١١٩ - (١) عن جابر بن عبد الله - ﵄ - قال: "نهى رسول الله ﷺ عن المخابرة، والمحاقلة، وعن المزابنة، وعن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه، وألا تباع إلا بالدينار والدرهم إلا العرايا".
رواه البخاري١ واللفظ له، ومسلم٢، وأبو داود٣، والترمذي٤، والنسائي٥، وابن ماجه٦، وأحمد٧، كلهم من طرقٍ عنه به.
وفي لفظ للبخاري ومسلم: "وعن بيع الثمرة حتى تشقح"، فقيل لسعيد بن ميناء - الراوي عن جابر - ﵄ -: ما تشقح؟ قال: تحمار وتصفار ويؤكل منها.
وفي لفظ لمسلم: "وأن تشتري النخيل حتى تشقه" وهي بمعنى تشقح.
وفي لفظ للبخاري: "نهى عن بيع الثمر حتى يطيب"، ولنسائي وأحمد: "حتى يطعم".
_________________
(١) ١ صحيح البخاري - مع الفتح -[كتاب البيوع (٤/ رقم ٢١٨٩،٢١٩٦)، كتاب الشرب والمساقاة (٥/رقم ٢٣٨١)] . ٢ صحيح مسلم [كتاب البيوع (٣/١١٧٤-١١٧٥)] . ٣ سنن أبي داود [كتاب البيوع (٣/٦٩٣-٦٩٥)] . ٤ جامع الترمذي [كتاب البيوع (٣/٥٨٥،٦٠٥)] . ٥ سنن النسائي [كتاب البيوع (٧/٢٦٣،٢٦٤،٢٧٠)] . ٦ سنن ابن ماجه [كتاب التجارات (٢/٧٦٢)] . ٧ المسند (٣/٣١٣،٣٥٦،٣٥٧،٤٦٠،٣٦٤،٣٩١،٣٩٢) .
[ ١ / ٣٥٧ ]
وزاد مسلم في لفظٍ له، وأبو داود، والترمذي، وأحمد: "والمعاومة"، وعند بعضهم أيضًا: "وعن بيع السنين". وهما بمعنى.
وزاد مسلم، وأبو داود، والترمذي، وأحمد: "الثُّنيا". وزاد أبو داود والترمذي بإسنادٍ صحيح: "إلا أن تعلم". وقد تقدم الكلام عن هذه الجملة في فصل: ما ورد في النهي عن الثنيا إلا أن تعلم.
ورواه أحمد١ بلفظ: "نهى رسول الله ﷺ أن يباع ما في رؤوس النخل بتمرٍ مكيل ". وورد عند مسلم أن هذا اللفظ إنما هو من تفسير جابر ﵁ للمزابنة.
والمخابرة الواردة في هذا الحديث هي المزارعة على بعض ما يخرج من الأرض٢.
١٢٠ - (٢) عن أنس بن مالك ﵁ "أن النبي ﷺ نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، وعن النخل حتى يزهو. قيل: وما يزهو؟ قال: يحمار أو يصفار".
رواه البخاري٣ وهذا لفظه، ومسلم٤، والنسائي٥، ومالك٦، وأحمد٧، كلهم من طرقٍ عن حميد الطويل عنه به.
وزاد مالك، ومن طريقه البخاري ومسلم والنسائي: قال رسول الله ﷺ "أرأيت إذا منع الله الثمرة بم يأخذ أحدكم مال أخيه".
_________________
(١) ١ المسند (٣/٣٨١) . ٢ المصباح المنير (ص٦٢) . ٣ صحيح البخاري - مع الفتح -[كتاب الزكاة (٣/رقم ١٤٨٨)، كتاب البيوع (٤/ رقم ٢١٩٥، ٢١٩٧،٢١٩٨،٢٢٠٨)] . ٤ صحيح مسلم [كتاب المساقاة (٣/١١٩٠)] . ٥ سنن النسائي [كتاب البيوع (٧/٢٦٤)] . ٦ الموطأ (٢/٤٨١) . ٧ المسند (٣/١١٥) .
[ ١ / ٣٥٨ ]
وقد تعقب الدارقطني الشيخين في إخراج هذه الرواية فقال: "وقد خالف مالكًا جماعةٌ منهم إسماعيل بن جعفر، وابن المبارك، وهشيم، ويزيد بن هارون وغيرهم قالوا فيه: "قال أنس: أرأيت إن منع الله الثمرة ". وأخرجا أيضًا حديث إسماعيل بن جعفر عن حميد وقد فصل كلام أنس من كلام النبي ﷺ"١ انتهى.
