٧٤ - (٢) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يباع فضل الماء ليباع به الكلأ".
رواه البخاري١، ومسلم٢ واللفظ له، وأبو داود٣، والترمذي٤، وابن ماجه٥، ومالك٦، وأحمد٧، كلهم من طرقٍ عنه به.
ولفظ البخاري وغيره: "لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ".
وفسَّر سفيان بن عيينة الحديث بقوله: "يكون حول بئرك الكلأ فتمنعهم فضل مائك فلا يعودون أن يرعوا"٨.
ورواه ابن ماجه٩ أيضًا، وابن الجارود١٠، كلاهما من طريق سفيان بن عيينة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ بلفظ: "ثلاث لا يمنعن: الماء والكلأ والنار".
_________________
(١) ١ صحيح البخاري - مع الفتح -[كتاب الشرب والمساقاة (٥/رقم ٢٣٥٣،٢٣٥٤)، كتاب الحيل (١٢/رقم ٦٩٦٢)] . ٢ صحيح مسلم [كتاب المساقاة (٣/١١٩٨)] . ٣ سنن أبي داود [كتاب البيوع (٣/٣٤٧)] . ٤ جامع الترمذي [كتاب البيوع (٣/٥٧٢)] . ٥ سنن ابن ماجه [كتاب الرهون (٢/٨٢٨)] . ٦ الموطأ (٢/٥٧١) . ٧ المسند (٢/٢٤٤، ٢٧٣،٣٠٩،٣٦٠،٤٩٤) . ٨ المسند (٢/٢٤٤) ووقع في المطبوع "يدعو"، والصواب "يرعوا". ٩ سنن ابن ماجه [كتاب الرهون (٢/٨٢٦)] . ١٠ المنتقى - المطبوع مع تخريجه غوث المكدود - (٢/١٧٨-١٧٩) .
[ ١ / ٢٤٣ ]
قال البوصيري: "هذا إسناد صحيح ورجاله ثقات"١.
وقال الحافظ ابن حجر: "إسناده صحيح"٢.
ورواه أحمد٣، ونحوه ابن حبان٤ بلفظ: "لا تبيعوا فضل الماء، ولا تمنعوا الكلأ فيهزل المال ويجوع العيال".
قال الهيثمي: "رجاله ثقات"٥.
وفي قوله نظر، وذلك أن الراوي عن أبي هريرة ﵁ وهو أبو سعيد٦ مولى غفار، لم يوثقه غير ابن حبان٧. إلا أنه يعتضد بما روى ابن ماجه والذي فيه النهي عن منع الماء والكلأ، فيكون به حسنًا لغيره. والله أعلم.
ونحوه لفظ أحمد أيضًا: "لا يمنع فضل ماءٍ بعد أن يستغنى عنه، ولا فضل مرعى"٨.
وفي إسناده عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي، وثقه علي بن المديني، وابن معين، وأحمد، وابن نمير، ويعقوب بن شيبة٩ وغيرهم. إلا أنه اختلط، والراوي عنه في هذا الإسناد هو يزيد بن هارون، وهو ممن سمع منه بعد الاختلاط١٠.
_________________
(١) ١ مصباح الزجاجة (٢/٢٦٦) . ٢ فتح الباري (٥/٤٠) . وانظر: التلخيص الحبير (٣/٦٥) . ٣ المسند (٢/٤٢٠) . ٤ الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان (١١/٣٣٢) . ٥ مجمع الزوائد (٤/١٢٧) . ٦ هكذا وقع في المسند. ٧ الثقات (٥/٥٧٣،٥٨٢)، وعنده "أبو سعد" بدلًا من "أبي سعيد". وانظر في ذلك: تعجيل المنفعة (ص٤٨٨-٤٨٩) . ٨ المسند (٢/٥٠٦) . ٩ تهذيب التهذيب (٦/٢١٠-٢١١) . ١٠ الكواكب النيرات (ص٢٨٨) .
[ ١ / ٢٤٤ ]
وأيضًا في إسناده عمران بن عمير، قال فيه الحسيني: فيه جهالة. وقال أبو زرعة العراقي: لا أعرفه١.
فعلى هذا فإن هذا الإسناد ضعيف، إلا أنه يعتضد بما سبق فيكون حسنًا لغيره. والله أعلم.
٧٥ - (١) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذابٌ أليم: رجل كان له فضل ماءٍ بالطريق فمنعه من ابن السبيل، ورجلٌ بايع إمامه لا يبايعه إلا لدنيا فإن أعطاه منها رضي وإن لم يعطه منها سخط، ورجلٌ أقام سلعته بعد العصر فقال: والله الذي لا إله غيره لقد أُعطيت بها كذا وكذا، فصدَّقه رجل. ثم قرأ هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ ٢".
رواه البخاري٣ واللفظ له، ومسلم٤، وأبو داود٥، والترمذي٦
- مختصرًا -، والنسائي٧، وابن ماجه٨، وأحمد٩، كلهم من طرقٍ عن الأعمش عن أبي صالح عنه به.
_________________
(١) ١ تعجيل المنفعة (ص٢١٩) . ٢ سورة آل عمران، آية (٧٧) . وتمام الآية: ﴿أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ . ٣ صحيح البخاري - مع الفتح-[كتاب الشرب والمساقاة (٥/رقم ٢٣٥٨، ٢٣٦٩)، كتاب الشهادات (٥/رقم ٢٦٧٢)، كتاب الأحكام (١٣/رقم ٧٢١٢)، كتاب التوحيد (١٣/رقم ٧٤٤٦)] . ٤ صحيح مسلم [كتاب الإيمان (١/١٠٣)] . ٥ سنن أبي داود [كتاب البيوع (٣/٧٤٩،٧٥٠)] . ٦ جامع الترمذي [كتاب السِّير (٤/١٢٨)] . ٧ سنن النسائي [كتاب البيوع (٧/٢٤٦-٢٤٧)] . ٨ سنن ابن ماجه [كتاب التجارات (٢/٧٤٤)، كتاب الجهاد (٢/٩٥٨)] . ٩ مسند أحمد (٢/٢٥٣،٤٨٠) .
[ ١ / ٢٤٥ ]
وفي لفظٍ للبخاري ولفظ البقية زيادة: "لا يكلمهم الله".
وفي روايةٍ للبخاري: "ورجلٌ منع فضل ماءٍ فيقول الله يوم القيامة: اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك".
٧٦ - (٣) عن جابر بن عبد الله - ﵄ - قال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع فضل الماء".
رواه مسلم١ وهذا لفظه، والنسائي٢، وابن ماجه٣، وابن أبي شيبة٤، وأحمد٥، وابن حبان٦، والحاكم٧، كلهم من طرقٍ عنه به.
وقال الحاكم: "حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه". هكذا قال، وقد سبق أن مسلمًا أخرجه في صحيحه.
وفي لفظٍ لمسلم والنسائي: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع ضراب الجمل، وعن بيع الماء والأرض لتحرث، فعن ذلك نهى النبي ﷺ".
ولفظ ابن حبان: "نهى النبي ﷺ عن بيع فضل الماء ليمنع به الكلأ".
_________________
(١) ١ صحيح مسلم [كتاب المساقاة (٣/١١٩٧)] . ٢ سنن النسائي [كتاب البيوع (٧/٣٠٦-٣٠٧، ٣١٠)] . ٣ سنن ابن ماجه [كتاب الرهون (٢/٨٧٨)] . ٤ المصنف (٥/١١٠) . ٥ المسند (٣/٣٥٦) . ٦ الإحسان (١١/٣٢٩) . ٧ المستدرك (٢/٤٤،٦١) .
[ ١ / ٢٤٦ ]
٧٧ - (٤) عن إياس بن عبد ﵁ "أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع فضل الماء".
رواه أبو داود١ وهذا لفظه، والترمذي٢، والنسائي٣، وابن ماجه٤، وأحمد٥، والدارمي٦، والطبراني٧، كلهم من طرقٍ عن عمرو بن دينار عن أبي المنهال عبد الرحمن بن مطعم عنه به.
