٥٤ - (١) عن أبي أمامة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "لا تبيعوا القينات ولا تشتروهن، ولا تعلموهن، ولا خير في تجارة فيهن، وثمنهن حرام، في مثل هذا أنزلت هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ ١" إلى آخر الآية.
رواه الترمذي٢ وهذا لفظه، وابن ماجه٣، والطيالسي٤، والحميدي٥، وأحمد٦، وابن جرير٧، والعقيلي٨، والطبراني في الكبير٩، والبيهقي١٠. كلهم من طرق عن علي بن يزيد الألهاني، عن القاسم أبي عبد الرحمن مولى يزيد بن معاوية عنه به.
وأسقط من إسناد الحميدي وابن ماجه ذكر علي بن يزيد، وأسقط من إسناد ابن ماجه أيضًا القاسم أبو عبد الرحمن، وذلك أن ابن ماجه
_________________
(١) ١ سورة لقمان، آية (٦) . ٢ جامع الترمذي [كتاب البيوع (٣/٥٧٩-٥٨٠)، كتاب التفسير (٥/٣٤٥)] . ٣ سنن ابن ماجه [كتاب التجارات (٢/٧٣٣)] . ٤ مسند الطيالسي (ص١٥٤-١٥٥) . ٥ مسند الحميدي (٢/٤٠٥) . ٦ مسند أحمد (٥/٢٥٢،٢٥٧،٢٦٤،٢٦٨) . ٧ تفسير ابن جرير - جامع البيان - (٢١/٦٠) . ٨ الضعفاء (٣/٢٥٥) . ٩ المعجم الكبير (٨/١٩٨،٢١٢،٢١٣،٢١٤) . ١٠ السنن الكبرى (٦/١٤-١٥) .
[ ١ / ١٨٣ ]
رواه بإسناده عن عبيد الله الأفريقي، عن أبي أمامة ﵁، وعبيد الله بن زحر الأفريقي بينه وبين أبي أمامة بون شاسع، وهو إنما رواه عن علي بن يزيد الألهاني عن القاسم، عن أبي أمامة ﵁ كما في غير رواية ابن ماجه. وهذا الإسناد ضعيف جدًا؛ لحال علي بن يزيد.
قال الترمذي: "حديث أبي أمامة إنما نعرفه مثل هذا من هذا الوجه، وقد تكلم بعض أهل العلم في علي بن يزيد وضعفه وهو شامي".
وقال الترمذي في الموضع الآخر: "هذا حديث غريب، إنما يروى من حديث القاسم عن أبي أمامة، والقاسم ثقة، وعلي بن يزيد يضعف في الحديث، قال: سمعت محمدًا - يعني البخاري - يقول: القاسم ثقة، وعلي بن يزيد يضعف". انتهى.
وقال الترمذي أيضًا: "سألت محمد عن إسناد هذا الحديث، فقال: عبيد الله بن زحر ثقة، وعلي بن يزيد ذاهب الحديث، والقاسم أبو عبد الرحمن مولى ثقة"١.
وعبيد الله بن زحر ورد في إسناد الترمذي وأحمد وغيرهما.
وقال العقيلي: "لا يعرف إلا به"، أي بعلي بن يزيد.
وعلي بن يزيد تقدم قول البخاري فيه، وقال عنه أبو حاتم: ضعيف الحديث، أحاديثه منكرة. وقال أبو زرعة: ليس بالقوي. وقال يعقوب بن شيبة: واهي الحديث كثير المنكرات. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال أيضًا: متروك الحديث. وقال الدارقطني: متروك٢. وقال ابن حجر: ضعيف٣.
_________________
(١) ١ العلل الكبير (١/٥١٢) . ٢ تهذيب التهذيب (٧/٣٩٦-٣٩٧) . ٣ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٤٨١٧) .
[ ١ / ١٨٤ ]
ويظهر لي حسب ما تقدم من أقوال أئمة الجرح والتعديل أنه ضعيف جدًا. والله أعلم.