وقد سبق الدارقطني إلى توهيم مالك في رفع هذه الجملة أبو حاتم وأبو زرعة، فقد سألهما ابن أبي حاتم عن رواية مالك المرفوعة فقالا: "هذا خطأ، إنما هو كلام أنس"٢. قال أبو زرعة: "كذا يرويه الدراوردي ومالك بن أنس مرفوعًا، والناس يروونه موقوفًا من كلام أنس".
وقد بيّن الحافظ ابن حجر أن المحفوظ في حديث الدراوردي هو الوقف كرواية غيره٣. وكذلك قال الحاكم بأن مالكًا تفرد برفع هذه الجملة٤.
وقد روى الخطيب٥ بإسناده عن معتمر بن سليمان، وبشر بن المفضل عن حميد فقال فيه: "قال: أفرأيت"، فلا أدري أنس قال: "بم تستحل" أو حدث به عن النبي ﷺ".
وممَّن صرَّح أيضًا بأن هذه الجملة مدرجة من كلام أنس الإمام ابن خزيمة٦. وتوقف البيهقي٧ في الترجيح بين هذه الروايات.
_________________
(١) ١ الإلزامات والتتبع (ص٥٣٩) . ٢ العلل (١/٣٧٨-٣٧٩) . ٣ فتح الباري (٤/٤٦٦) . ٤ معرفة علوم الحديث (ص١٣٤-١٣٥) . ٥ الفصل للوصل المدرج في النقل (حديث رقم (٣)، ص١٩) . ٦ هدي الساري (ص٣٧٨) . ٧ السنن الكبرى (٥/٣٠٠-٣٠١) .
[ ١ / ٣٥٩ ]
وقال الحافظ ابن حجر عن هذا الاختلاف: "الأمر في مثل هذا قريب"١. وقال: "ليس في جميع ما تقدم ما يمنع أن يكون التفسير مرفوعًا؛ لأن مع الذي رفعه زيادة على ما عند الذي وقفه، وليس في رواية الذي وقفه ما ينفي قول من رفعه، وقد روى مسلم من طريق أبي الزبير عن جابر ما يقوّي رواية الرفع في حديث أنس" ٢.
وكلام الحافظ ابن حجر السابق صريحٌ في أنه يصحح رواية الرفع. وكلامه هذا هو المتأخر.
وأما قوله: "قد بينت في المدرج أن هذه الجملة موقوفة من قول أنس، وأن رفعها وهم"، فهو واردٌ في كتابه "التلخيص الحبير" ٣ وهو متقدم على فتح الباري في التأليف. فالأول انتهى من تأليفه - كما سبق - سنة عشرين وثمانمائة، وأما الفتح فانتهى منه سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة كما صرّح بذلك في آخره.
وللحديث طريق آخر، فقد رواه أبو داود٤، والترمذي٥، وابن ماجه٦، وأحمد٧، وأبو يعلى٨، وابن حبان٩، والحاكم١٠، والبيهقي١١،كلهم من طرقٍ عن حماد بن سلمة عن حميد الطويل به، ولفظه: "نهى عن
_________________
(١) ١ هدي الساري (ص٣٧٨) . ٢ فتح الباري (٤/٤٦٦) . ٣ التلخيص الحبير (٣/٢٨) . ٤ سنن أبي داود [كتاب البيوع (٣/٦٦٨)] . ٥ جامع الترمذي [كتاب البيوع (٣/٥٣٠)] . ٦ سنن ابن ماجه [كتاب التجارات (٢/٧٤٧)] . ٧ المسند (٣/٢٢١،٢٥٠) . ٨ مسند أبي يعلى (٦/٣٩٦) . ٩ الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان (١١/٣٦٩) . ١٠ المستدرك (٢/١٩) . ١١ السنن الكبرى (٥/٣٠١،٣٠٣) .
[ ١ / ٣٦٠ ]
بيع العنب حتى يسود وعن بيع الحبِّ حتى يشتد"، وعندهم عدا أبي داود والترمذي زيادة: "وعن بيع الثمر حتى يزهو".
