبيع.
٢ - ربا البيع: وهو مختص بالأصناف التي يجري فيها الربا، وهو على قسمين:
_________________
(١) ١ لسان العرب (١٤/٣٠٤ - مادة: ربو) . والآية في سورة البقرة (٢٧٦) . ٢ انظر: بداية المجتهد (٢/١٥٣)، الموافقات (٤/٢٢) . ٣ للشيخ ظفر أحمد العثماني رسالة بعنوان: "كشف الدجى عن وجه الربا"، مطبوعة في آخر المجلد الرابع عشر من كتابه "إعلاء السنن"، بيّن فيها أن الزيادة المشروطة في القرض من الربا المنهي عنه. وهي رسالة قيّمة في بابها.
[ ٢ / ٥٢١ ]
أ - ربا نسيئة: وهو أن يُشترط أجل في أحد العوضين١. وهذا يكون في بيع كل ربويين سواءً اتفقا في الجنس أو اختلفا.
ب - ربا فضل: وهو بيع ما يجري فيه الربا بمثله مع زيادةٍ في أحدهما. ومن التعريف يعلم أن ربا الفضل لا يكون إلا في بيع الجنسين المتفقين من الأموال الربوية.
ويزيد بعض العلماء نوعًا آخر من أنواع الربا وهو ربا اليد، ويعنون به تأخير القبض في أحد العوضين، أي أن يفارق أحدهما مجلس العقد قبل التقابض٢. لكن يمكن إرجاع هذا النوع إلى ربا النسيئة، فالمنع من التفرق قبل القبض في الأموال الربوية لئلا يكون سببًا لربا النسيئة، وأيضًا فإن المتعاقدين قد يتعاقدان على الحلول والعادة جارية بصبر أحدهما على الآخر كما يفعل أرباب الحيل، يطلقون العقد وقد تواطئوا على أمرٍ آخر.
والربا محرّم بالكتاب والسنة وإجماع الأمة.
أما في الكتاب فيقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٣، ويقول سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ
_________________
(١) ١ نهاية المحتاج (٣/٤٠٩) . ٢ المرجع السابق. ٣ سورة آل عمران، آية (١٣٠) .
[ ٢ / ٥٢٢ ]
أَثِيمٍ﴾ ١، إلى أن يقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ ٢.
وهذا الربا الوارد في هذه الآيات هو ربا الدَّين الذي سبق التعريف به وأنه هو ربا الجاهلية. قال ذلك مجاهد وقتادة وغيرهما٣.
وقد قال أبو بكر الجصّاص: "والربا الذي كانت العرب تعرفه وتفعله إنما كان قرض الدراهم والدنانير إلى أجل بزيادةٍ على مقدار ما استُقرض على ما يتراضون به"٤.
وقال نحو ذلك ابن عبد البر٥.
وأما ربا البيع فقد بيّنت السنة تحريمه - كما سيأتي -.
وأما الأدلة الواردة من السنة على تحريم الربا، فقد سبق ذكر بعضها في هذا الفصل، وفيها التصريح بتحريمه، وأنه من الموبقات المتوعد صاحبها باللعن والعقوبة في الآخرة.
وقد قال الإمام مالك: "إني تصفحت كتاب الله وسنة نبيه فلم أر شيئًا أشرّ من الربا؛ لأن الله أذن فيه بالحرب"٦.
وللربا مضار كثيرة في عدة نواحي، فمن الناحية الأخلاقية فإن المرابي يكون منطبعًا بتأثير الأثرة والبخل والعبودية للمال والتكالب عليه.
_________________
(١) ١ سورة البقرة، آية (٢٧٥، ٢٧٦) . ٢ سورة البقرة، آية (٢٧٨، ٢٧٩) . ٣ تفسير ابن جرير (٦/٨) . ٤ أحكام القرآن (١/٤٦٥) . ٥ التمهيد (٤/٩١) . ٦ الجامع لأحكام القرآن - تفسير القرطبي - (٣/٣٦٤)، مغني المحتاج (٢/٢٢) .
[ ٢ / ٥٢٣ ]
وأما من الناحية الاجتماعية فإن المجتمع الذي يتعامل أفراده فيما بينهم بالأثرة ولا يساعد فيه أحدٌ غيره إلا أن يرجو منه فائدة راجعة على نفسه، ويستغل الغني الفقير في ضائقته وفقره، فهذا مجتمع لا يمكن أن يقوم ويظل قائمًا على قواعد محكمة، بل يكون متفككًا مشتتًا.