وأما القاسم أبو عبد الرحمن فقد تكلم فيه أحمد، ولكن وثقه ابن معين، ويعقوب بن سفيان، ويعقوب بن شيبة، والبخاري، والترمذي وغيرهم١. قال ابن حجر: صدوق يغرب كثيرًا٢.
وقد تكلم بعضهم في أحاديث علي بن يزيد عن القاسم أبي عبد الرحمن عن أبي أمامة ﵁.
فقد قال ابن معين: "علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة ضعاف كلها"٣.
وقال أبو حاتم: "ليست بالقوية، وهي ضعاف"٤.
وقال ابن حبان: "إذا روى عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد أتى بالطامات، وإذا اجتمع في إسناد خبر عبيد الله بن زحر وعلي بن يزيد والقاسم أبو عبد الرحمن لا يكون متن ذلك الخبر إلا ما عملت أيديهم، فلا يحل الاحتجاج بهذه الصحيفة، بل التنكب عن رواية عبيد الله بن زحر على الأحوال أولى"٥ انتهى.
وفي كلام ابن حبان مجازفة؛ لأن فيه اتهامهم بالوضع، ولم يسبق إلا ذلك، كيف وقد وثق بعضهم.
_________________
(١) ١ تهذيب التهذيب (٨/٣٢٣-٣٢٤) . ٢ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٥٤٧٠) . ٣ تهذيب التهذيب (٧/٣٩٦) . ٤ المرجع السابق (٧/٣٩٧) . ٥ المجروحين (٢/٦٢-٦٣) .
[ ١ / ١٨٥ ]
وقد تابع علي بن يزيد يحيى بن الحارث، وذلك فيما رواه ابن عدي١ بإسناده عن مسلمة بن علي، حدثني يحيى بن الحارث، عن القاسم، عن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا يحل بيع المغنيات ولا شراؤهن، ولا جلوس إليهن، ولا استماع إليهن، ولا التجارة فيهن " الحديث.
وفي إسناده مسلمة بن عُلَيّ (مصغرًا) ٢ الخشني، قال فيه ابن معين ودحيم: ليس بشيء. وقال البخاري وأبو زرعة: منكر الحديث.
وقال يعقوب بن سفيان: لا ينبغي لأهل العلم أن يشغلوا أنفسهم بحديثه. وقال النسائي والدارقطني: متروك الحديث. ونحو ذلك قال ابن حبان٣. وجعله ابن حجر في مرتبة "متروك"٤.
وقد تابع مسلمة بن علي متابعة قاصرة الوليد بن الوليد. وذلك فيما رواه الطبراني في الكبير٥ بإسناده عن الوليد بن الوليد عن ابن ثوبان، عن يحيى بن الحارث به بنحوه.
والوليد بن الوليد هو ابن زيد القيسي الدمشقي، قال فيه أبو حاتم: صدوق.
_________________
(١) ١ الكامل (٦/٣١٤-٣١٥) . ٢ المؤتلف والمختلف للدارقطني (٣/١٥٦٠-١٥٦١)، تبصير المنتبه بتحرير المشتبه (٣/ ٩٦٧) . ٣ تهذيب التهذيب (١٠/١٤٦-١٤٧) . ٤ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٦٦٦٢) . ٥ المعجم الكبير (٨/١٨٠-١٨١) .
[ ١ / ١٨٦ ]
وقال الدارقطني وغيره: متروك. وقال ابن حبان: روى عن ابن ثوبان نسخة أكثرها مقلوبة. وقال الحاكم: روى عن عبد الرحمن بن ثوبان أحاديث موضوعة. ونحو ذلك قال أبو نعيم١. فعلى هذا فإن هذه المتابعة لا يعتبر بها.
فمما تقدم يتبين أن هذا الحديث لا يصح عن أبي أمامة ﵁، بل هو ضعيف جدًا. والله أعلم.
٥٥ - (٢) عن عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ثمن القينة سحت، وغناؤها حرام، والنظر إليها حرام، وثمنها مثل ثمن الكلب، وثمن الكلب سحت، ومن نبت لحمه على السحت فالنار أولى به".