وعند النسائي وابن ماجه وغيرهما أن إياس بن عبد حدّث بهذا الحديث عندما رأى أُناسًا يبيعون الماء. وعند أحمد: أنهم كانوا يبيعون ماء الفرات فنهاهم.
وأبو المنهال عبد الرحمن بن مطعم البناني ثقة٨.
فمما تقدم يتبين أن هذا الحديث صحيح، وهذا الحديث من الأحاديث التي ألزم الدارقطني الشيخين تخريجها٩.
_________________
(١) ١ سنن أبي داود [كتاب البيوع (٣/٧٥١)] . ٢ جامع الترمذي [كتاب البيوع (٣/٥٧١)] . ٣ سنن النسائي [كتاب البيوع (٧/٣٠٧)] . ٤ سنن ابن ماجه [كتاب الرهون (٢/٨٢٨)] . ٥ المسند (٣/٤١٧)، (٤/١٣٨) . ٦ سنن الدارمي (٢/٣٤٨) . ٧ المعجم الكبير (١/٢٦٩،٢٧٠) . ٨ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٤٠٠٧) . ٩ الإلزامات والتتبع (ص١١٥) .
[ ١ / ٢٤٧ ]
٧٨ - (٥) عن رجلٍ من المهاجرين من أصحاب النبي ﷺ ﵁ قال: غزوت مع النبي ﷺ ثلاثًا أسمعه يقول: "المسلمون شركاء في ثلاث: في الكلأ والماء والنار".
رواه أبو داود١، وابن أبي شيبة٢، وأحمد٣، والبخاري في التاريخ الكبير٤ - وساق إسناده ولم يسق تمام لفظه -، وأبو حاتم٥، وابن عدي٦، والبيهقي٧، كلهم من طرقٍ عن حريز بن عثمان عن أبي خداش حِبَّان بن يزيد الشرعبي عنه به.
وعند أبي داود بيان أن هذا الصحابي الراوي لهذا الحديث من قَرَن. ولا يضر الجهل باسمه.
ورواه أبو نعيم٨ بإسناده عن أبي إسحاق الفزاري عن رجلٍ من أهل الشام عن أبي عثمان عن أبي خداش به بنحوه - وفيه قصة - وليس فيه ذكر الرجل من المهاجرين. قال أبو حاتم: "هذا الرجل من أهل الشام هو عندي بقية، وأبو عثمان هو عندي حريز ابن عثمان، وأبو خداش لم يدرك النبي ﷺ إنما حكى عن رجلٍ من أصحاب النبي ﷺ"٩.
_________________
(١) ١ سنن أبي داود [كتاب البيوع (٣/٧٥٠-٧٥١)] . ٢ المصنف (٥/٣٩١) . ٣ المسند (٥/٣٦٤) . ٤ التاريخ الكبير (٣/٨٥) . ٥ علل الحديث (١/٣٢٢-٣٢٣) . ٦ الكامل (٢/٤٥٢) . ٧ السنن الكبرى (٦/١٥٠) . ٨ معرفة الصحابة - مخطوط - (٢/٢٦١- أ) . ٩ علل الحديث (١/٣٢٢) .
[ ١ / ٢٤٨ ]
قال أبو نعيم: "وهو الصواب"١. وقال ابن حجر: "هو كما قال"٢.
وحَرِيز - بفتح الحاء وكسر الراء - بن عثمان، ثقة ثبت رمي بالنصب٣.
وأما أبو خداش حِبَّان بن يزيد الشرعبي الحمصي، فقد ذكره البخاري٤ ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.
ونقل الآجري عن أبي داود أنه قال: "شيوخ حريز كلهم ثقات"٥.
وذكره ابن حبان في الثقات٦. ونقل عبد الحق الإشبيلي عن بعضهم أنه قال فيه: "مجهول" ٧.
ولعل قول أبي داود السابق هو الذي جعل الحافظ ابن حجر يجعله في مرتبة الثقة٨ ويحكم على هذا الإسناد بأن رجاله ثقات٩.
والذي يظهر لي أن الصواب فيه أن يقال ما قاله الذهبي: "شيخ"١٠؛ وذلك لأن قول أبي داود توثيق عام لا يكفي في رفع الجهالة عن الراوي. والحافظ ابن حجر نفسه لم يأخذ بقول أبي داود مطلقًا، فإنه قال في سلمان بن
_________________
(١) ١ معرفة الصحابة (٢/٢٦١- أ) . ٢ التلخيص (٣/٦٥) . ٣ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (١١٨٤) . ٤ التاريخ الكبير (٣/٨٤-٨٥) . ٥ تهذيب التهذيب (٢/٢٣٨) . ٦ الثقات (٤/١٨١) . ٧ الأحكام الوسطى (٣/٢٩٨) . ٨ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (١٠٧٣) . ٩ بلوغ المرام (ص١٩٠) . ١٠ الكاشف (١/١٤٣) .
[ ١ / ٢٤٩ ]
سمير وعبد الرحمن بن ميسرة الحضرمي ويزيد بن صالح - ويقال: صليح - الرحبي، قال في كلٍّ منهم: "مقبول"١ مع رواية حريز بن عثمان عنهم. فكذلك ينبغي له أن يقول في أبي خداش الشرعبي "مقبول". والله أعلم.
فمما تقدم يتبين أن هذا الإسناد ضعيف. إلا أن له شاهدًا من حديث أبي هريرة ﵁ باللفظ الذي رواه ابن ماجه٢، فيكون به حسنًا لغيره. والله أعلم.
٧٩ - (٦) عن قيلة - ﵂ - أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: "المسلم أخو المسلم، يسعهما الماء والشجر، ويتعاونان على الفتَّان".
رواه أبو داود٣ - وفي قصة -، والترمذي٤، وأبو داود الطيالسي٥ - كلاهما مختصرًا -، وأبو عبيد٦ وهذا لفظه، ومن طريقه ابن زنجويه٧، والبخاري في الأدب المفرد٨، والطبراني٩ - وذكر الحديث بطوله -،
_________________
(١) ١ انظر تراجمهم على الترتيب في: تقريب التهذيب: (٢٤٧٥،٤٠٢٢،٧٧٣١) . ٢ تقدم الحديث برقم (٧٥) . ٣ سنن أبي داود [كتاب الخراج والإمارة والفيء (٣/٤٥١-٤٥٢)] . ٤ جامع الترمذي [كتاب الأدب (٥/١٧٦)] . ٥ مسند الطيالسي (ص٢٣٠) . ٦ الأموال (ص٢٧١-٢٧٢) . ٧ الأموال (٢/٦٦٠) . ٨ الأدب المفرد (ص٣٩٠) . ٩ المعجم الكبير (٢٥/٧-١٠) .
[ ١ / ٢٥٠ ]
وأبو نعيم١، كلهم من طرقٍ عن عبد الله بن حسَّان عن جدتيه صفية ودُحيبة ابنتا عليبة وكانتا ربيبتي قيلة عنها به.
قال الترمذي: "حديث قيلة لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن حسَّان".
وعبد الله بن حسّان لم يوثق. ولذا قال فيه الحافظ ابن حجر: "مقبول"٢. وأما الذهبي فقال فيه: "ثقة"٣، ولعل توثيقه له على قاعدته التي مرَّ ذكرها٤ وهي قوله: "الجمهور على أن من كان من المشايخ قد روى عنه جماعة ولم يأت بما ينكر عليه أن حديثه صحيح". وتقدم جواب الحافظ ابن حجر على قوله هذا.
وصفية ودُحيبة لم يوثقهما غير ابن حبان٥ أيضًا. وقد ذكرهما الذهبي في النساء المجهولات٦. وقال الحافظ ابن حجر في كلٍ منهما: "مقبولة"٧.
فمما تقدم يتبين أن إسناد هذا الحديث ضعيف. إلا أن له شواهد تؤيده مما سبق ذكره في أحاديث هذا الفصل، فيكون بها حسنًا لغيره. والله أعلم.
وقوله: "يتعاونان على الفتَّان" قال ابن الأثير: "يُروى بضم الفاء وفتحها. فالضم جمع فاتن: أي يعاون أحدهما الآخر على الذين يضلّون الناس عن الحق ويفتنونهم، وبالفتح: هو الشيطان؛ لأنه يفتن الناس عن الدِّين"٨.
