١٢٨ - (١) عن عبد الله بن عمرو - ﵄ - أنه قال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع العُربان".
رواه مالك١ عن الثقة عنده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده به. ومن طريق مالك رواه أبو داود٢، وابن ماجه٣، وأحمد٤، وابن عدي٥، والبيهقي٦، والبغوي٧.
وفي إسناد مالك مبهم. وقد اختلفت الروايات في تعيينه على الأوجه التالية:
أولًا: أنه عبد الله بن لهيعة:
فقد رواه البيهقي٨، وابن عبد البر٩ بإسنادهما عن ابن وهب عن مالك عن ابن لهيعة عن عمرو به.
_________________
(١) ١ الموطأ (٢/٤٧٥) . ٢ سنن أبي داود [كتاب البيوع (٣/٧٦٨)] . ٣ سنن ابن ماجه [كتاب التجارات (٢/٧٣٨)] . ٤ المسند (٢/١٨٣) . ٥ الكامل (٤/١٥٣) . ٦ السنن الكبرى (٥/٣٤٢) . ٧ شرح السنة (٨/١٣٥) . ٨ السنن الكبرى (٥/٣٤٣) . ٩ التمهيد (٢٤/١٧٧)، الاستذكار (١٩/٩) .
[ ١ / ٣٧٩ ]
قال ابن عبد البر: "المعروف فيه: ابن وهب عن ابن لهيعة". وقال في موضع آخر: "هو في موطأ ابن وهب عن ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب". قال: "وقد قيل إن مالكًا أخذه عن ابن وهب عن ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب ".
والذي يظهر لي أن هذا القول الأخير الذي حكاه ابن عبد البر ضعيف، وذلك أن ابن وهب هو ممن روى عن مالك هذا الحديث، فلا يمكن أن يكون هو الذي حدث مالكًا به. وأما كون ابن وهب قد رواه عن ابن لهيعة، فالجواب عنه أن ابن وهب سمع الحديث من مالك عن ابن لهيعة، وسمعه من ابن لهيعة بدون واسطة. والله أعلم.
وقد تابع مالكًا وابن وهب في الرواية عن ابن لهيعة، قتيبة بن سعيد فيما رواه ابن عدي١، ومن طريقه البيهقي٢.
وابن لهيعة قد تقدم الكلام فيه٣ وأنه ضعيف.
وفي هذا الإسناد علة أخرى، وهي الانقطاع بين ابن لهيعة وعمرو بن شعيب. فقد قال أبو حاتم: "لم يسمع ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب شيئًا"٤. وقال أبو داود: "إنما سمع ابن لهيعة من عمرو بن شعيب ثلاثة أشياء أو أربعة"٥.
_________________
(١) ١ الكامل (٤/١٥٣) . ٢ السنن الكبرى (٥/٣٤٣) . ٣ تقدم عند حديث رقم (١) . ٤ هذه الترجمة غير موجودة في النسخة المطبوعة التي اعتمدتها من المراسيل لأبي حاتم، وهي موجودة في النسخة التي حققها: شكر الله بن نعمة الله (ص١١٤)، وقد نقلها العلائي في جامع التحصيل (ص٢٦٣) . ٥ سؤالات الآجري لأبي داود (جـ٥/٣٤٥-٣٤٦) .
[ ١ / ٣٨٠ ]
وممن كان يرى أن ابن لهيعة لم يسمع من عمرو بن شعيب ابنُ وهب١.
وعبد الله بن لهيعة مدلِّس٢، فلا يقبل من حديثه إلا ما صرّح فيه بالسماع٣.
ثانيًا: أنه عبد الله بن عامر الأسلمي:
فقد رواه ابن ماجه٤، والبيهقي٥ كلاهما من طريق حبيب بن أبي حبيب عن عبد الله بن عامر الأسلمي به.
وعند البيهقي وقع ذكر مالك بين حبيب وعبد الله بن عامر.
وكذلك فقد ذكر الدارقطني أن حبيب بن أبي حبيب يرويه عن مالك عن عبد الله بن عامر الأسلمي٦.
