الفصل الخامس: ورد في النهي عن التصرية
٢١٢ - (١) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا تصرُّوا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعدُ فإنه بخير النظرين بعد أن يحتلبها: إن شاء أمسك، وإن شاء ردَّها وصاع تمرٍ".
رواه البخاري١ واللفظ له، ومسلم٢، وأبو داود٣، والترمذي٤، والنسائي٥، وابن ماجه٦، ومالك٧، وأحمد٨، كلهم من طرقٍ عنه به.
وفي لفظ لهم - عدا الترمذي وابن ماجه - زيادة: "لا تلقوا الركبان، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، ولا تناجشوا، ولا يبع حاضرٌ لبادٍ". وفي لفظ للبخاري ومسلم وغيرهما بدل قوله: "ولا يبع بعضكم على بيع بعض" جاء: "وأن يستام الرجل على سوم أخيه".
وقد روى الترمذي هذه الجمل مفرَّقة في مواضع.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري - مع الفتح -[كتاب البيوع (٤/رقم ٢١٤٨،٢١٥٠،٢١٥١)، كتاب الشروط (٥/رقم ٢٧٢٧)] . ٢ صحيح مسلم [كتاب البيوع (٣/١١٥٥-١١٥٩)] . ٣ سنن أبي داود [كتاب البيوع (٣/٧٢٢،٧٢٧)] . ٤ جامع الترمذي [كتاب البيوع (٣/٥٥٣-٥٥٤)] . ٥ سنن النسائي [كتاب البيوع (٧/٢٥٢،٢٥٣،٢٥٤،٢٥٥)] . ٦ سنن ابن ماجه [كتاب التجارات (٢/٧٥٣)] . ٧ الموطأ (٢/٥٢٦) . ٨ المسند (٢/٢٤٢، ٢٤٨، ٢٥٩، ٢٧٣، ٣١٧، ٣٨٦، ٤٠٦، ٤١٠، ٤٢٠، ٤٣٠، ٤٦٠، ٤٦٣، ٤٦٩، ٤٨١) .
[ ٢ / ٦٤٣ ]
وعند مسلم وأبي داود والترمذي وأحمد١ من طريق محمد بن سيرين عنه به مرفوعًا: "من اشترى شاةً مصرَّاةً فهو بالخيار ثلاثة أيام".
ورواه مسلم وأحمد٢ أيضًا من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه به بنحوه بذكر ثلاثة أيام.
وقوله في الحديث: "وصاع تمرٍ" جاء في بعض الروايات: "صاع من طعامٍ لا سمراء". وقد بيّن الحافظ ابن حجر٣ أن الطعام في هذه الروايات ينبغي تفسيره بالتمر لموافقة الروايات الأخرى التي جاء فيها ذكر التمر، ولذا قال البخاري عن هذا الاختلاف: "التمر أكثر"٤، يعني أكثر الروايات عليه. والله أعلم.
٢١٣ - (٢) عن رجلٍ من أصحاب النبي ﷺ قال: "لا يتلقَّى جلب، ولا يبع حاضرٌ لبادٍ، ومن اشترى مصرَّاة أو ناقةً - قال شعبة: إنما قال: ناقة، مرة واحدة - فهو فيها بآخر النظرين إذا هو حلب، إن ردَّها ردَّ معها صاعًا من طعامٍ" أو قال: "صاعًا من تمر".
رواه أحمد٥ واللفظ له، وابن أبي شيبة٦، والبيهقي٧. كلهم من طرقٍ عن الحكم سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى عنه به.
_________________
(١) ١ المسند (٢/٥٠٧) . ٢ المرجع السابق (٢/٤١٧) . ٣ فتح الباري (٤/٤٢٦) . ٤ ذكر البخاري هذا عقب حديث رقم (٢١٤٨) . ٥ المسند (٤/٣١٤) . ٦ المصنف (٥/٢٥٠) . ٧ السنن الكبرى (٥/٣١٩) .