قال الترمذي: "هذا حديث حسنٌ غريب، لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث حماد بن سلمة".
وقال البيهقي: "ذكر الحب حتى يشتد، والعنب حتى يسود في هذا الحديث مما تفرد به حماد بن سلمة عن حميد من بين أصحاب حميد".
والذي يتبين لي أن تفرد حماد بن سلمة عن حميد الطويل محتمل، فإن حميد الطويل خال حماد بن سلمة١، وقال فيه أحمد بن حنبل: "حماد بن سلمة أعلم الناس بحديث حميد وأصح حديثًا" ٢، وقال فيه أيضًا: "هو أثبت الناس في حميد الطويل، سمع منه قديمًا يخالف الناس في حديثه"٣.
وقد توبع حماد بن سلمة في بعضه إلا أن هذه المتابعة لا تصلح للاعتبار، فقد روى عبد الرزاق٤، وعنه أحمد٥ عن الثوري عن شيخٍ لهم عن أنسٍ ﵁ قال: "نهى النبي ﷺ عن بيع النخل حتى يزهو، وعن بيع الحبِّ حتى يفرك، وعن بيع الثمار حتى تطعم".
وفي إسناده مبهم، وقد وقع بيانه عند البيهقي٦ بأنه أبان بن أبي عياش. وأبان تقدم الكلام فيه، وأنه متروك٧. وهذه المتابعة وإن لم تكن صالحة للاعتبار فإن - كما سبق - حماد بن سلمة حديثه عن حميد حجة ولو تفرد عنه لملازمته إياه.
_________________
(١) ١ تهذيب الكمال (٧/٢٥٤) . ٢ تهذيب التهذيب (٣/١٢) . ٣ المرجع السابق. ٤ المصنف (٨/٦٤) . ٥ المسند (٣/١٦١) . ٦ السنن الكبرى (٥/٣٠٣) . ٧ تقدم عند حديث رقم (٢١) .
[ ١ / ٣٦١ ]
وفي لفظٍ للبيهقي١ من طريق حماد بن سلمة زيادة: "وعن بيع الحب حتى يفرك". قال البيهقي: قوله "حتى يفرك" إن كان بخفض الراء على إضافة الإفراك إلى الحب وافق رواية من قال: "حتى يشتد"، وإن كان بفتح الراء ورفع الياء على إضافة الفرك إلى من لم يسم فاعله خالف رواية من قال فيه: "حتى يشتد"، واقتضى تنقيته عن السنبل حتى يجوز بيعه، ولم أرَ أحدًا من محدثي زماننا ضبط ذلك، والأشبه أن يكون يفرك بخفض الراء لموافقة معنى من قال فيه "حتى يشتد". والله أعلم.
١٢١ - (٣) عن زيد بن ثابت ﵁ قال: كان الناس يتبايعون الثمار قبل أن يبدو صلاحها، فإذا جدَّ الناس وحضر تقاضيهم قال المبتاع: قد أصاب الثمر الدُّمان وأصابه قُشام وأصابه مُراضٌ - عاهات يحتجُّون بها - فلما كثرت خصومتهم عند النبي ﷺ، قال رسول الله ﷺ كالمشورة يشير بها: "فإما لا فلا تتبايعوا الثمرة حتى يبدو صلاحها" لكثرة خصومتهم واختلافهم.
رواه أبو داود٢ وهذا لفظه، والبخاري - تعليقًا مجزومًا به٣ - والطحاوي٤، والدارقطني٥، والبيهقي٦، كلهم من طرقٍ عن عروة بن الزبير عن سهل بن أبي حثمة عنه به.
_________________
(١) ١ السنن الكبرى (٥/٣٠٣) . ٢ سنن أبي داود [كتاب البيوع (٣/٦٦٨-٦٦٩)] . ٣ صحيح البخاري - مع الفتح -[كتاب البيوع (٤/رقم ٢١٩٣)] . ٤ شرح معاني الآثار (٤/٢٨) . ٥ سنن الدارقطني (٣/١٤) . ٦ السنن الكبرى (٥/٣٠١-٣٠٢) .
[ ١ / ٣٦٢ ]
ورواه أحمد١ من طريق خارجة بن زيد عن زيد بن ثابت ﵁ به بنحوه.
ورواه أحمد٢ أيضًا، والطحاوي٣ - كلاهما مختصرًا - من طريق الزهري به، ولفظه: "لا تبيعوا الثمرة حتى يبدو صلاحها".