_________________
(١) ١ معرفة الصحابة - مخطوط - (٢/٣٦٦- أ) . ٢ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٣٢٧٣) . ٣ الكاشف (٢/٧١) . ٤ عند حديث ابن عباس - ﵄ - رقم (١١) . ٥ الثقات (٦/٢٩٥،٤٨٠) . ٦ ميزان الاعتدال (٦/٢٨٠،٢٨٢) . ٧ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٨٦٢٦، ٨٥٧٩) . ٨ النهاية في غريب الحديث (٣/٤١٠) .
[ ١ / ٢٥١ ]
٨٠ - (٧) عن عبد الله بن عمرو - ﵄ - عن النبي ﷺ قال: "من منع فضل مائه وفضل كلئه، منعه الله فضله يوم القيامة".
جاء حديث عبد الله بن عمرو – ﵄ - في النهي عن بيع الماء من وجوه:
الطريق الأولى: ليث بن أبي سليم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده به:
رواه أحمد١ باللفظ المذكور. وليث بن أبي سليم قد تقدم الكلام فيه٢ وأنه ضعيف.
وعمرو بن شعيب قد تقدم٣ أن الراجح في حديثه عن أبيه عن جده أنه في مرتبة الحسن.
الطريق الثانية: الأعمش عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده به:
رواه العقيلي٤، والطبراني٥ كلاهما من طريق محمد بن الحسن القردوسي حدثنا جرير بن حازم عن الأعمش به، ولفظ الطبراني: "أيُّما رجلٍ أتاه ابن عمه فسأله من فضله فمنعه، منعه الله فضله يوم القيامة، ومن منع ماءً ليمنع به فضل الكلأ منعه الله فضله يوم القيامة".
قال الطبراني في الأوسط: "لم يرو هذا الحديث عن الأعمش إلا جرير، تفرد به محمد بن الحسن". وزاد الطبراني في الصغير
_________________
(١) ١ مسند أحمد (٢/١٧٩،٢٢١) . ٢ عند حديث ابن عمر - ﵄ - رقم (٩) . ٣ عند حديث رقم (٣) . ٤ الضعفاء (٤/٥١) . ٥ المعجم الأوسط (٢/٤٥)، المعجم الصغير (١/٣٧) .
[ ١ / ٢٥٢ ]
قوله: "تفرد به عبيد الله بن جرير، ولا روى الأعمش عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده إلا هذا، ولا كتبناه إلا عن أحمد بن عبيد الله".
ومحمد بن الحسن القردوسي قال فيه العقيلي: "حديثه غير محفوظ، وليس بمشهور بالنقل". وبعد أن ذكر حديثه هذا قال: "لا يتابع على إسناد حديثه١، وهذا يروى بإسنادٍ أصلح من هذا".
الطريق الثالثة: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده به:
رواه أبو يوسف٢ ولفظه: "كتب غلام لعبد الله بن عمرو إلى عبد الله بن عمرو٣: أما بعد، فقد أعطيت بفضل مائي ثلاثين ألفًا بعدما أرويت زرعي ونخلي وأصلي، فإن رأيت أن أبيعه وأشتري به رقيقًا أستعين بهم في عملك فعلتُ. فكتب إليه: قد جاءني كتابك وفهمت ما كتبت به إليَّ، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من منع فضل ماءٍ ليمنع به فضل كلأ منعه الله فضله يوم القيامة". فإذا جاءك كتابي هذا فاسق نخلك وزرعك وأصلك، وما فضل فاسق جيرانك الأقرب فالأقرب، والسلام".
_________________
(١) ١ هذه العبارة غير موجودة في المطبوع من ضعفاء العقيلي (٤/٥١)، وقد أثبتها الذهبي في الميزان (٤/٤٣٥)، وابن حجر في اللسان (٥/١٢٤) . ٢ الخراج، لأبي يوسف (ص٩٦) . ٣ في المطبوع "عمر" في الموضعين، وهو خطأ، والصواب "عمرو" كما في الطرق الأخرى للحديث.
[ ١ / ٢٥٣ ]
ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى تقدم الكلام فيه وأنه "صدوق سيء الحفظ جدًا"١.
الطريق الرابعة: أبو الزبير عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده به موقوفًا:
رواه يحيى بن آدم٢ - ومن طريقه ابن أبي شيبة٣ - عن زهير بن معاوية به ولفظه: "أن غلامًا لهم باع لهم فضل ماءٍ لهم من عينٍ بعشرين ألفًا، فقال عبد الله بن عمرو: لا تبعه، فإنه لا يحل بيعه".
وأبو الزبير هو محمد بن مسلم بن تدرس المكِّي، ثقة إلا أنه يدلِّس٤ ولم يصرِّح بالسماع في هذا الحديث.
الطريق الخامسة: سليمان بن موسى عن عبد الله بن عمرو - ﵄ - مرفوعًا:
رواه أحمد٥، وابن زنجويه٦ كلاهما من طريق محمد بن راشد به. ولفظه: "أن عبد الله بن عمرو - ﵄ - كتب إلى عاملٍ له على أرضٍ له: أن لا تمنع فضل مائك فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من منع فضل الماء ليمنع به فضل الكلأ منعه الله يوم القيامة فضله".
_________________
(١) ١ تقدم عند حديث رقم (٤٤) . ٢ الخراج، ليحيى بن آدم (ص١٠٨) . ٣ المصنف (٥/١١٠-١١١) . ٤ الكاشف (٣/٨٤) . وانظر: تعريف أهل التقديس (ص١٠٨) . ٥ المسند (٢/١٨٣) . ٦ الأموال (٢/٦٦١) .
[ ١ / ٢٥٤ ]
ومحمد بن راشد الخزاعي الدمشقي وثقه ابن المديني، وابن معين، وأحمد، والنسائي. وقال أبو حاتم ويعقوب بن شيبة: صدوق. وقال النسائي في رواية: ليس بالقوي. وقال الدارقطني: يعتبر به١.
والذي يترجح لي فيه أن أقل أحواله أن يكون صدوقًا. وجعله ابن حجر في مرتبة: صدوق يهم٢.
وأما سليمان بن موسى فقال ابن سعد، ودحيم، وابن معين، والدارقطني: ثقة. وقال ابن المديني: كان خولط قبل موته بيسير. وقال أبو حاتم: محلُّه الصدق وفي حديثه بعض الاضطراب. وقال النسائي: ليس بالقوي في الحديث. وقال ابن عدي: ثبت صدوق٣.
وجعله ابن حجر في مرتبة: "صدوق فقيه في حديثه بعض لين، وخولط قبل موته بيسير"٤.
وسليمان بن موسى لم يدرك أحدًا من الصحابة كما قال البخاري٥. فعلى هذا فإن هذا الإسناد منقطع.
_________________
(١) ١ تهذيب التهذيب (٩/١٥٩-١٦٠) . ٢ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٥٨٧٥) . ٣ تهذيب التهذيب (٤/٢٢٦-٢٢٧) . ٤ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٢٦١٦) . ٥ العلل الكبير - للترمذي - (١/٣١٣) .
[ ١ / ٢٥٥ ]
الطريق السادسة: عمرو بن دينار عن عبد الله بن عمرو - ﵄ - موقوفًا:
رواه النسائي١، وابن سعد٢، وابن زنجويه٣، كلهم من طرقٍ عن داود بن عبد الرحمن العطار به. ولفظه عند النسائي: "باع قيِّم الوهط فضل ماء الوهط فكرهه عبد الله بن عمرو"، ولفظ ابن سعد وابن زنجويه: "فردَّه عبد الله بن عمرو".
وداود بن عبد الرحمن العطَّار ثقة لم يثبت أن ابن معين تكلم فيه. قاله الحافظ ابن حجر٤.
وعمرو بن دينار المكي قد سمع من عبد الله بن عمرو - ﵄ -. قاله الحاكم٥.
والوَهْط: مالٌ كان لعمرو بن العاص بالطائف، وهو كَرْم كان على ألف ألف خشبة. وقيل: قرية بالطائف على ثلاثة أميال من وَج كانت لعمرو بن العاص - ﵄٦. وقد ذكر الذهبي أن هذا الوهط كان موجودًا في عصره، وهو بستان كبير يتوارثه آل عمرو بن شعيب٧.