[ ٢ / ٦٤٤ ]
وهذا إسناد صحيح كما قال الحافظ ابن حجر١. ولا تضرّ الجهالة بالصحابي؛ لأن الصحابة كلهم عدول.
قال البيهقي في قوله: "أو صاعًا من تمرٍ": "يحتمل أن يكون شكًا من بعض الرواة، فقال: صاعًا من هذا أو من ذلك، لا أنه من وجه التخيير ليكون موافقًا للأحاديث الثابتة في هذا الباب".
وذكر الحافظ ابن حجر الاحتمالين٢ - وهما أن تكون "أو" للشك أو للتخيير - ولم يرجّح بينهما مع أن لفظ أحمد صريح في أن "أو" شك من الراوي؛ لأن عنده: أو قال: "صاعًا من تمرٍ". وهذه الصيغة صريحة في الشك. والله أعلم.
٢١٤ - (٣) عن ابن عباس - ﵄ - أن النبي ﷺ قال: "لا تستقبلوا السُّوق، ولا تحفِّلوا، ولا ينفِّق بعضكم لبعض".
رواه الترمذي٣ واللفظ له، وابن أبي شيبة٤، ومن طريقه أحمد٥، والطحاوي٦، والبيهقي٧. كلهم من طرق عن أبي الأحوص عن سماك عن عكرمة عنه به.
_________________
(١) ١ فتح الباري (٤/٤٢٦) . ٢ المرجع السابق. ٣ جامع الترمذي [كتاب البيوع (٣/٥٦٨)] . ٤ المصنف (٥/١٦٨) . ٥ المسند (١/٢٥٦) . ٦ شرح معاني الآثار (٤/٧) . ٧ السنن الكبرى (٥/٣١٧) .
[ ٢ / ٦٤٥ ]
وقد تكلم في حديث سماك بن حرب عن عكرمة. وقد سئل ابن المديني عن رواية سماك عن عكرمة فقال: "مضطربة"، وقال يعقوب بن شيبة: "روايته - أي سماك - عن عكرمة خاصة مضطربة"، وقال العجلي في سماك: "جائز الحديث إلا أنه كان في حديث عكرمة ربما وصل الشيء"١.
فمما سبق يتبين أن هذا الإسناد ضعيف، إلا أنه يرتقي بشواهده التي تقدم ذكرها فيكون حسنًا. والله أعلم.
والمحفّلات: التي جمع لبنها في ضرعها.
ومعنى قوله: "ولا ينفِّق بعضكم لبعض" أي لا يقصد أن ينفِّق سلعته على جهة النجش، فإنه بزيادته فيها يرغِّب السامع، فيكون قوله سببًا لابتياعها ومنفقًا لها٢.
٢١٥ - (٤) عن ابن مسعود ﵁ قال: أشهد على الصادق المصدوق أبي القاسم ﷺ أنه حدثنا قال: "بيع المحفَّلات خِلابة، ولا تحل الخِلابة لمسلم".
رواه ابن ماجه٣، وابن أبي شيبة٤، والبيهقي٥، وابن عبد البر٦. كلهم من طرقٍ عن جابر الجعفي عن أبي الضحى عن مسروقٍ عنه به.
_________________
(١) ١ تهذيب التهذيب (٤/٢٣٣-٢٣٤) . وقد تقدم عند حديث رقم (١٣١) . ٢ النهاية في غريب الحديث (٥/٩٩) . ٣ سنن ابن ماجه [كتاب التجارات (٢/٧٥٣)] . ٤ المصنف (٥/٩٥) . ٥ السنن الكبرى (٥/٣١٧) . ٦ التمهيد (١٨/٢٠٩-٢١٠) .
[ ٢ / ٦٤٦ ]
وجابر الجعفي أثنى عليه سفيان، وقال شعبة: صدوق في الحديث. ووثقه وكيع. وكذبه ابن معين وغيره. وقال ابن معين أيضًا: لا يكتب حديثه ولا كرامة. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال أيضًا: ليس بثقةٍ ولا يكتب حديثه. واتهمه غير واحد بالقول بالرجعة وغيرها من عقائد الرافضة١. وخلص فيه الحافظ ابن حجر إلى إنه ضعيف رافضي٢.