والطرق السابقة تبين أن الحديث صحيح. والله أعلم.
ومعنى قوله: "جدَّ الناس" الجداد بالفتح والكسر: صرام النخل، وهو قطع ثمرتها٤.
وقوله: "حضر تقاضيهم" يقال: تقاضيت ديني وبديني واستقضيته طلبت قضاه٥.
وقوله: "الدمان": هو بالفتح، وقيل بالضم وهو أشبه، لأن ما كان من الأدواء والعاهات فهو بالضم، أما الميم فهي مخففة، وهو فساد الثمر وعفنه قبل إدراكه حتى يسودَّ، من الدِّمن وهو السرقين٦.
وقوله: "قشام" في رواية الطحاوي: "القشام شيء يصيبه حتى لا يرطب". قال ابن الأثير: هو بالضم أن ينتقص٧ ثمر النخل قبل أن يصير بلحًا"٨.
وقوله: "وأصابها مُراض" هو بالضم: داءٌ يقع في الثمرة فتهلك٩.
_________________
(١) ١ المسند (٣/١٩٠) . ٢ المسند (٣/١٨٥) . ٣ شرح معاني الآثار (٤/٢٣) . ٤ النهاية (١/٢٤٤) . ٥ عمدة القاري (١٢/٣) . ٦ النهاية (٢/١٣٥) . ٧ في المطبوع من النهاية: «ينتقض»، والصواب ما أثبت كما في جامع الأصول (٢/٦٥) . ٨ النهاية (٤/٦٦) . ٩ النهاية (٤/٣١٩) .
[ ١ / ٣٦٣ ]
١٢٢ - (٤) عن عائشة - ﵂ - عن النبي ﷺ قال: "لا تبيعوا ثماركم حتى يبدو صلاحها وتنجو من العاهة".
رواه أحمد١، وابن عدي٢، كلاهما من طريق أبي الرجال عن عمرة عنها به.
وهذا إسنادٌ صحيح. والله أعلم.
١٢٣ - (٥) عن ابن عباس - ﵄ - عن النبي ﷺ قال: "لا تبيعوا الثمر حتى يبدو صلاحه".
رواه الطبراني٣ واللفظ له، وأحمد٤، وذكر مع ابن عباس - جابر وابن عمر ﵃.
كلهم من طرق عن عمرو بن دينار عنه به.
وللطبراني أيضًا٥: عن عمرو بن دينار عن طاووس عن ابن عباس
- ﵄ -. وإسناده صحيح.
وقد جاء حديث ابن عباس - ﵄ - هذا من وجه آخر، فقد روى البزار٦ بإسناده عن الحجاج بن أرطاة، عن عطاء عنه ﵁ أن رسول الله ﷺ: "نهى عن بيع النحل سنتين أو ثلاثة، أو يشترى ما في رءوس النخل بكيل، أو تباع الثمرة حتى يبدو صلاحها".
_________________
(١) ١ المسند (٦/٧٠،١٠٥-١٠٦،١٦٠) . ٢ الكامل (٤/٢٨٤-٢٨٥) . ٣ المعجم الكبير (١١/١٠٥) . ٤ المسند (٣/٣٧٢) . ٥ المعجم الكبير (١١/١١) . ٦ كشف الأستار (٢/٩٢) .
[ ١ / ٣٦٤ ]
قال البزار: "لا نعلم يروى بإسنادٍ أحسن من هذا". ولعله يعني في النهي عن بيع السنين. - والله أعلم -.
قال الهيثمي: إسناده حسن، وفيه الحجاج بن أرطاة وهو ثقة لكنه مدلس١.
وفي قول الهيثمي عن الحجاج بن أرطاة "ثقة" نظر. فقد قال فيه ابن معين: صدوق ليس بالقوي. وقال أحمد: في حديثه زيادة على حديث الناس. وقال أبو حاتم وأبو زرعة: صدوق. وقال النسائي: ليس بالقوي. وضعفه ابن سعد. وقال الدارقطني: لا يحتج به٢. وجعله ابن حجر في مرتبة: "صدوق كثير الخطأ"٣.
وأشد ما نقم عليه التدليس عن الضعفاء٤. وهو هنا لم يصرِّح بالسماع.