_________________
(١) ١ سنن النسائي (٧/٣٠٧) . ٢ الطبقات الكبرى (٤/٢٦٨) . ٣ الأموال (٢/٦٧٢) . ٤ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (١٧٩٨) . ٥ سير أعلام النبلاء (٥/٣٠١) . ٦ معجم البلدان (٥/٣٨٦) . ٧ انظر: سير أعلام النبلاء (٥/١٨٣) .
[ ١ / ٢٥٦ ]
الطريق السابعة: أبو بكر بن عيّاش عن شعيب بن شعيب عن عمرو بن شعيب عن سالم مولى عبد الله بن عمرو عن عبد الله بن عمرو به مرفوعًا:
رواه يحيى بن آدم١، ومن طريقه البيهقي٢ من هذا الطريق، ولفظه عن سالم مولى عبد الله بن عمرو قال: "أَعْطوني بفضل الماء من أرضه بالوهط ثلاثين ألفًا، قال: فكتبت إلى عبد الله بن عمرو - ﵄ - فكتب إليَّ: لا تبعه، ولكن أقِمْ قِلْدَك ثم اسق الأدنى فالأدنى، فإني سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن بيع فضل الماء".
وأبو بكر بن عيَّاش كان يحيى القطان وابن المديني يسيئان الرأي فيه، وضعفه ابن نمير. وقال أحمد: صدوق. وقال أيضًا: ثقة وربما غلط. وقال ابن سعد: كان ثقة صدوقًا عارفًا بالحديث والعلم إلا أنه كثير الغلط. وقال يعقوب بن شيبة: في حديثه اضطراب. وقال ابن عدي: لا بأس به٣.
وخلص فيه الحافظ ابن حجر إلى أنه ثقة عابد إلا أنه لما كبر ساء حفظه، وكتابه صحيح٤.
وأمّا شعيب بن شعيب، وسالم مولى عبد الله بن عمرو فلم يوثقهما غير ابن حبان٥، فهما مجهولان.
_________________
(١) ١ الخراج، ليحيى بن آدم (ص١٠٨) . ٢ السنن الكبرى (٦/١٦) . ٣ تهذيب التهذيب (١٢/٣٥-٣٦) . ٤ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٧٩٨٥) . ٥ الثقات (٨/٣٠٧)، (٤/٣٠٨) .
[ ١ / ٢٥٧ ]
ومعنى قوله "أقم قِلْدَك" أي إذا سقيت أرضك يوم نوبتها فأعط من يليك١.
هذه هي الطرق التي وقفت عليها في هذا الحديث عن عبد الله بن عمرو - ﵄ -، فتبيّن أنه قد صحّ موقوفًا عليه، وأمّا الرفع فبمجموع طرقه يكون بها حسنًا لغيره. وكذلك يشهد للحديث المرفوع حديث أبي هريرة ﵁ في بعض ألفاظه عند البخاري٢، وقد سبق بيان ذلك. والله أعلم.
٨١ - (٨) عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "من منع فضل ماءٍ منعه الله فضله يوم القيامة".
رواه أبو يعلى٣ بإسناده عن أبي عبد الرحيم الصائغ عن قهرمان لسعدٍ عنه به. وفي إسناده مبهم وهو قهرمان سعد.
وأبو عبد الرحيم الصائغ ذكره ابن عبد البر في كتابه "الاستغناء في معرفة المشهور من حملة العلم بالكنى"٤، إلا أنه ذكر أن كنيته "أبو عبد الرحمن" وأشار إلى حديثه هذا. ولم أجد فيه كلامًا لأهل العلم بالجرح والتعديل. والله أعلم.
فعلى هذا فإن إسناد هذا الحديث ضعيف. إلا أن له شاهدًا من حديث أبي هريرة ﵁ وغيره، فيكون بها حسنًا لغيره. والله أعلم.
_________________
(١) ١ النهاية (٤/٩٩) . ٢ تقدم الحديث برقم (٧٤) . ٣ المسند (٢/١٤٢) . (٣/١٣٨٩)، رقم (٢٠٦٣) .
[ ١ / ٢٥٨ ]
٨٢ - (٩) عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: إن من قضاء رسول الله ﷺ " الحديث، وفيه: "وقضى بين أهل المدينة أنه لا يمنع فضل ماءٍ ليمنع فضل الكلأ".
رواه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند١ وهذا لفظه، والشاشي٢، وروى ابن ماجه٣، وابن عدي٤، والحاكم٥، والبيهقي٦ جملًا من هذا الحديث ليس فيها محل الشاهد. رواه كلهم من طرقٍ عن فضيل بن سليمان عن موسى بن عقبة عن إسحاق بن يحيى بن الوليد بن عبادة بن الصامت عنه به.
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه". وقال في موضع آخر: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه". وفي قوله نظر؛ وذلك لأن إسحاق بن يحيى بن الوليد لم يخرج له البخاري ومسلم شيئًا، بل لم يخرج له إلا ابن ماجه من أصحاب الكتب الستة. وذكره ابن حبان في الثقات٧.
وقال ابن عدي: "ولإسحاق بن يحيى هذا عن عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي ﷺ أحاديث، يروي عنه موسى بن عقبة، ويروي عن موسى فضيل بن سليمان وغيره، وعامتها في قضايا رسول الله ﷺ"، وقال: "وعامتها غير محفوظة "٨. وجعله ابن حجر في مرتبة مجهول الحال٩.
_________________
(١) ١ المسند (٥/٣٢٦-٣٢٧) . ٢ مسند الشاشي (٣/١٣٠-١٣١) . ٣ سنن ابن ماجه [كتاب التجارات (٢/٧٤٦)] . ٤ الكامل (١/٣٤٠) . ٥ المستدرك (٤/٩٧،٣٤٠) . ٦ السنن الكبرى (٨/٧٧)، (١٠/١٣٣) . ٧ الثقات (٤/٢٢) . ٨ الكامل (١/٣٤٠) . ٩ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٣٩٢) .
[ ١ / ٢٥٩ ]
وفي الإسناد علة أخرى وهي الانقطاع بين إسحاق بن يحيى وعبادة بن الصامت ﵁، فقد قال البخاري في إسحاق: "لم يلق عبادة"١، وكذلك قال الترمذي٢. وتبعهما المزي٣ والذهبي٤ فحكما بالانقطاع بينهما.
فعلى هذا فإن إسناد هذا الحديث ضعيف، إلا أن له شواهد صحيحة تؤيده سبق ذكرها، فيكون بها حسنًا لغيره. والله أعلم.
٨٣ - (١٠) عن بُهيسة قالت: استأذن أبي النبي ﷺ فدخل بينه وبين قميصه فجعل يقبل ويلتزم. ثم قال: يا نبيَّ الله، ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: "الماء". قال: يا نبي الله، ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: "الملح". قال: يا نبيّ الله، ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: "أن تفعل الخير خيرٌ لك".
رواه أبو داود٥، وأحمد٦، والدارمي٧، والدولابي٨، والطبراني في الكبير٩، والبيهقي١٠ - من طريق أبي داود - كلهم من طرقٍ عن كهمس بن الحسن عن سيَّار بن منظور الفزاري عن أبيه عنها به.
وزاد أحمد والطبراني: "وانتهى قوله إلى الماء والملح، قالت: فكان ذلك الرجل لا يمنع شيئًا من الماء وإن قلَّ".
_________________
(١) ١ تهذيب التهذيب (١/٢٥٦) . ٢ جامع التحصيل (ص١٧١) . ٣ تهذيب الكمال (٢/٤٩٣) . ٤ ميزان الاعتدال (١/٢٠٤)، الكاشف (١/٦٦) . ٥ سنن أبي داود [كتاب الزكاة (٢/٣٠٨)، كتاب البيوع (٣/٧٥٠)] . ٦ المسند (٣/٤٨١) . ٧ سنن الدارمي (٢/٣٤٩) . ٨ الكنى والأسماء (١/١٩) . ٩ المعجم الكبير (١٤/٢٠٦) . ١٠ السنن الكبرى (٦/١٥٠) .