إلا أن الحديث قد جاء من وجه آخر. فقد رواه الدارقطني في العلل٣ من طريق محمد بن جعفر الوركاني حدثنا أبو شهاب عن الأعمش عن خيثمة عنه به، ولفظه: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع المحفلات من الغنم، وقال: خلابة بين المسلمين". والخلابة: الخداع٤.
وأبو شهاب هو عبد ربه بن نافع قال فيه يحيى بن سعيد: ليس بالحافظ. ووثقه ابن معين وابن سعد وغيرهما. وقال أحمد: ما بحديثه بأس. وقال النسائي: ليس بالقوي٥. ولذا جعله ابن حجر في مرتبة: "صدوق يهم"٦.
وقد خالفه الثوري كما عند عبد الرزاق٧، وكذلك أبو معاوية الضرير عند ابن أبي شيبة٨، ويعلى بن عبيد عند البيهقي٩، فوقفوا الحديث على ابن مسعود ﵁.
_________________
(١) ١ تهذيب التهذيب (٢/٤٧-٥١) . ٢ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٨٧٨) . ٣ العلل (٥/٤٨) . ٤ النهاية في غريب الحديث (٢/٥٨) . ٥ تهذيب التهذيب (٦/١٢٩) . ٦ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٣٧٩٠) . ٧ مصنف عبد الرزاق (٨/١٩٨) . ٨ مصنف ابن أبي شيبة (٥/٩٤) . ٩ السنن الكبرى (٥/٣١٧) .
[ ٢ / ٦٤٧ ]
وفي إسناد ابن أبي شيبة والبيهقي زيادة في الإسناد وهي ذكر الأسود بين خيثمة وعبد الله بن مسعود ﵁. وقد رواه موقوفًا عن ابن مسعود ﵁ أيضًا أبو عثمان النهدي، كما عند البخاري١.
فمما سبق يتبين أن الحديث جاء مرفوعًا وموقوفًا. والذي يترجح لي من هذا الاختلاف هو الوقف؛ لكونه رواية الأحفظ والأكثر. وممن رجح الوقف الدارقطني٢. والله أعلم.
٢١٦ - (٥) عن عمرو بن عوف المزني ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا جَلَب ولا جَنَب ولا اعتراض، ولا يبيع حاضرٌ لبادٍ، ولا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك فهو إذا حلبها بخير النظرين: إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعًا من تمرٍ".
رواه الدارقطني٣ واللفظ له، والبزار٤، وابن عدي٥، والطبراني في الكبير٦ - كلهم مختصرًا - من طرقٍ عن كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جده عمرو بن عوف المزني ﵁ به.
وكثير بن عبد الله المزني كذبه الشافعي وأبو داود. وقال فيه ابن معين: ليس بشيء. وقال أحمد: منكر الحديث، ليس بشيء. وقال
_________________
(١) ١ صحيح البخاري - مع الفتح [كتاب البيوت (٤/رقم ٢١٤٩) . ٢ العلل (٥/٤٨) . ٣ سنن الدارقطني (٣/٧٥) . ٤ مسند البزار (٨/٣٢٣) . ٥ الكامل (٦/٦٠) . ٦ المعجم الكبير (١٧/١٧) .
[ ٢ / ٦٤٨ ]
أبو زرعة: واهي الحديث، ليس بالقوي. وقال النسائي والدارقطني: متروك الحديث. وقال النسائي أيضًا: ليس بثقة١.
فمما تقدم يتبين أن كثير بن عبد الله المزني ضعيف جدًا. وأما ما اختاره الحافظ ابن حجر من أنه "ضعيف، أفرط من نسبه إلى الكذب"٢، ففيه تساهل؛ لما سبق من أقوال الأئمة فيه.
وأصاب الحافظ الذهبي فجعله في مرتبة "واهٍ"٣، وفي موضع آخر: "متروك"٤.