فعلى هذا فإن هذا الإسناد ضعيف، إلا أنه يتقوى بالطريق السابق، وبشواهده، فيكون حسنًا، والله أعلم.
١٢٤ - (٦) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تبيعوا الثمر حتى يبدو صلاحها". قيل: وما صلاحها؟ قال: "تذهب عاهتها ويخلص صلاحها".
رواه البزار٥ بإسناده عن ابن أبي ليلى عن عطية العوفي عنه به.
وابن أبي ليلى تقدم الكلام فيه٦، وأنه صدوق سيء الحفظ جدًا.
_________________
(١) ١ مجمع الزوائد (٤/١٠٧) . ٢ تهذيب التهذيب (٢/١٩٧-١٩٨) . ٣ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (١١١٩) . ٤ ذكره ابن حجر في المرتبة الرابعة من مراتب المدلسين. (تعريف أهل التقديس (ص١٢٥» . ٥ كشف الأستار (٢/٩٧) . ٦ تقدم الكلام عليه عند الحديث رقم (٤٤) .
[ ١ / ٣٦٥ ]
وأما عطية العوفي، فقد ضعفه أحمد وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي وابن حبان. ووثقه ابن سعد. وقال ابن معين: صالح١. وجعله الحافظ في مرتبة: "صدوق يخطئ كثيرًا" ٢.
وجاء الحديث من وجهٍ آخر، فقد رواه الطبراني في الأوسط٣ بإسناده عن يحيى بن أبي أنيسة عن جابر الجعفي عن نافع عنه به، ولفظه: "لا تبايعوا الثمر حتى يبدو صلاحه، ولا تبايعوا الذهب إلا مثلًا بمثل".
وفي إسناده يحيى بن أبي أنيسة، وقد تقدم أنه متروك٤. فيبقى الحديث على ضعفه.
فمما سبق يتبين أن هذا الحديث ضعيف، إلا أنَّ له شواهد تقدمت، فيكون بها حسنًا لغيره. والله أعلم.
١٢٥ - (٧) عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تبيعوا الثمرة حتى يبدو صلاحها".
رواه ابن أبي شيبة٥، ومن طريقه الطبراني في الكبير٦ من طريق أبي أسامة عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن مكحول والقاسم عنه به.
_________________
(١) ١ تهذيب التهذيب (٧/٢٢٥-٢٢٦) . ٢ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٤٦١٦) . ٣ المعجم الأوسط (٦/٢٨١) . ٤ تقدم عند حديث رقم (٥٢) . ٥ إتحاف الخيرة المهرة (ص٢٨٦) . ٦ المعجم الكبير (٨/١٣٠) .
[ ١ / ٣٦٦ ]
وقد تقدم الكلام على هذا الإسناد١، وأن أبا أسامة أخطأ في اسم شيخه، وأنه ليس عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وإنما هو عبد الرحمن بن يزيد بن تميم، وهو ضعيف جدًا.
فمما سبق يتبين أن هذا الإسناد ضعيف جدًا، وأما متن الحديث فثابتٌ من غير هذا الإسناد كما تقدم. والله أعلم.
١٢٦ - (٨) عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الشجر حتى يبدو صلاحه".
رواه الدارقطني٢ بإسناده عن ضرار بن صرد عن موسى بن عثمان عن الحكم بن عتيبة عن عبد الله مولى سعد عنه به.
وموسى بن عثمان هو الحضرمي. قال فيه أبو حاتم: متروك. وقال ابن عدي: حديثه ليس بالمحفوظ٣.
وكذلك ضرار بن صُرَد، تقدم الكلام٤ فيه وأنه ضعيف جدًا.
فعلى هذا، فإن هذا الإسناد ضعيف جدًا. والله أعلم.
_________________
(١) ١ تقدم عند حديث أبي أمامة ﵁ رقم (٩٦) . ٢ سنن الدارقطني (٣/١٣) . ٣ لسان الميزان (٦/١٢٥) . ٤ تقدم الكلام فيه عند حديث رقم (٤٤) .
[ ١ / ٣٦٧ ]
ومما ورد في هذا الفصل أيضًا:
(٩) حديث أبي هريرة ﵁، وقد تقدم١.
(١٠) حديث أنس بن مالك ﵁، وقد تقدم٢.
(١١) حديث ابن عباس - ﵄ -، وقد تقدم٣.
(١٢) حديث أبي هريرة ﵁، وسيأتي٤.