[ ١ / ٢٦٠ ]
وروى أحمد هذا الحديث أيضًا عن وكيع عن كهمس عن منظور١ بن سيار عن أبيه عنها به٢.
وقد خالف وكيع غيره من الرواة فقلب اسم شيخ شيخه.
قال البخاري: وهو وهم٣.
وقال المزي: "وهو معدود في أوهامه" ٤ - يعني وكيعًا -.
وكهمس بن الحسن هو التميمي البصري، ثقة٥.
وسيَّار بن منظور الفزاري وثقه العجلي٦، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال عبد الحق الإشبيلي: مجهول٧. ولذا قال فيه الحافظ ابن حجر: "مقبول" ٨.
وأبوه منظور بن سيار ذكره ابن حبان في الثقات٩. وحكم بجهالته عبد الحق١٠ وابن القطان١١ والذهبي١٢. ولذا قال فيه ابن حجر:"مقبول"١٣.
_________________
(١) ١ في المسند المطبوع "منصور"، وهو خطأ. ٢ المسند (٣/٤٨٠) . ٣ التاريخ الكبير (٤/١٦٠-١٦١) . ٤ تحفة الأشراف (١١/٢٢٩) . ٥ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٥٦٧٠) . ٦ معرفة الثقات (١/٤٤٥) . ٧ تهذيب التهذيب (٤/٢٩١) . ٨ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٢٧١٧) . ٩ الثقات (٧/٥١٢) . ١٠ الأحكام الوسطى (٣/٢٩٩) . ١١ تهذيب التهذيب (١٠/٣١٦-٣١٧) . ١٢ ميزان الاعتدال (٥/٣١٥) . ١٣ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٦٩١٣) .
[ ١ / ٢٦١ ]
وبُهَيْسة - بمضمومة وفتح هاء وبسين مهملة١ - الفزارية. ذكرها ابن حبان في الصحابة٢. وقال أبو نعيم: أدركت النبي صلى الله عليه وسلم٣. وقال عبد الحق: مجهولة٤. وتابعه ابن القطان على ذلك٥. وقد ذكرها الذهبي في فصل النساء المجهولات٦. وصحح الحافظ ابن حجر أن حديثها هذا غير دال على صحبتها؛ لأن المعتمد في حديثها هذا أنها روته عن أبيها٧. ولذا خلص في الحكم عليها بقوله: "لا تعرف، ويقال: لها صحبة"٨.
وأبوها سماه ابن عبد البر عميرًا٩. وقال ابن حجر فيما ذكره ابن عبد البر: "لم أره لغيره"١٠.
والذي يظهر لي أنه لا تثبت صحبته بهذا الحديث الواحد لضعف إسناده. والله أعلم.
فمما سبق تبين أن إسناد هذا الحديث ضعيف.
وأعلّ ابن عبد البر المتن أيضًا بقوله: "زيادة الملح في هذا الحديث غير محفوظة"١١.
_________________
(١) ١ المغني في ضبط أسماء الرجال (ص٤٤) . ٢ الثقات (٣/٣٩) . وعنده "بهية" بدل "بهيسة". ٣ معرفة الصحابة - مخطوط - (٢/٣٣٩- ب) . ٤ الأحكام الوسطى (٣/٢٩٩) . ٥ تهذيب التهذيب (١٢/٤٠٥)، التلخيص (٣/٦٥) . ٦ ميزان الاعتدال (٦/٢٧٩) . ٧ الإصابة (٤/٢٥٣) . ٨ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٨٥٤٧) . ٩ الاستيعاب (٢/٤٩٢) . ١٠ الإصابة (٣/٣٨) . ١١ الاستيعاب (٢/٤٩٢) .
[ ١ / ٢٦٢ ]
وهذا الإسناد وإن كان ضعيفًا، فإن للنهي عن منع الماء أحاديث أخر - سبق ذكرها - يتقوى بها هذا الحديث، فيكون بها حسنًا لغيره. وأما ذكر الملح في هذا الحديث فمنكر لعدم وروده في الأحاديث الأخرى. والله أعلم.
٨٤ - (١١) عن عائشة - ﵂ - قالت: قال رسول الله ﷺ: "لا يمنع فضل الماء ولا يمنع نقع البئر".
جاء هذا الحديث عن عائشة - ﵂ - من طرقٍ موصولًا ومرسلًا:
الطريق الأولى: حارثة بن محمد عن عمرة عنها به موصولًا:
رواه ابن ماجه١ باللفظ المذكور، وإسحاق بن راهويه٢، والبيهقي٣، كلهم من هذا الطريق.
وحارثة بن محمد هو حارثة بن أبي الرجال الأنصاري النجاري المدني. قال فيه ابن معين والنسائي: ليس بثقة - زاد النسائي: ولا يكتب حديثه -. وقال النسائي أيضًا: "متروك الحديث". وقال أحمد وأبو داود: "ليس بشيء". وقال أبو زرعة: "واهي الحديث ضعيف". وقال البخاري وأبو حاتم: "منكر الحديث". - زاد أبو حاتم: "ضعيف الحديث" -. وذكره يعقوب بن سفيان في باب من يرغب عن الرواية عنهم٤.
_________________
(١) ١ سنن ابن ماجه [كتاب الرهون (٢/٨٢٨)] . ٢ مسند إسحاق بن راهويه (٢/٤٣٢) . ٣ السنن الكبرى (٦/١٥٢-١٥٣) . ٤ تهذيب التهذيب (٢/١٦٦) .
[ ١ / ٢٦٣ ]
وخلص فيه الحافظ ابن حجر إلى أنه ضعيف١.
والذي يتبين لي من أقوال أئمة الجرح والتعديل فيه أنه ضعيف جدًا لا يكتب حديثه.
الطريق الثانية: أبو الرجال محمد بن عبد الرحمن٢ عن عمرة موصولًا ومرسلًا:
رواه موصولًا عن أبي الرجال كلٌّ من:
أ - محمد بن إسحاق. رواه عنه ابن أبي شيبة٣، وأحمد٤، وأبو عبيد٥، وابن عبد البر٦.
ومحمد بن إسحاق جعله الحافظ ابن حجر في مرتبة صدوق يدلّس٧. وقد صرّح بالسماع في هذا الحديث كما في مسند أحمد.
ب - عبد الرحمن بن أبي الرجال. رواه عنه ابن عدي٨، والحاكم٩ وعنه البيهقي١٠. وقد جعل الحافظ ابن حجر عبد الرحمن هذا في مرتبة صدوق ربما أخطأ١١.
_________________
(١) ١ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (١٠٦٢) . ٢ قال فيه الحافظ ابن حجر: ثقة. تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٦٠٧٠) . ٣ المصنف (٥/١١١) . ٤ المسند (٦/١٣٩،٢٦٨) . ٥ الأموال (ص٢٧٧) . ٦ التمهيد (١٣/١٢٤-١٢٥) . ٧ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٥٧٢٥) . ٨ الكامل (٤/٢٨٤) . ٩ المستدرك (٢/٦١) . ١٠ السنن الكبرى (٦/١٥٢) . ١١ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٣٨٥٨) .
[ ١ / ٢٦٤ ]
جـ - خارجة بن عبد الله بن سليمان. رواه أحمد١، وابن عدي٢، وابن عبد البر٣. وقد جعله الحافظ ابن حجر في مرتبة صدوق له أوهام٤.
د - أبو أويس عبد الله بن عبد الله بن أويس. رواه عنه أحمد٥، وابن زنجويه٦. وقد تقدم أن الحافظ جعله في مرتبة صدوق يهم٧.
هـ - صالح بن كيسان. رواه عنه يحيى بن آدم٨. وصالح بن كيسان ثقة ثبت٩ إلا أن الراوي عنه في هذا الحديث هو إبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي مولاهم، وقد كذّبه القطان، وابن المديني. واتهمه البزار. وقال أحمد وابن المبارك والنسائي وغيرهم: متروك. وشذَّ الشافعي فوثقه. والصواب مع الجماعة١٠.