وأيًّا كان فإن حبيب بن أبي حبيب وهو المصري كاتب مالك متكلّم فيه. فقال فيه أحمد: ليس بثقة. وقال أيضًا: كان يكذب. وقال أبو حاتم: متروك الحديث. وقال: أحاديثه كلها موضوعة. وقال أيضًا:
_________________
(١) ١ تهذيب التهذيب (٥/٣٧٥) . ٢ تعريف أهل التقديس (ص١٥٢)، وقد ذكره الحافظ في المرتبة الخامسة. ٣ وقع تصريح ابن لهيعة بالسماع لهذا الحديث عند ابن عبد البر في التمهيد (٢٤/١٧٧)، إلا أن في إسناده: محمد بن أحمد بن قاسم، ذكره ابن الفرضي في تاريخ علماء الأندلس (٢/٦٦)، ولم أجد من العلماء غيره من تكلم فيه، وباقي الأسانيد عن ابن لهيعة ليس فيها هذا التصريح، فلذلك لم أعتبر هذا التصريح الواقع في رواية ابن عبد البر. ٤ سنن ابن ماجه [كتاب التجارات (٢/٧٣٩)] . ٥ السنن الكبرى (٥/٤٣٢) . ٦ انظر: لسان الميزان (٦/٢١٢) .
[ ١ / ٣٨١ ]
عامة حديثه موضوع المتن مقلوب الإسناد ولا يحتشم حبيب في وضع الحديث على الثقات، وأمره بيِّن في الكذب. وقال أبو داود: كان من أكذب الناس. وقال: كان يضع الحديث. وقال النسائي: متروك، أحاديثه كلها موضوعة عن مالك وغيره١.
فمما تقدم يتبين أن هذه الطريق لا عبرة بها. والله أعلم.
ثالثًا: أنه عمرو بن الحارث:
فقد ذكر الحافظ ابن حجر أن الدارقطني في غرائب مالك، والخطيب البغدادي رويا الحديث بإسنادهما عن الهيثم بن اليمان عن مالك عن عمرو بن الحارث عن عمرو ابن شعيب به٢.
ونقل عن الدارقطني قوله: "تفرد به الهيثم بن اليمان عن مالك عن عمرو بن الحارث، وقد رواه حبيب عن مالك عن عبد الله بن عامر الأسلمي، وقيل: عن ابن لهيعة، وهو في الموطأ عن مالك أنه بلغه عن عمرو بن شعيب"٣.
والهيثم بن اليمان قال فيه أبو حاتم: صالح صدوق. وضعفه الأزدي٤.
هذه هي الأوجه التي وقفت عليها في المبهم الواقع في إسناد مالك. وأقواها هو الوجه الأول، وهو أنه ابن لهيعة، ولذا قال ابن عدي: "يقال إن مالكًا سمع هذا الحديث من ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب، ولم يسمّه لضعفه، والحديث عن ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب مشهور"٥.
_________________
(١) ١ تهذيب التهذيب (٢/١٨١-١٨٢) . ٢ التلخيص الحبير (٣/١٧)، لسان الميزان (٦/٢١٢) . ٣ لسان الميزان (٦/٢١٢) . ٤ المرجع السابق. ٥ الكامل (٤/١٥٣) .
[ ١ / ٣٨٢ ]
فمما سبق يتبين أن الحديث في الموطأ ضعيف؛ لأن فيه راويًا مبهمًا، وأصح ما جاء في هذا المبهم بين مالك وعمرو بن شعيب أنه ابن لهيعة وهو ضعيف، ولم يسمعه من عمرو بن شعيب. والله أعلم.
وقد جاء هذا الحديث من غير طريق مالك، فقد رواه البيهقي١، وابن عبد البر٢ كلاهما من طريق إسحاق بن موسى الأنصاري أبي موسى عن عاصم بن عبد العزيز عن الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب عن عمرو بن شعيب به.
وعاصم بن عبد العزيز، والحارث بن أبي ذباب تقدم الكلام فيهما٣. وأن عاصمًا ضعيف، والحارث صدوق يهم.
وكذلك فإن في إسناد البيهقي محمد بن محمد بن سليمان الباغندي الواسطي، كذبه إبراهيم الأصبهاني. وقال ابن عدي: له أشياء أُنكرت عليه من الأحاديث، وكان مدلِّسًا يدلِّس على ألوان، وأرجو أنه لا يتعمد الكذب٤.
وقال الدارقطني: "مختلط مدلس يكتب عن بعض أصحابه ثم يسقط بينه وبين شيخه ثلاثة، وهو كثير الخطأ".
ووثقه الخطيب وغيره. وقال ابن طاهر: كان لا يكذب، ولكن يحمله الشره على أن يقول حدثنا. وقال الإسماعيلي: لا أتهمه، ولكنه خبيث التدليس ومصحّف أيضًا٥.