فمما سبق يتبين أن إسناد هذا الحديث ضعيف جدًا. وأما النهي عن التصرية فهو ثابت عن غير واحدٍ من الصحابة كما تقدم ذكر أحاديثهم. والله أعلم.
ومما ورد في هذا الفصل أيضًا:
(٦) حديث عبد الله بن عمر - ﵄ -، وسيأتي٥.
_________________
(١) ١ تهذيب التهذيب (٨/٤٢٢) . ٢ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٥٦١٧) . ٣ الكاشف (٣/٥) . ٤ المغني في الضعفاء (٢/١٢٩) . ٥ سيأتي برقم (٢١٩) .
[ ٢ / ٦٤٩ ]
دلالة الأحاديث السابقة:
يستفاد مما تقدم النهي عن التصرية.
والتصرية فسرها أبو عبيد وغيره بجمع اللبن وحبسه في الضرع. وفسّرها الشافعي بأنها صرُّ - أي ربط - أخلافها ولا تحلب أيامًا حتى يجتمع اللبن في ضرعها، فإذا حلبها المشتري استغزرها.
قال الخطابي: قول أبي عبيد حسن، وقول الشافعي صحيح١.
وإنما نهي عن التصرية لأنها غشٌّ وخداعٌ٢.
وقد دلت الأحاديث السابقة على أن المشتري للمصرّاة مخيّرٌ بين إمساكها وبين ردِّها وردّ صاعٍ من تمرٍ معها مكان ما حلب من اللبن أول مرّة. وإلى هذا ذهب مالك٣، والشافعي٤، وأحمد٥.
وذهب أبو حنيفة إلى أنه ليس له ردّ المصراة بالعيب، ولكنه يرجع بنقصان العيب٦.
واعترض الحنفية على ما ورد من الأحاديث في التخيير بين إمساك المصرّاة وبين ردّها ورد صاع من تمر بما يأتي:
أولًا: الطعن في صحة هذا الحديث؛ لأنه من رواية أبي هريرة ﵁ ولا يقبل من حديثه ما خالف القياس الجلي٧.
_________________
(١) ١ معالم السنن (٣/٧٢٣)، النهاية في غريب الحديث (٣/٢٧) . ٢ شرح صحيح مسلم (١٠/١٦٢) . ٣ المدونة (٣/٢٨٧)، المعونة (٢/١٠٧٣) . ٤ الحاوي الكبير (٥/٢٣٦) . ٥ المغني (٤/٢٣٣)، الإنصاف (٤/٣٩٩) . ٦ المبسوط (١٣/١٠٣) . ٧ المرجع السابق (١٣/٤٠) .
[ ٢ / ٦٥٠ ]
قال ابن حجر: وهو كلام آذى قائله به نفسه، وفي حكايته غنى عن تكلف الرد عليه، وقد ترك أبو حنيفة القياس الجلي لرواية أبي هريرة وأمثاله.
ونقل ابن حجر عن ابن السمعاني قوله: "والتعرض إلى جانب الصحابة علامة على خذلان فاعله، بل هو بدعة وضلالة، وقد اختص أبو هريرة ﵁ بمزيد الحفظ لدعاء رسول الله ﷺ له"١.