_________________
(١) ١ المسند (٦/٢٥٢) . ٢ الكامل (٣/٥١) . ٣ التمهيد (١٣/١٢٥) . ٤ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (١٦١١) . ٥ المسند (٦/١١٢) . ٦ الأموال (٢/٦٦٣،٦٧٣) . ٧ تقدم (ص ١٣٤) . ٨ الخراج (ص١٠٣) . ٩ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٢٨٨٤) . ١٠ تهذيب التهذيب (١/١٥٨-١٦١) .
[ ١ / ٢٦٥ ]
وله إسناد آخر عند الطبراني في الأوسط١ من طريق سعيد بن أبي أيوب عن صالح بن كيسان به، ولفظه "لا يمنع نقع بئرٍ"، إلا أن فيه شيخ الطبراني أحمد بن رشدين، وقد كذبه بعضهم٢.
وأما من رواه مرسلًا عن أبي الرجال فهما:
أ - سفيان الثوري. رواه عبد الرزاق٣، وابن زنجويه٤، والبيهقي٥.
ب - مالك بن أنس. وذلك في الموطأ٦.
والذي يترجح لي من هذا الاختلاف هو الإرسال؛ لاتفاق إمامين حافظين عليه، وهما أحفظ من كل من خالفهما. وممّن رجح الإرسال البيهقي، وقال إنه المحفوظ٧.
فعلى هذا فإن إسناد هذا الحديث ضعيف؛ لإرساله، إلا أن النهي عن منع فضل الماء سبق له شواهد تؤيده، فيكون بها حسنًا، والله أعلم.
ومعنى قوله "ولا يمنع نقع البئر" أي فضل مائها٨.
_________________
(١) ١ المعجم الأوسط (١/٨٩) . ٢ لسان الميزان (١/٢٥٧-٢٥٨) . ٣ المصنف (٨/١٠٥)، وقد روى البيهقي (٦/١٥٢) بإسناده هذا الحديث عن عبد الرزاق عن سفيان الثوري به موصولًا. وهذا يخالف ما في المصنف، فإن فيه أن عبد الرزاق رواه مرسلًا. ٤ الأموال (٢/٦٧٣) . ٥ السنن الكبرى (٦/١٥٢) . ٦ الموطأ (٢/٥٧١) . ٧ السنن الكبرى (٦/١٥٢) . ٨ النهاية في غريب الحديث (٥/١٠٨) .
[ ١ / ٢٦٦ ]
٨٥ - (١٢) عن ابن عباس - ﵄ - قال: قال رسول الله ﷺ: "المسلمون شركاء في ثلاث: في الماء والكلأ والنار، وثمنه حرام".
رواه ابن ماجه١، وابن عدي٢، كلاهما من طريق عبد الله بن خراش بن حوشب عن العوام بن حوشب عن مجاهد عنه به.
وعبد الله بن خراش بن حوشب قال فيه أبو زرعة: ليس بشيء، ضعيف. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال أبو حاتم: منكر الحديث، ذاهب الحديث، ضعيف الحديث. وقال النسائي: ليس بثقة. واتهمه محمد بن عمّار الموصلي بالكذب٣.
والذي يظهر لي مما تقدم من أقوال الأئمة أنه ضعيف جدًا، وقد جعله الحافظ ابن حجر في التلخيص في مرتبة المتروك٤. وتساهل في التقريب فقال فيه: ضعيف٥.
وأمّا العوام بن حوشب فثقة ثبت فاضل٦.
فمما سبق يتبين أن إسناد هذا الحديث ضعيف جدًا، وضعفه أيضًا البوصيري٧، وذكر أن حديث بهيسة عن أبيها يشهد له. ولكن إسناد هذا الحديث - كما سبق - ضعيف جدًا، فلا يعتضد بالشواهد. والله أعلم.
_________________
(١) ١ سنن ابن ماجه [كتاب الرهون (٢/٨٢٦)] . ٢ الكامل (٤/٢٠٩) . ٣ تهذيب التهذيب (٥/١٩٨) . ٤ التلخيص الحبير (٣/٦٥) . ٥ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٣٢٩٣) . ٦ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٥٢١١) . ٧ مصباح الزجاجة (٢/٢٦٦) .
[ ١ / ٢٦٧ ]
٨٦ - (١٣) عن عائشة - ﵂ - قالت: يا رسول الله، ما الشيء الذي لا يحلُّ منعه؟ قال: "الماءُ والملح والنار". قالت: قلت: يا رسول الله، هذا الماءُ قد عرفناه فما بال الملح والنار؟ قال: "يا حُمَيراء؛ من أعطى نارًا فكأنما تصدَّق بجميع ما أنضجت تلك النار، ومن أعطى مِلْحًا فكأنما تصدّق بجميع ما طيَّب ذلك الملح، ومن سقى مسلمًا شربةً من ماءٍ حيث يوجد الماء فكأنما أعتق رقبةً، ومن سقى مسلمًا شربةً من ماءٍ حيث لا يوجد الماء فكأنما أحياها".
رواه ابن ماجه١ وهذا لفظه، والطبراني في الأوسط٢، كلاهما من طريق علي بن غراب عن زهير بن مرزوق عن علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب عنها به.
قال الطبراني: "لم يُسند زهير بن مرزوق غير هذا، تفرَّد به عليُّ بن غراب".
وعلي بن غراب قال فيه ابن معين: ثقة. وقال مرَّةً: صدوق. وقال أحمد وأبو زرعة: صدوق. وقال أبو حاتم والنسائي: لا بأس به. وقال أبو داود: ضعيف، ترك الناس حديثه. وقال ابن حبان: حدث بالأشياء الموضوعة فبطل الاحتجاج به. وقال الدارقطني: يعتبر به٣.
_________________
(١) ١ سنن ابن ماجه [كتاب الرهون (٢/٨٢٦-٨٢٧)] . وقد عزا الهيثمي هذا الحديث إلى ابن ماجه وذكر أنه رواه باختصار. مجمع الزوائد (٣/١٣٦)، وليس كذلك؛ فإن اللفظ الذي ذكره الهيثمي وعزاه للطبراني في الأوسط موجود بتمامه عند ابن ماجه، وفي لفظ ابن ماجه زيادة أيضًا. ٢ المعجم الأوسط (٦/٣٤٩) . ٣ تهذيب التهذيب (٧/٣٧١-٣٧٢) .
[ ١ / ٢٦٨ ]
والذي يترجّح لي من هذه الأقوال هو ما اختاره الحافظ ابن حجر فيه حيث قال: "صدوق، وكان يدلِّس ويتشيع، وأفرط ابن حبان في تضعيفه"١.
وقد صرَّح علي بن غراب بالسماع في إسناد الطبراني.
وأما زهير بن مرزوق فسُئل عنه ابن معين فقال: "لا أعرفه". قال ابن عدي: "إنما لم يعرفه ابن معين لأن له حديثًا واحدًا معضلًا٢" - ويعني ابن عدي هذا الحديث له عن عائشة - ﵂ -. وقال البخاري: "منكر الحديث، مجهول"٣. وقال فيه الذهبي: "واهٍ"٤. بينما جعله ابن حجر في مرتبة "مجهول"٥. ولعل مأخذ الذهبي في الحكم عليه بأنه "واهٍ" أنه لم يرو إلا هذا الحديث الواحد ولم يتابع عليه إلا بمن هو ضعيف جدًا، أو كذاب - كما سيأتي في الطرق الآتية -، وأيضًا فإن البخاري قد قال: "كل من قلت فيه منكر الحديث فلا تحل الرواية عنه" ٦.
وأما علي بن زيد بن جُدعان فقال فيه ابن عيينة: "كتبت عن علي بن زيد كتابًا كثيرًا فتركته زهدًا فيه". وقال حماد بن زيد: "كان يقلب الأحاديث". وكان يحيى بن سعيد يتقي حديثه. وقال ابن سعد: فيه ضعف، ولا يحتج به. وقال ابن معين وأحمد: ليس بشيء. وقالا أيضًا والنسائي: ضعيف. وقال أبو زرعة وأبو حاتم: "ليس بقوي". وقال الترمذي: "صدوق إلا أنه ربما رفع الشيء الذي يوقفه غيره". وليَّنه يعقوب بن شيبة والدارقطني٧.