_________________
(١) ١ السنن الكبرى (٥/٣٤٣) . ٢ التمهيد (٢٤/١٧٨) . ٣ تقدم الكلام فيهما عند حديث رقم (١٠٢) . ٤ الكامل - لابن عدي - (٦/٣٠٠) . ٥ لسان الميزان (٥/٣٦٠-٣٦١) .
[ ١ / ٣٨٣ ]
وقد تابعه محمد بن موسى الأثط كما عند ابن عبد البر، ولم أجد لمحمد بن موسى هذا ترجمة. والله أعلم.
والمشهور في هذا الباب حديث مالك، وقد سبق أن فيه راوٍ مبهمًا، وأصح ما قيل فيه أنه ابن لهيعة، وهو ضعيف ولم يسمع هذا الحديث من عمرو بن شعيب. والله أعلم.
[ ١ / ٣٨٤ ]
دلالة الأحاديث السابقة:
بيع العربان، ويقال: عُرْبون، وعَرَبون١، وهو ما فسره به مالك حيث قال: "وذلك فيما نرى - والله أعلم - أن يشتري العبد أو الوليدة أو يتكارى الدابة، ثم يقول للذي اشترى منه أو تكارى منه: أُعطيك دينارًا أو درهمًا أو أكثر من ذلك أو أقل على أنِّي إن أخذت السلعة أو ركبت ما تكاريت منك فالذي أعطيك هو من ثمن السلعة أو من كراء الدابة، وإن تركت ابتياع السلعة أو كراء الدابة فما أعطيتك لك"٢.
وقد قال بالنهي عن بيع العربان أبو حنيفة٣، والشافعي٤، ومالك٥ وغيرهم، ورجحه ابن قدامة من الحنابلة٦.
وذلك لما في هذا البيع من بيع القمار والغرر والمخاطرة، وأكل المال بغير عوضٍ ولا هبة، وذلك باطل٧.
والممنوع عندهم هو أن يأخذ صاحب السلعة ما جعله المشتري عربانًا لها إذا ترك الشراء لها، وأما إذا أراد شراءها فحسب هذا العربان من ثمن السلعة، فهذا لا خلاف بينهم في جوازه٨.
_________________
(١) ١ النهاية (٣/٢٠٢) . ٢ الموطأ (٢/٤٧٥) . ٣ لم أقف على قول الحنفية في كتبهم، ولكن ذكر هذا المذهب عنهم جملة من العلماء؛ منهم الإمام النووي في المجموع (٩/٣٢٦) . ٤ مغني المحتاج (٢/٣٩) . ٥ شرح الخرشي على مختصر خليل (٥/٨٧) . ٦ المغني (٤/٣١٣) . ٧ التمهيد (٢٤/١٧٩) . ٨ المرجع السابق.
[ ١ / ٣٨٥ ]
وأما أحمد فلا يرى بأسًا في بيع العربان١؛ لضعف الحديث الوارد في النهي عنه كما تقدم بيانه. واستدل بقصة عمر ﵁، والتي رواها عبد الرزاق وابن أبي شيبة وغيرهما عن عمرو بن دينار عن عبد الرحمن بن فروخ مولى عمر "أن نافع بن عبد الحارث اشترى دارًا للسجن من صفوان بن أمية بأربعة آلاف درهم، فإن رضي عمر فالبيع له، وإن عمر لم يرض فأربعمائة لصفوان". وقد سبق تخريج هذا الحديث٢.
وقد قال بهذا القول أيضًا في إجازة بيع العربان مجاهد وابن سيرين وغيرهما٣.
ومما يؤيد هذا القول أن البائع قد يتضرر بحبس السلعة إذا لم يشترها المشتري، فالثمن الذي قدمه المشتري عربانًا يكون عوضًا عن الضرر الذي لحق البائع من الحبس. والله أعلم.
ومن أسباب الخلاف في هذه المسألة بين الجمهور وأحمد، أن أحمد يجيز البيع بشرطٍ واحدٍ، والجمهور يمنعون منه كما سبق في الفصل السابق. والله أعلم.
_________________
(١) ١ المغني (٤/٣١٣) . ٢ سبق تخريج الحديث (ص٢٠٢ ---- تقريبًا) . ٣ مصنف ابن أبي شيبة (٥/٣٩٢) .
[ ١ / ٣٨٦ ]