وقال الحافظ ابن حجر: "ثم مع ذلك لم ينفرد أبو هريرة ﵁ برواية هذا الأصل، فقد أخرجه أبو داود من حديث ابن عمر٢،
_________________
(١) ١ فتح الباري (٤/٤٢٧) . ٢ سنن أبي داود [كتاب البيوع (٣/٧٢٧-٧٢٨)]، ورواه ابن ماجه [كتاب التجارات (٢/٧٥٣)]، والبيهقي (٥/٣١٩)،كلهم من طريق عبد الواحد بن زياد عن صدقة بن سعيد الحنفي عن جُميع بن عمير التَّيمي عن ابن عمر - ﵄ - مرفوعًا بلفظ: "من ابتاع محفَّلةً فهو بالخيار ثلاثة أيام، فإن ردّها ردّ معها مثل أو مثلي لبنها قمحًا". وفي إسناده جميع بن عمير، قال فيه البخاري: فيه نظر. وقال أبو حاتم: محله الصدق، صالح الحديث. وحسّن الترمذي بعض حديثه. واتهمه ابن حبان بوضع الحديث. [تهذيب التهذيب (٢/١١٢)] . وجعله الحافظ ابن حجر في مرتبة: "صدوق يخطئ". [تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٩٦٨)] . وكذلك فإن صدقة بن سعيد، قال فيه أبو حاتم: شيخ. وضعفه الساجي وابن وضاح. [تهذيب التهذيب (٤/٤١٥)] . وجعله الحافظ ابن حجر في مرتبة: "مقبول". [تقريب التهذيب: رقم الترجمة
(٢) ] . فمما سبق يتبين أن إسناد هذا الحديث ضعيف. وقد ضعفه الحافظ ابن حجر أيضًا. (فتح الباري: ٤/٤٢٦)، وله طرق أخرى تأتي في الحاشية الآتية.
[ ٢ / ٦٥١ ]
وأخرجه الطبراني من وجهٍ آخر عنه١، وأبو يعلى من حديث أنس٢، وأخرجه البيهقي في الخلافيات من حديث عمرو بن عوف المزني٣، وأخرجه أحمد من رواية رجلٍ من الصحابة لم يسمّ٤"٥.
وكذلك فقد أفتى ابن مسعود ﵁ بمثل ما روى أبو هريرة ﵁ كما عند البخاري عنه ﵁، قال: "من اشترى شاةً محفّلة فردّها فليردّ معها صاعًا من تمر"٦.
وأما قول بعض الحنفية باحتمال أن يكون ابن مسعود ﵁ سمع الحديث من أبي هريرة ﵁ وأفتى به٧، فالجواب أن هذا الاحتمال ظن لا دليل عليه. ولو سُلِّم أنه أفتى بما سمعه من حديث أبي هريرة ﵁،
_________________
(١) ١ لعله من طريق ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن ابن عمر - ﵄ - به، وقد أخرجه من هذا الطريق الدارقطني (٣/٧٤) . وقد تقدم أن ليث بن أبي سليم ضعيف. انظر: حديث رقم (٩) . وقد ذكر الدارقطني في سننه (٣/٧٥) أن عاصم بن عبيد الله رواه عن سالم عن ابن عمر - ﵄ -، وعاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب ضعفه ابن معين وغيره، وقال ابن سعد: لا يحتج به، وقال أحمد: ليس بذاك، وقال أبو حاتم: منكر الحديث مضطرب الحديث، وقال البخاري: منكر الحديث. وجمهور الأئمة على ضعفه، إلا أنه صالح للاعتبار. انظر: تهذيب التهذيب (٥/٤٧-٤٨) . ٢ تقدم برقم (١٠٠) . وقد تقدم أن فيه إسماعيل بن مسلم المكي، وهو ضعيف جدًا. ٣ تقدم برقم (٢١٦) . وهو بإسناد ضعيف جدًا. ٤ تقدم برقم (٢١٣) . وهو حديث صحيح. ٥ فتح الباري (٤/٤٢٧) . ٦ صحيح البخاري - مع الفتح -[كتاب البيوع (٤/ رقم ٢١٤٩)] . ٧ إعلاء السنن (١٤/٥٩-٦٠) .
[ ٢ / ٦٥٢ ]
فإنه ﵁ وهو الذي لا يجادل أحد في فقهه - لو كان يرى فيما حدث به أبو هريرة ﵁ مخالفة للقياس واستبعاد أن يكون النبي ﷺ قاله ما قبله.
ثانيًا: دعوى الاضطراب في الحديث، لذكر التمر فيه تارة، والقمح أخرى، واللبن أخرى، واعتباره بالصاع، وبالمثل أو المثلين تارة، وبالإناء أخرى١.