ومن أضراره الاقتصادية الكثيرة، أن أصحاب الأموال لا يتجهون إلى استثمار الأموال في المشاريع النافعة التي يستفيد منها أهل البلد؛ لأنه بالربا الحاصل له من القرض الربوي لا يحتاج إلى هذه الاستثمارات، ولأن هؤلاء يبقون أموالهم في موضعٍ واحدٍ يرجون ارتفاع سعر الربا، وهذا يؤثر في وفرة الأعمال واستهلاك البضائع١.
إلى غير ذلك من مضاره الكثيرة التي لا ينكرها إلا مكابرٌ مادّي.
وقد أجمع العلماء على تحريم ربا الدَّين٢ وربا النسيئة٣.
وأما ربا الفضل فقد صحّ الحديث في تحريمه عن النبي ﷺ من طريق تسعةٍ من الصحابة فيما وقفت عليه، وهم: عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وفضالة بن عبيد، وعبادة بن الصامت، وأبو بكرة، ومعمر، وأبو أسيد الساعدي - ﵃ أجمعين -.
وصحّ موقوفًا عن أبي بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب - ﵄ - وقد سبق ذكر ألفاظهم فيما تقدم من أحاديث هذا الفصل.
_________________
(١) ١ انظر: الربا، للمودودي (ص٥٠-٦٢) . ٢ بداية المجتهد (٢/١٥٣)، أضواء البيان (١/٢٣٠) . ٣ الإجماع (ص١١٧-١١٨)، بداية المجتهد (٢/١٥٣) .
[ ٢ / ٥٢٤ ]
وخالف في هذا عبد الله بن عمر وابن عباس ﵄ فكانا لا يريان بربا الفضل بأسًا، إلا أنه قد صح - كما سبق - عن ابن عمر - ﵄ - رجوعه عن قوله هذا إلى القول بتحريمه. وأما ابن عباس - ﵄ - فاختلفت الرواية عنه، وقد سبق أن الراجح عنه هو رجوعه عن قوله بإباحة ربا الفضل أيضًا - والله أعلم -.
وعلى كلٍ فإنه كما قال ابن عبد البر: رجع ابن عباس – ﵄ - أو لم يرجع فالسنة كافية عن قول كل أحدٍ، ومن خالفها جهلًا بها ردَّ إليها. قال عمر بن الخطاب ﵁: ردُّوا الجهالات إلى السنة١.
وذكر بعض العلماء عن البراء بن عازب وزيد بن أرقم - ﵄ - إباحة ربا الفضل أيضًا، وقد سبق أن هذا النقل لا يصح عنهما٢. والله أعلم.
وقد جاء في روايةٍ عن ابن مسعود ﵁ أنه كان يرى إباحة ربا الفضل ثم رجع عن ذلك. رواه البيهقي٣. إلا أن هذه الرواية في إسنادها أبو إسحاق السبيعي وهو مدلّس٤، ولم يصرّح بالسماع. والله أعلم.
وأما حديث أسامة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إنما الربا في النسيئة"٥، فظاهره أنه لا بأس بربا الفضل، إلا أن العلماء أجابوا عن حديث أسامة ﵁ هذا بعدة أجوبة منها:
_________________
(١) ١ الاستذكار (١٩/٢١٢) . ٢ عند حديث رقم (١٤٥) . ٣ السنن الكبرى (٥/٢٨٢) . ٤ تعريف أهل التقديس (ص١٠١) . وقد ذكره الحافظ في المرتبة الثالثة من المدلسين. ٥ سبق ذكره عند الطريق الثامنة من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
[ ٢ / ٥٢٥ ]
١ - لعل الحديث وارد في جنسين مختلفين لا جنس واحد، وأن أسامة ﵁ لم يدرك أول الحادثة التي ورد فيها الحديث١.
٢ - أنه رواية صحابي واحد، وروايات منع ربا الفضل عن جماعةٍ من أصحاب النبي ﷺ، ورواية الجماعة أقوى وأثبت وأبعد من الخطأ من رواية الواحد.
٣ - أن حديث أسامة مجمل، وحديث غيره مبيَّن. فوجب العمل بالمبين وتنزيل المجمل عليه.
٤ - أن حديث أسامة المقصود به حصر الكمال.
٥ - أن حديث أسامة فيه نفي تحريم ربا الفضل بالمفهوم، فيقدم عليه أحاديث الجماعة والتي فيها التحريم؛ لأن دلالتها بالمنطوق.
٦ - ذهب بعضهم إلى أن حديث أسامة في إباحة ربا الفضل منسوخ بأحاديث التحريم، ولذا ذكره بعض من ألف في ناسخ الحديث ومنسوخه، كالحازمي٢ والجعبري٣.