(١٣) حديث ابن عمر - ﵄ -، وسوف يأتي٥.
(١٤) حديث أبي هريرة - ﵄ -، وسوف يأتي٦.
(١٥) حديث علي بن أبي طالب ﵁، وسوف يأتي٧.
_________________
(١) ١ تقدم برقم (٩٣) . ٢ تقدم برقم (١١١) . ٣ تقدم برقم (١١٣) . ٤ سيأتي برقم (١٤٤) عند الطريق الثانية منه. ٥ سيأتي برقم (١٦٢) . ٦ سيأتي برقم (١٦٦) . ٧ سيأتي برقم (٢٢٣) .
[ ١ / ٣٦٨ ]
دلالة الأحاديث السابقة:
يستفاد مما تقدم النهي عن بيع ما لم يبد صلاحه سواءً أكان ثمرًا أم حبوبًا أم زرعًا؛ لأنها لا يؤمن من هلاكها بورود العاهة عليها لصغرها وضعفها، وإذا تلفت لا يبقى للمشتري بمقابلة ما دفع من الثمن شيء١. وبهذا قال مالك٢، والشافعي٣، وأحمد٤.
وبهذا قال أبو حنيفة أيضًا فيما إذا شرط المشتري على البائع التبقية والترك إلى صلاح الثمرة ونحوها٥. وأما إذا أطلق في العقد ولم يشترط الترك فقال أبو حنيفة يجوز إذا كان المبيع يصلح أن يكون علفًا للدواب، ويؤمر المشتري بالقطع حالًا٦.
وخالفه الجمهور فمنعوا هذه الصورة؛ لأن إطلاق العقد يقتضي التبقية والترك، لأن العرف في القبض يجري مجرى الشرط، والعرف في الثمار أن تؤخذ وقت الجذاذ، فصار المطلق كالمشروط تركه٧، وعلى هذا القول عموم الأحاديث التي تقدم ذكرها.
وهناك حالة اتفق العلماء على جواز بيع ما لم يبد صلاحه فيها، وذلك فيما إذا شرط البائع على المشتري القطع حالًا، فيكون علفًا
_________________
(١) ١ شرح السنة (٨/٩٦) . ٢ شرح الخرشي على مختصر خليل (٥/١٨٥) . ٣ الحاوي (٥/١٩٠) . ٤ الإنصاف (٥/٦٥) . ٥ شرح فتح القدير (٦/٢٨٧) . ٦ المرجع السابق. ٧ الحاوي (٥/١٩٢) .
[ ١ / ٣٦٩ ]
للدواب ونحو ذلك؛ لأن العلة التي من أجلها نهي عن بيع ما لم يبد صلاحه منتفية هنا١.
والمراد ببدو الصلاح يختلف باختلاف المبيع، فبدو الصلاح في التمر هو باللون كما تقدم في حديث أنس ﵁: "حتى يحمار أو يصفار"، وفي العنب الأسود حتى يسود، وكذلك فهذه العلامة هي في كل ما يتغير لونه عند صلاحه، فصلاحه يكون بتغير لونه. وإن كان العنب أبيض، فصلاحه بتموهه وهو أن يبدو فيه الماء الحلو ويلين ويصفر لونه.
وإن كان مما لا يتلون كالتفاح ونحوه فبأن يحلو ويطيب، وإن كان بطيخًا ونحوه فبأن يبدو فيه النضح.
وإن كان مما لا يتغير لونه ويؤكل طيبًا صغارًا وكبارًا كالقثاء والخيار ونحوه، فصلاحه بلوغه أن يؤكل عادة٢.
وليعلم أن بدو الصلاح في بعض ثمرة النخلة أو الشجرة صلاح لجميعها. قال ابن قدامة في هذا: لا أعلم فيه اختلافًا٣.
وإذا بدا الصلاح في بعض ثمر الحائط جاز بيع الكل مطلقًا إذا اتفق الجنس، فأما إذا اختلف الجنس فلا بد من مراعاة بدو الصلاح في كل جنس منها٤. والله أعلم.
_________________
(١) ١ انظر: شرح السنة (٨/٩٦) . ٢ المغني (٤/٢٢٤) بتصرف. ٣ المغني (٤/٢٢٢) . ٤ شرح السنة (٨/٩٦) .
[ ١ / ٣٧٠ ]