والجواب: أن الطرق الصحيحة لا اختلاف فيها، والضعيف لا يعل به الصحيح٢.
ثالثًا: قالوا إن ضمان المتلفات يتقدر بالمثل بالكتاب والسنة، وفيما لا مثل له بالقيمة، وإيجاب التمر مكان اللبن مخالف لما ثبت بالكتاب والسنة، وكذلك فإن فيه تسوية بين قليل اللبن وكثيره فيما يجب مكانه، وهذا مخالف للأصول؛ لأن الأصل أنه إذا قل المتلف قلّ الضمان، وإذا كثر المتلف كثر الضمان، وهنا الواجب صاع من التمر قلّ اللبن أو كثر٣.
والجواب عن هذا أن يقال: حديث المصرّاة أصل مستثنى من تلك القواعد، لمعنى يخصه، وبيانه أن اللبن الحادث بعد العقد ملك للمشتري، فيختلط باللبن الموجود حال العقد، وقد يتعذر الوقوف على قدره، فاقتضت حكمة الشرع أن جعل ذلك مقدرًا لا يزيد ولا ينقص دفعًا للمنازعة، وإنما خص ذلك بالطعام لأنه قوت كاللبن، وجعل تمرًا لأنه غالب قوتهم ولا يحتاج في تقوته إلى كلفة٤.
_________________
(١) ١ إعلاء السنن (١٤/٦٠) . ٢ فتح الباري (٤/٤٢٧) . ٣ المبسوط (١٣/٤٠) . ٤ شرح الزركشي (٣/٥٦١-٥٦٢) . وانظر: التمهيد (١٨/٢٠٨-٢٠٩) .
[ ٢ / ٦٥٣ ]
وأما تضمينه بغير جنسه ففي غاية العدل، فإنه لا يمكن تضمينه بمثله البتة، فإن اللبن في الضرع محفوظ غير معرضٍ للفساد، فإذا حلب صار عرضةً لحمضه وفساده، فلو ضمن اللبن الذي كان في الضرع بلبنٍ محلوبٍ في الإناء، كان ظلمًا تتنزه الشريعة عنه.
وأيضًا فإن اللبن الحادث بعد العقد اختلط باللبن الموجود وقت العقد، فلم يعرف مقداره حتى يوجب نظيره على المشتري، وقد يكون أقل منه أو أكثر، فيفضي إلى الربا، لأن أقل الأقسام أن تجهل المساواة١.
رابعًا: دعوى مخالفته لحديث "الخراج بالضمان"٢، فالجواب أن يقال:
_________________
(١) ١ أعلام الموقعين (١/٥١٧) . ٢ انظر: أعلام الموقعين (١/٥١٦) . وهذا الحديث جاء عن عائشة - ﵂ - مرفوعًا من طريقين: الطريق الأولى: عن مخلد بن خفاف عن عروة عنها به: رواه أبو داود [كتاب البيوع (٣/٧٧٧-٧٧٩)]، والترمذي [كتاب البيوع (٣/٥٨١-٥٨٢)]، والنسائي [كتاب البيوع (٧/٢٥٤،٢٥٥)]، وابن ماجه [كتاب التجارات (٢/٧٥٣-٧٥٤)]، وأبو داود الطيالسي (ص٢٠٦)، وأحمد (٦/٤٩،٢٠٨،٢٣٧) وغيرهم، كلهم من طرقٍ عن ابن أبي ذئب به. ومخلد بن خفاف - بضم الخاء -[المغني في ضبط أسماء الرجال (ص٩٣)]، قال فيه البخاري: فيه نظر، وفي سماع ابن أبي ذئب منه عندي نظر، ولا يعرف له غير هذا الحديث كما قال ابن عدي. وذكره ابن حبان في الثقات. [تهذيب التهذيب (١٠/٧٤- ٧٥)] . وجعله الحافظ ابن حجر في مرتبة "مقبول" [تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٦٥٣٦)] . وقد حكم أبو حاتم على هذا الإسناد