وغيرها من الأجوبة٤.
هذا فيما يتعلق في حكم الربا.
أما ما يجري فيه الربا فالأحاديث التي سبق ذكرها في هذا الفصل لم تعين إلا ستة أصناف مما يجري فيه الربا وهي: الذهب، والفضة، والبر، والشعير، والتمر، والملح. فهل هناك ما يلحق بهذه المذكورة أم لا؟ فإن كان هناك ما يلحق بها ويقاس عليها فما هي العلة الجامعة بينها؟
_________________
(١) ١ ذكره نحو هذا الجواب الإمام الشافعي. انظر: الحاوي الكبير (٥/٧٦-٧٧) . ٢ الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار (ص١٦٤-١٦٥) . ٣ رسوخ الأحبار في منسوخ الأخبار (ص٤١٤) . ٤ انظر في الأجوبة عن هذا الحديث: شرح صحيح مسلم (١١/٣٥)، فتح الباري (٤/٤٤٧) .
[ ٢ / ٥٢٦ ]
ذهب طاوس وقتادة وابن عقيل من الحنابلة١ والظاهرية٢ إلى القول بأن الربا مقصور على الأصناف الستة الواردة في الحديث، وخالفهم جمهور العلماء، فقالوا بأن هناك غير هذه الأصناف الستة مما يحرم فيه الربا. واختلفوا في العلة الموجودة في هذه الأصناف الستة والتي من أجلها حرم الربا فيها حتى يقاس عليها غيرها مما فيه نفس العلة.
فعند الحنفية أن علة الربا في الأشياء الأربعة المنصوص عليها من غير الذهب والفضة هي الكيل مع الجنس. وفي الذهب والفضة الوزن مع الجنس. فلا تتحقق العلة إلا باجتماع الوصفين، وهما: القدر والجنس٣. وهذا القول هو المشهور من مذهب الحنابلة٤.
وأما عند المالكية فعلّة الربا في الذهب والفضة هي الثمنية، وفي الأصناف الأربعة الأخرى كونها مطعومة مدخرة مقتاتة. ولم يشترط بعضهم الاقتيات٥.
وأما عند الشافعية فعلّة الربا في الذهب والفضة هي الثمنية أيضًا. وأما الأصناف الأربعة فالقديم من قول الشافعي أن العلة فيها هي كونها مطعوم جنسٍ مكيلًا أو موزونًا. وفي الجديد أن على الربا فيها هي الطعم مطلقًا٦.
وأما عند الحنابلة فسبق أن المشهور من المذهب هو كقول أبي حنيفة. وفي رواية كمذهب الشافعي في الجديد٧. وفي رواية أخرى كمذهب الشافعي في القديم٨، وهي اختيار ابن قدامة٩.
_________________
(١) ١ شرح الزركشي (٣/٤١٣) . ٢ المحلى (٤/٤٦٨) . ٣ بدائع الصنائع (٥/١٨٣)، البناية في شرح الهداية (٧/٣٣٨-٣٣٩) . ٤ شرح الزركشي (٣/٤١٤)، منتهى الإرادات (١/٣٧٥) . ٥ الخرشي على مختصر خليل (٣/٥٧)، بداية المجتهد (٢/١٥٥) . ٦ المجموع (٩/٤٩٩-٥٠٢) . ٧ شرح الزركشي (٣/٤١٦) . ٨ شرح الزركشي (٣/٤١٧) . ٩ المغني (٤/١٣٩) .