رواه الطبراني في الكبير٢ وهذا لفظه، وابن عدي٣ بإسنادهما عن يزيد بن عبد الملك النوفلي، عن يزيد بن خصيفة، عن السائب بن يزيد عنه به.
وفي هذا الإسناد يزيد بن عبد الملك، وقد تقدم أنه ضعيف جدًا٤.
فعلى هذا فإن هذا الحديث بهذا الإسناد ضعيف جدًا؛ لحال يزيد بن عبد الملك. والله أعلم.
_________________
(١) ١ لسان الميزان (٦/٢٢٧-٢٢٩) . ٢ المعجم الكبير (١/٧٣) . ٣ الكامل (٧/٢٦١-٢٦٢) . ٤ تقدم عند حديث أبي هريرة ﵁ رقم (٣٢) .
[ ١ / ١٨٧ ]
٥٦ - (٣) عن عائشة - ﵂ - قالت: قال رسول الله ﷺ: "إن الله حرم القينة؛ بيعها، وثمنها، وتعليمها، والاستماع إليها".
رواه الطبراني في الأوسط١ بإسناده عن جعفر بن سليمان، عن سعيد بن أبي رزين، عن أخيه، عن ليث بن أبي سليم، عن عبد الرحمن بن سابط، عنها به.
وفي إسناده سعيد بن أبي رزين وأخوه، وهما مجهولان. قال عنهما ابن حزم: لا يدرى من هو ولا من أخوه٢.
وقال الذهبي في سعيد: لا يعرف٣.
وليث بن أبي سليم قد تقدم٤ أنه صدوق اختلط فلم يتميز حديثه فترك.
ومما يدل على أنه اختلط في هذا الحديث أنه رواه مرة هكذا، ورواه مرة عن عبيد الله بن زحر عن القاسم عن عائشة - ﵂ - أو عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ به٥. والقاسم الشامي إنما يروي الحديث عن أبي أمامة ﵁، كما تقدم عند حديث أبي أمامة ﵁. ولذا قال البيهقي عن حديث عائشة: "ليس بمحفوظ، وروي عن ليث راجعًا إلى
_________________
(١) ١ المعجم الأوسط (٥/٢٦٠) . ٢ لسان الميزان (٣/٢٩) . ٣ ميزان الاعتدال (٢/٣٢٦) . ٤ عند الطريق السابعة من حديث عبد الله بن عمر - ﵄ - رقم (٩) . ٥ رواه بهذا الإسناد ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي. (مخطوط ضمن مجموع: ورقة (١٥٥/ب» .
[ ١ / ١٨٨ ]
الإسناد الأول. خلط فيه ليث"١. ويعني بقوله: "الإسناد الأول" حديث أبي أمامة ﵁.
فعلى هذا فإن هذا الحديث لا يثبت عن عائشة - ﵂ -. والله أعلم.
٥٧ - (٤) عن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - قال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع المغنيات وشرائهن وأكل ثمنهن وكسبهن".
رواه تمام الرازي في فوائده٢ بإسناده عن أبي عمرو ناشب بن عمرو الشيباني، عن مقاتل بن حيان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عنه به.
وفي إسناده ناشب بن عمرو، وهو ضعيف جدًا. قال فيه البخاري: منكر الحديث. وقال الدارقطني: ضعيف٣.
ومن المعلوم أن البخاري إذا قال في راو ما "منكر الحديث" فيعني بذلك أنه لا تحل الرواية عنه٤.
فعلى هذا فإن هذا الحديث ضعيف جدًا. والله أعلم.
_________________
(١) ١ السنن الكبرى (٦/١٤) . ٢ الفوائد (٢/٢١٢) . ٣ ميزان الاعتدال (٥/٣٦٤) . ٤ ميزان الاعتدال (١/٦)، لسان الميزان (١/٢٠) .
[ ١ / ١٨٩ ]
٥٨ - (٥) عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن المغنيات، والنواحات، وعن شرائهن وبيعهن وتجارة فيهن، وقال: "كسبهن حرام".