_________________
(١) ١ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٤٧٨٣) . ٢ لم أعرف وجه إعلاله بالإعضال. ٣ تهذيب التهذيب (٣/٣٥٠) . ٤ الكاشف (١/٢٥٦) . ٥ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٢٠٥٠) . ٦ ميزان الاعتدال (١/٦) . ٧ تهذيب التهذيب (٧/٣٢٢-٣٢٤) .
[ ١ / ٢٦٩ ]
وخلص فيه الحافظ ابن حجر إلى أنه في مرتبة "ضعيف"١.
وممن ضعف الحديث البوصيري٢، وابن حجر٣. والذي يظهر لي أنه ضعيف جدًا لحال زهير بن مرزوق.
وقد توبع زهير بن مرزوق في بعضه وليس فيه محل الشاهد وهو ما جاء في ذكر النهي عن منع الماء والملح والنار. فقد رواه ابن عدي٤ بإسناده عن الحسن بن أبي جعفر عن علي بن زيد بن جُدعان به، ولفظه: "من سقى ماءً حيث يوجد الماء فكأنما أعتق نسمة، ومن سقى ماءً حيث لا يُقْدر على الماء فكأنما أحيا نفسًا".
وفيه الحسن بن أبي جعفر، وقد تقدم الكلام فيه٥ وأنه ضعيف جدًا. فعلى هذا فإن هذه المتابعة لا تصلح للاعتبار.
وللحديث إسناد آخر أيضًا، وذلك فيما رواه ابن عدي٦ بإسناده عن أحمد بن محمد بن علي بن الحسن بن شقيق عن الحسين بن عيسى عن عبد الله بن نمير عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة - ﵂ - بنحو اللفظ السابق.
وأحمد بن محمد بن علي قال فيه ابن عدي: "يضع الحديث"، ومن ثَمَّ حكم على هذا الإسناد بقوله: "وهذا الحديث كذب موضوعٌ على رسول الله ﷺ". فعلى هذا فإن هذا الإسناد لا يعتبر به أيضًا.
_________________
(١) ١ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٤٧٣٤) . ٢ مصباح الزجاجة (٣/٨١) . ٣ التلخيص الحبير (٣/٦٥) . ٤ الكامل (٢/٣٠٧) . ٥ عند حديث جابر بن عبد الله ﵁ رقم (٣٩) . ٦ الكامل (١/٢٠٥) .
[ ١ / ٢٧٠ ]
والذي يظهر لي أن هذا الحديث ضعيف جدًا من جميع طرقه والله أعلم.
وقد حكم ابن الجوزي على الحديث بالوضع من هذين الطريقين١، وتعقبه السيوطي٢ بطريق ابن ماجه السابق إلا أنه ضعيف جدًا كما سبق.
وقد تكلم بعض العلماء في الأحاديث التي جاء فيها قول النبي ﷺ في عائشة - ﵂ - "حميراء". ومن ذلك قول المزي فيما نقله ابن كثير عنه: "كل حديث فيه ذكر الحميراء باطل إلا حديث في الصوم في سنن النسائي"٣. وزاد الزركشي٤ حديثًا آخر أيضًا. وأما ابن القيم فقال: "كل حديثٍ فيه "يا حميراء" أو ذكر "الحميراء" فهو كذب مختلق"٥. ويجب أن يستنثى من هذا الإطلاق الحديثان اللذان مرّ ذكرهما في كلام المزي وما زاده الزركشي. والله أعلم.
٨٧ - (١٤) عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "خصلتان لا يحلُّ منعهما: الماء والنار".
رواه البزار٦، والطبراني في الصغير٧، كلاهما من طريق عبدة بن عبد الله الصفَّار حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث حدثنا الحسن بن أبي جعفر عن بُدَيل بن ميسرة العقيلي عنه به.
_________________
(١) ١ الموضوعات (٢/١٧٠) . ٢ اللآلئ المصنوعة (٢/٨٥) . ٣ انظر: المعتبر في تخريج أحاديث المنهاج والمختصر (ص٨٦)، والإجابة فيما استدركته عائشة على الصحابة (ص٥٨) . ٤ المرجع السابق. ٥ المنار المنيف (ص٥٧) . ٦ كشف الأستار (٢/١١١) . ٧ المعجم الصغير (١/٢٤٢) .
[ ١ / ٢٧١ ]
قال البزار: "لا نعلمه عن أنس إلا من هذا الطريق، ولا نعلم أسند بديل عن أنس إلا هذا وآخر".
وقال الطبراني: "لم يروه عن بديل بن ميسرة إلا الحسن، تفرد به عبد الصمد".
وعبدة بن عبد الله الصفَّار١، وعبد الصمد بن عبد الوارث٢، وبُدَيل بن ميسرة٣، ثقات.
وأما الحسن بن أبي جعفر فقد تقدم الكلام فيه٤ وأنه ضعيف جدًا.
وقد سئل أبو حاتم عن هذا الحديث فقال: "هذا حديث منكر بهذا
الإسناد"٥.
فمما سبق يتبين أن إسناد هذا الحديث ضعيف جدًا. والله أعلم.
٨٨ - (١٥) عن واثلة بن الأسقع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تمنعوا عباد الله فضل الماء والكلأ ولا نارًا، فإن الله جعلها متاعًا للمقوين وقوةً للمستضعفين".
رواه الطبراني في الكبير٦ من طريق بشر بن عون عن بكَّار بن تميم عن مكحول عنه به.
_________________
(١) ١ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٤٢٧٢) . ٢ تهذيب التهذيب (٦/٣٢٧-٣٢٨) . وقد تبين لي من أقوال الأئمة أن الراجح فيه أنه ثقة، وهو أولى من قول الحافظ ابن حجر في التقريب (رقم الترجمة: ٤٠٨٠): صدوق. وقد قال فيه الحافظ الذهبي في الكاشف (٢/١٧٣): حجة. ٣ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٦٤٦) . ٤ تقدم عند حديث رقم (٣٩) . ٥ علل الحديث (١/٣٧٨) . ٦ المعجم الكبير (٢٢/٦١) .
[ ١ / ٢٧٢ ]
وبشر بن عون وبكّار بن تميم قال فيهما أبو حاتم: مجهولان١. وحكم ابن حبان٢ وابن طاهر٣ على الأحاديث المروية بهذا الإسناد بالوضع.
وللحديث إسنادٌ آخر ولكنه مرسل. فقد رواه أبو يوسف٤ عن العلاء بن كثير عن مكحول قال: قال رسول الله ﷺ " الحديث مثله.
والعلاء بن كثير هذا هو الليثي أبو سعيد الدمشقي، قال فيه أحمد: ليس بشيء. وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث واهي الحديث يحدث عن مكحول عن واثلة بمناكير. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث منكر الحديث. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي: متروك. وقال ابن عدي: للعلاء بن كثير عن مكحول عن الصحابة نسخ كلها غير محفوظة وهو منكر الحديث٥. وجعله ابن حجر في مرتبة: "متروك"٦.
فعلى هذا فإن هذا الإسناد ضعيف جدًا. والله أعلم.
٨٩ - (١٦) عن عبد الله بن سَرْجس ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ، فدخلت بين قميصه وجلده، فقبَّلت منه موضع الخاتم. فقلت: ما الذي لا يحل منعه؟ قال: "الملح". قال: قلت: ثم ماذا؟ قال: "الماء والنار".
_________________
(١) ١ الجرح والتعديل (٢/٤٠٨) . ٢ المجروحين (١/١٩٠) . ٣ لسان الميزان (٢/٢٨) . ٤ الخراج، لأبي يوسف (ص٩٧) . ٥ تهذيب التهذيب (٨/١٩١) . ٦ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٥٢٥٤) .
[ ١ / ٢٧٣ ]
رواه الطبراني في الأوسط١ من طريق يحيى بن سعيد العطَّار الحمصي عن المثنَّى بن بكر عن عاصم الأحول عنه به.
ويحيى بن سعيد العطار ضعَّفه ابن معين وقال: ليس بشيء. وقال الجوزجاني والعقيلي: منكر الحديث. وقال أبو داود: جائز الحديث. وقال ابن عدي: بيِّن الضعف. وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الأثبات، لا يجوز الاحتجاج به٢.