بأنه إسناد لا تقوم به الحجة. [الجرح والتعديل (٨/٣٤٧)] . الطريق الثانية: هشام بن عروة، عن أبيه عنها به: رواه أبو داود [كتاب البيوع (٣/٧٨٠)]، وابن ماجه [كتاب التجارات (٢/٧٥٤)]، والطحاوي (٤/٢١-٢٢)، والدارقطني (٣/٥٣)، والحاكم (٢/١٤-١٥) وغيرهم، كلهم من طرقٍ عن مسلم ابن خالد الزنجي به، وفيه قصة. ومسلم بن خالد الزنجي تقدم الكلام فيه وأنه ضعيف [تقدم عند حديث رقم (٣٣)]، ولذا قال أبو داود في هذا الحديث عقب إخراجه له: "هذا إسناد ليس بذاك". وقد تابع مسلم بن خالد الزنجي جرير بن عبد الحميد كما ذكر ذلك الترمذي (٣/٥٨٢)، وعقبه بقوله: "يقال تدليس، دلس فيه جرير، لم يسمعه من هشام بن عروة". وتابعه أيضًا عمر بن علي المقدسي، كما رواه البيهقي (٥/٣٢٢) بإسناده عنه عن هشام به، إلا أن عمر بن علي هذا مشهور بالتدليس [تعريف أهل التقديس (ص١٣٠-١٣١)، وقد ذكره في المرتبة الرابعة] . فمما تقدم يتبين أن الحديث بمجموع طرقه حسن. والله أعلم.
[ ٢ / ٦٥٤ ]
إن صاع التمر ليس عوضًا عن اللبن الحادث، وإنما هو عوض عن اللبن الموجود وقت العقد في الضرع١.
خامسًا: قالوا إن حديث المصراّة منسوخ٢. وناسخه إما حديث النهي عن بيع الدين بالدين، أو حديث "الخراج بالضمان"، وقيل غير ذلك.
والجواب: أن النسخ لا يثبت بالاحتمال، ولا دلالة على النسخ٣.
هذا أشهر ما اعترض به الحنفية على حديث المصرّاة، وتبيّن الجواب عنها.
وبالجملة فإن حديث المصرّاة أصلٌ بذاته لا يعارض بغيره، بل هو مشتمل على العدل مع المشتري والبائع. والله أعلم.
_________________
(١) ١ أعلام الموقعين (١/٥١٧) . ٢ شرح معاني الآثار (٤/١٩-٢٢) . ٣ فتح الباري (٤/٤٢٧) .
[ ٢ / ٦٥٥ ]
وظاهر الأحاديث السابقة أن هذا الحجم ثابت في مصراة الإبل والغنم، ويلحق بهما البقر؛ لأنها في معنى الإبل والغنم، بل البقر أولى؛ لأنها أغزر لبنًا وأكثر نفعًا١، وإنما اقتصر عليهما لغلبتهما عندهم٢.
ويلحق بها أيضًا كل محفلة٣؛ للجامع بينها وهو تغرير المشتري٤، وقيل: لا يلحق ببهيمة الأنعام غيرها٥ وقيل: يلحق بها جميع الحيوانات المأكولة٦.
وكذلك فإن حديث أبي هريرة ﵁ يدل على أن المشتري له الخيار مدة ثلاثة أيام، وذهب بعض العلماء إلى أن للمشتري الرد قبل الثلاثة وبعدها؛ لأنه تدليس، فملك الرد إذا بينه كسائر التدليس٧.
قال ابن قدامة: العمل بالخبر أولى٨.
_________________
(١) ١ المغني (٤/٢٣٦) . ٢ فتح الباري (٤/٤٢٣) . ٣ انظر: صحيح البخاري [كتاب البيوع، ترجمة الباب رقم ٦٤)] . ٤ الفتح (٤/٤٢٣) . ٥ المغني (٤/٢٣٦-٢٣٧) . ٦ المجموع (١١/٢٧١) . ٧ المغني (٤/٢٣٦) . ٨ المرجع السابق.
[ ٢ / ٦٥٦ ]