رواه أبو يعلى١، ومن طريقه ابن عدي٢ بإسناده عن علي بن يزيد الصدائي، عن الحارث بن نبهان، عن أبي إسحاق، عن الحارث الأعور عنه به.
قال ابن عدي: "لا أعلم روى هذا الحديث عن أبي إسحاق بهذا الإسناد غير الحارث، ولا عن الحارث غير علي بن يزيد الصدائي".
وقال الهيثمي: "فيه ابن نبهان، وهو متروك"٣.
والحارث بن نبهان هو الجرمي أبو محمد البصري. قال عنه ابن المديني: كان ضعيفًا ضعيفًا. وقال ابن معين: ليس بشيء. وقال أحمد: رجل صالح، لم يكن يعرف الحديث ولا يحفظ، منكر الحديث. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث، وفي حديثه وهن. وقال أبو حاتم والنسائي: متروك الحديث. وقال النسائي مرة: ليس بثقة٤. وجعله ابن حجر في مرتبة: متروك٥.
فعلى هذا فإن هذا الحديث عن علي ﵁ ضعيف جدًا؛ لحال ابن نبهان. والله أعلم.
_________________
(١) ١ مسند أبي يعلى (١/٤٠١-٤٠٢) . ٢ الكامل (٢/١٩١-١٩٢) . ٣ مجمع الزوائد (٤/٩٤) . ٤ تهذيب التهذيب (٢/١٥٩) . ٥ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (١٠٥١) .
[ ١ / ١٩٠ ]
دلالة الأحاديث السابقة:
القينات: جمع قينة، وهي الجارية المغنية١.
والأحاديث الواردة في هذا الفصل في النهي عن ثمنها كلها ضعيفة، بل شديدة الضعف. ولذلك قال بعض العلماء إن بيعها جائز؛ لأنها عين طاهرة، منتفع بها، فجاز بيعها٢.
ومن العلماء من قال بجواز بيعها ما لم يقصد المشتري أن تكون مغنية له. فإن قصد الغناء بطل البيع٣. وهو داخل في الفصل الذي سبق ذكره في النهي عما يعلم أن المشتري يستعمل المبيع في الحرام.
وأجاز بعض الفقهاء أن تباع في غير البلد الذي عرفت فيه بالغناء، واشترط بعضهم على البائع أن يبين للمشتري كونها مغنية؛ لأنه عيب فيها، فإن لم يبين، فللمشتري أن يردها بعيب غنائها٤.
وكلام العلماء في حكم بيعها هو ما إذا كانت تغني غناء محرمًا، وهو الذي تصحبه آلة؛ كعود وطبل، أو يكون بأشعار ماجنة. وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: "ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف". رواه البخاري تعليقًا مجزومًا به٥، ووصله ابن حبان٦، والطبراني في الكبير٧، وهو حديث صحيح٨.
_________________
(١) ١ المجموع (٩/٢٤٢) . ٢ المرجع السابق. ٣ المرجع السابق. ٤ البيان والتحصيل (٨/٣٢١-٣٢٢) . ٥ صحيح البخاري - مع الفتح -[كتاب الأشربة (١٠/رقم ٥٥٩٠)] . ٦ الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان (١٥/١٥٤) . ٧ المعجم الكبير (٣/٢٨٢) . ٨ انظر: إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (١/٢٧٧) .
[ ١ / ١٩١ ]
فمن هذا الحديث وغيره يتبين أن شراء الأمة للغناء محرم. وبيعها على من يستعملها للغناء إعانة على الإثم والعدوان، وقد نهينا عنه.
ويدخل في النهي عن بيع القينات النهي عن بيع كل وسيلة من وسائل الغناء؛ كالأشرطة المسموعة ونحوها التي تحوي الغناء المحرم، فإنه لا يجوز بيعها١، ولا تأجير المحلات لمن يبيعها٢. والله أعلم.
_________________
(١) ١ انظر في هذا: فتوى الشيخ ابن عثيمين (فتاوى إسلامية ص٣٩٧) . ٢ انظر في هذا: فتوى اللجنة الدائمة للإفتاء (فتاوى إسلامية ص٣٩٦) .
[ ١ / ١٩٢ ]