وخلص فيه الحافظ ابن حجر إلى أنه في مرتبة "ضعيف" ٣.
وأما المثنَّى بن بكر فقال فيه الدارقطني: متروك٤.
وأما عاصم بن سليمان الأحول فوثقه الثوري وابن مهدي وابن معين وابن المديني وأحمد وغيرهم، وتكلم فيه القطان٥.
والراجح فيه ما قال الجماعة. وأما كلام القطان فيه فقال ابن حجر: كأنه بسبب دخوله في الولاية٦.
فمما تقدم يتبين أن إسناد هذا الحديث ضعيف جدًا. وكذلك فإن في لفظ الحديث نكارة، وذلك أنه قد رواه مسلم٧ وغيره من طرقٍ عن عاصم الأحول عن عبد الله بن سرجس "أنه نظر إلى خاتم النبوة بين كتفي النبي ﷺ"، ولم يذكر فيه سؤاله عما لا يحل منعه. والله أعلم.
_________________
(١) ١ المعجم الأوسط (١/٣٠٣) . ٢ تهذيب التهذيب (١١/٢٢١) . ٣ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٧٥٥٨) . ٤ سؤالات البرقاني للدارقطني (ص٦٤) . ٥ تهذيب التهذيب (٥/٤٣) . ٦ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٣٠٦٠) . ٧ صحيح مسلم [كتاب الفضائل (٤/١٨٢٤)] .
[ ١ / ٢٧٤ ]
٩٠ - (١٧) عن سمرة بن جندب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يقطع طريق، ولا يمنع فضل ماءٍ، ولا ابنُ السبيل عارية الدَّلو والرّشا والحوض إن لم يكن أدَّاه بعينه١، ويخلَّى بينه وبين الرّكية يسقي، ولا يمنع المحفر إذا نزل الحافر خمسةً وعشرين ذراعًا عطنًا للماشية".
رواه الطبراني في الكبير٢ بإسناده عن مروان بن جعفر السمري عن محمد بن إبراهيم بن خبيب بن سليمان بن سمرة عن جعفر بن سعد بن سمرة عن خبيب بن سليمان بن سمرة عن أبيه عنه به.
وقد تقدم الكلام في هؤلاء٣، والخلاصة التي ذكرها الذهبي في الأحاديث المروية بهذا الإسناد حيث قال: "بكل حالٍ هذا إسناد مظلم لا ينهض بحكم".
وللحديث إسناد آخر، فقد رواه ابن زنجويه٤ بإسناده عن مسلمة بن علي عن عبد الرحمن بن يزيد عن مكحول عنه به بنحوه.
ومسلمة بن علي قد تقدم الكلام فيه٥ وأنه متروك.
فمما تقدم يتبين أن إسناد هذا الحديث ضعيف جدًا عن سمرة بن جندب ﵁ والله أعلم.
_________________
(١) ١ في مجمع الزوائد (٤/١٢٨): "إن لم تكن له أَدَاةٌ تعينه"، وعند ابن منجويه: "إن لم يكن معه أداة تغنيه"، ويظهر أنها الصواب. ٢ المعجم الكبير (٧/٢٦٠) . ٣ تقدم الكلام فيهم عند حديث رقم (٧٢) . ٤ الأموال (٢/٦٦٢) . ٥ تقدم الكلام فيه عند حديث رقم (٥٤) .
[ ١ / ٢٧٥ ]
والرشاء: الحبل١، والركية: البئر٢
وأما المحفر فلم أقف على معناه، ولكن يظهر أنه مما يحتاجه الحافر عند حفره، وعند أهل نجد المحفر: وعاء يستعمل في حمل التراب وغيره، وقد يكون هو المقصود في الحديث، والله أعلم.
_________________
(١) ١ لسان العرب (١٤/٣٣٣، مادة: رشا) . ٢ لسان العرب (١٤/٣٢٣، مادة: ركا) .
[ ١ / ٢٧٦ ]
دلالة الأحاديث السابقة:
يستفاد مما تقدم النهي عن بيع فضل الماء والكلأ والنار.
أما الماء فالمراد به ماء العيون والآبار ونحوها مما لا يد لأحدٍ عليه والناس فيه سواء، وأما إذا صيِّر هذا الماء في آنية وأوعية فليس داخلًا في النهي عن بيعه، لما تكلف فيه مستقيه وحامله١. ومثل هذا اليوم المياه الصحية التي تعبأ في قوارير أو نحوها فهي ليست داخلة في النهي.
قال الخطابي: "وأما الماء إذا جمعه صاحبه في صهريج أو بركة أو خزنه في جب أو قراه في حوض ونحوه فله أن يمنعه، وهو شيءٌ قد حازه على سبيل الاختصاص لا يشركه فيه غيره، والحديث إنما جاء في منع الفضل دون الأصل، ومعناه ما فضل عن حاجته وحاجة عياله وماشيته وزرعه"٢.
والمراد بمنع الماء الذي ورد النهي عنه عدم بذله لمن يحتاج إليه بغير عوض، فإن أبى بذله بغير عوض فهو مانعٌ له.
والبئر إن كان لها مالك أو كانت في أرضٍ مملوكة فالمالك أولى به من غيره، وما فضل عن حاجته فلا يجوز له منعه٣. وقد سبق أن من منع فضل مائه من ابن السبيل فإن الله لا يكلمه يوم القيامة ولا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذابٌ أليم.
وأما الكلأ فهو النبات الذي أخرجه الله للأنعام مما لم ينصب فيه أحدٌ بحرثٍ ولا غرس ولا سقي، فهو لمن سبق إليه، ليس لأحدٍ أن يحتظر منه شيئًا دون غيره، ولكن ترعاه أنعامهم ومواشيهم ودوابُّهم معًا٤.
_________________
(١) ١ انظر: الأموال - لأبي عبيد - (ص٢٧٧-٢٧٨) . ٢ معالم السنن (٣/٧٤٨-٧٤٩) . ٣ انظر: الأموال - لأبي عبيد - (ص٢٧٦) . ٤ انظر: الأموال - لأبي عبيد - (ص٢٧٣) .
[ ١ / ٢٧٧ ]
وأما إذا أخذ الكلأ من منابته وجمع ففي هذه الحالة يملكه من أخذه وله بيعه١. وقد روى البخاري في صحيحه عن الزبير بن العوام ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لأن يأخذ أحدكم أحبلًا فيأخذ حزمةً من حطب فيبيع فيكف الله بها وجهه خيرٌ من أن يسأل الناس أُعطي أم مُنع" ٢، وقد بوّب البخاري على هذا الحديث بقوله: "باب: يبيع الحطب والكلأ".
وإذا كان الكلأ في أرضٍ مملوكةٍ لمالكٍ بعينه فهو مالٌ له ليس لأحدٍ أن يشركه فيه إلا بإذنه٣.
ويستثنى من النهي عن منع الكلأ الحِمى، وهو ما يحميه الإمام للخيل الغازية في سبيل الله ولنعم الصدقة٤، فللإمام أن يمنع غيرها من أن ترعى فيه.
وأما النار التي نهي عن منعها فقد فسّرها بعض العلماء بأنها الحجارة التي توري النار. يقول: لا يمنع أحدٌ أن يأخذ منها حجرًا يقتدح به النار، فأما التي يوقدها الإنسان فله أن يمنع غيره من أخذها، وقال بعضهم: ليس له أن يمنع من يريد أن يأخذ منها جذوةً من الحطب الذي قد احترق فصار جمرًا، وليس له أن يمنع من أراد أن يستصبح منها مصباحًا أو أدنى منها ضغثًا يشتعل بها؛ لأن ذلك لا ينقص من عينها شيئًا٥. والله أعلم.
_________________
(١) ١ انظر: الشرح الكبير - على متن المقنع - (٤/٢٥) . ٢ صحيح البخاري - مع الفتح -[كتاب الشرب والمساقاة (٥/ رقم ٢٣٧٣)] . ٣ معالم السنن (٣/٧٥١) . ٤ انظر: الأموال - لأبي عبيد - (ص٢٧٤-٢٧٥) . ٥ انظر: معالم السنن (٣/٧٥١) .
[ ١ / ٢٧٨ ]