[ ٢ / ٥٢٧ ]
ويظهر لي والله أعلم أن الأحاديث قد جاء في بعضها ذكر الذهب والفضة، وجاء في بعضها الآخر ذكر الدينار والدرهم، فإذا كان ذهبًا مصوغًا، أو تبرًا، فهو من جنس الذهب، وكذلك الفضة المصوغة حليًا، أو تبرًا، فإنها من جنس الفضة فالعلة فيها كونها ذهبًا أو فضة١، وأما الدينار والدرهم فالعلة فيهما كونهما أثمانًا؛ لأن هذا المعنى هو الذي يجري التعامل فيهما لأجله؛ فعلى هذا فالعلة فيهما متعدية في كل ما تعارف الناس عليه في أنه
_________________
(١) ١ يرى شيخ الإسلام ابن تيمية جواز بيع المصوغ من الذهب والفضة بجنسه من الأثمان، [كالدنانير وهي من الذهب، والدراهم وهي من الفضة] من غير اشتراط التماثل، ويجعل الزائد في مقابلة الصنعة. (تفسير آيات أشكلت ٢/٦٢٢-٦٣١) . قال المرداوي: وعمل الناس عليه. (الإنصاف ٥/١٤) . بل جوز شيخ الإسلام بيع المصوغ بجنسه نسيئة ما لم يقصد كون المصوغ ثمنًا. (تفسير آيات أشكلت ٢/٦٣٢) . والذي حمل شيخ الإسلام على هذا القول قوله إن العلة في الذهب والفضة هي الثمنية فقط، فلو كان ذهبًا وفضة ولم يكن ثمنًا؛ كالذهب المصوغ فإنه لا يدخل في باب الربا، بل ينتقل إلى كونه سلعة من السلع؛ كالثياب وغيرها. وقد تقدم أن الأحاديث قد جاءت في النهي عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة، إلا مثلًا بمثل، يدًا بيد، كما جاءت كذلك في الدينار والدرهم. وقد تقدم في حديث عبادة بن الصامت، وابن عمر وفضالة بن عبيد أن الذهب المصوغ يجري فيه الربا، فإن في حديث فضالة أن الذهب المصوغ؛ وهو ما كان في القلادة أجرى فيه النبي ﷺ أحكام الربا. ويمكن تخريج مسألة بيع الذهب المصوغ بجنسه على مسألة (مد عجوة ودرهم)، وسوف يأتي بيانها، وذلك على القول بأن الذهب إذا كان معه غيره فإنه لا يجوز بيعه بالذهب؛ إلا إذا كان الذهب المفرد أكثر من الذهب المخلوط. فإذا كان هذا فيما إذا كان مع الذهب عين، فكذلك إذا كان فيه صفة، وهي الصياغة هنا، والله أعلم.
[ ٢ / ٥٢٨ ]
ثمن للأشياء؛ كالأوراق النقدية في هذا الزمان. أما الأصناف الأربعة الباقية، فكون العلة فيها الكيل أو الوزن مع كونه مطعومًا هو الأقرب من هذه الأقوال وبه تجتمع الأدلة. واشترط ابن القيم أيضًا أن يكون مقتاتًا؛ كما هو قول المالكية١.
وقد قال سعيد بن المسيب: "لا ربا إلا في ذهب أو فضة، أو مما يكال أو يوزن، مما يؤكل أو يشرب"٢. والله أعلم.
ويستفاد أيضًا من حديث فضالة بن عبيد ﵁ المتقدم النهي عن بيع الذهب بالذهب مع أحدهما، أو معهما شيء غير الذهب؛ سدًا لذريعة الربا، فإن اتخاذ ذلك حيلة على الربا الصريح واقع؛ كبيع مائة درهم في كيس بمائتين؛ جعلًا للمائة في مقابلة الكيس، وقد لا يساوي درهما٣.
ويقاس عليه بيع كل ربوي بجنسه، معهما أو مع أحدهما من غير جنسهما، وهي المسألة المشهورة عند الفقهاء بمسألة (مد عجوة ودرهم) .
وقد ذهب الشافعية٤ والحنابلة٥ في المشهور عندهم إلى تحريم هذه الصورة، وذهب الحنفية٦ إلى الجواز إذا كان الربوي المفرد أكثر من الربوي الذي معه غيره، وهذا القول رواية عن أحمد٧.
_________________
(١) ١ أعلام الموقعين (٢/١٤١) . وانظر تفسير آيات أشكلت (٢/٦١٤،٦٨١) . ٢ انظر حديث رقم (١٦٠) . ٣ الإنصاف (٥/٣٥) . ٤ مغني المحتاج (٢/٢٨) . ٥ الفروع (٤/١٥٩) . ٦ المبسوط (١٢/١٨٩-١٩٠) . ٧ الفروع (٤/١٦٠) . وقد ذكر فيه ترجيح شيخ الإسلام هذا القول في بعض فتاويه.
[ ٢ / ٥٢٩ ]
وذهب مالك١، وأحمد٢ في رواية عنه إلى أن الربوي المخلوط إذا كان غير مقصود، وإنما دخل الربوي ضمنًا جاز؛ كبيع شاة ذات لبن، بشاة ذات لبن، أو سيف محلى بالذهب بذهب، وقد حدد مالك ذلك بأن لا يكون الربوي أكثر من ثلث ما معه. وقد رجح شيخ الإسلام ابن تيمية هذا القول٣.
_________________
(١) ١ الكافي لابن عبد البر (٢/٦٤٠-٦٤١) . ٢ الفتاوى (٢٩/٤٥٨) . ٣ الفتاوى (٢٩/٤٦١-٤٦٢) .
[ ٢ / ٥٣٠ ]