١٧٦ - (١) عن سمرة بن جندب ﵁ "أن النبي ﷺ نهى عن بيع الشاة باللحم".
رواه الحاكم١ وهذا لفظه، والبيهقي٢، كلاهما من طريق إبراهيم بن طهمان عن الحجاج بن الحجاج الباهلي، عن قتادة عن الحسن عنه به.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، رواته عن آخرهم حفاظ ثقات، ولم يخرجاه، وقد احتج البخاري بالحسن عن سمرة.
وقال البيهقي: هذا إسناد صحيح، ومن أثبت سماع الحسن البصري عن سمرة بن جندب عدّه موصولًا، ومن لم يثبته فهو مرسل جيِّد.
وقد سبق الكلام في سماع الحسن من سمرة٣ ﵁، وأن الراجح فيه ثبوت سماعه منه في الجملة، ولكن يشترط تصريحه بالسماع منه؛ لأن الحسن مدلِّس. وهو في هذا الحديث لم يصرِّح بالسماع، فعلى هذا فإن هذا الإسناد ضعيف.
وقد تقدم في الفصل السابق أن قتادة يروي هذا الحديث عن الحسن، عن سمرة ﵁ "أن النبي ﷺ نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة".
وقد روى هذا الحديث عن قتادة جماعة؛ منهم شعبة، وسعيد بن أبي عروبة، وحماد بن سلمة، فهل الحديثان محفوظان عن قتادة؟ الله أعلم.
_________________
(١) ١ المستدرك (٢/٣٥) . ٢ السنن الكبرى (٥/٢٩٦) . ٣ سبق عند حديث سمرة بن جندب ﵁ رقم (١٧١) .
[ ٢ / ٥٦٩ ]
١٧٧ - (٢) عن القاسم بن أبي بزة قال: قدمت المدينة فوجدت جزورًا قد جزرت، فجزئت أربعة أجزاء كل جزءٍ منها بعناقٍ، فأردت أن أبتاع منها جزءًا، فقال لي رجل من أهل المدينة: إن رسول الله ﷺ "نهى أن يُباع حيٌّ بميِّتٍ" قال: فسألت عن ذلك الرجل، فأُخبرت عنه خيرًا".
رواه الشافعي١ - ومن طريقه البيهقي٢ - بإسناده عن مسلم بن خالد الزِّنجي عن ابن جريج به.
ومسلم بن خالد الزِّنحي تقدم الكلام فيه وأنه صدوق كثير الأوهام٣.
وابن جريج إمام مشهور إلا أنه يدلِّس٤، ولم يصرِّح بالسماع في هذا الحديث.
وفيه أيضًا راو مبهم، وهو الذي حدث القاسم بن أبي بزة، وهو ليس بصحابي؛ لأن القاسم لم يلق أحدًا من الصحابة٥. ولذا ذكره الحافظ ابن حجر في الطبقة الخامسة٦. فهو على ذلك مرسل أيضًا.
فعلى هذا فإن الحديث ضعيف لضعف مسلم الزِّنجي، وتدليس ابن جريج، والإبهام في أحد رواته، والإرسال. والله أعلم.
_________________
(١) ١ مسند الشافعي (ص٢٥٠) . ٢ السنن الكبرى (٥/٢٩٦-٢٩٧) . ٣ تقدم الكلام عليه عند حديث أبي هريرة رقم (٣٣) . ٤ تعريف أهل التقديس (ص٩٥)، وقد ذكره في المرتبة الثالثة من مراتب المدلِّسين. ٥ تهذيب التهذيب (٨/٣١٠) . ٦ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٥٤٥٢) .
[ ٢ / ٥٧٠ ]
١٧٨ - (٣) عن سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ "نهى عن بيع الحيوان باللحم".
رواه مالك١، وعبد الرزاق٢، وأبو داود في المراسيل٣، والدارقطني٤، والحاكم٥، والبيهقي٦. كلهم من طرقٍ عن سعيد بن المسيب به مرسلًا.
ولفظ أبي داود: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحي بالميت".
ورواه مسدد٧ بإسناده عن يحيى عن مالك عن زيد بن أسلم به مرسلًا، ولفظه "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحيوان بالحيوان". والمحفوظ في متنه عن مالك ما تقدم، وأما لفظ مسدد فخطأ.
قال ابن عبد البر: لا أعلم هذا الحديث يتصل من وجهٍ ثابت من الوجوه عن النبي ﷺ، وأحسن أسانيده مرسل سعيد بن المسيب هذا، ولا خلاف عن مالك في إرساله٨.
ثم ذكر ابن عبد البر بإسناده عن يزيد بن مروان عن مالك عن ابن شهاب عن سهل بن سعد الساعدي قال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع اللحم بالحيوان ". "قال ابن عبد البر: وهذا حديث إسناده موضوع لا يصح عن مالك ولا أصل له من حديثه".
_________________
(١) ١ الموطأ (٢/٥٠٧) . ٢ المصنف (٨/٢٧) . ٣ المراسيل (ص١٦٦-١٦٧) . ٤ سنن الدارقطني (٣/٧١) . ٥ مستدرك الحاكم (٢/٣٥) . ٦ السنن الكبرى (٥/٢٩٦) . ٧ إتحاف الخيرة المهرة (ص٢١٣) . ٨ التمهيد (٤/٣٢٢) .
[ ٢ / ٥٧١ ]
والحديث الذي ذكره ابن عبد البر عن سهل بن سعد ﵁ أخرجه أيضًا الدارقطني١، وأبو نعيم في الحلية٢.
قال الدارقطني: "تفرد به يزيد بن مروان عن مالك بهذا الإسناد ولم يتابع عليه، وصوابه في الموطأ عن ابن المسيب مرسلًا".
وقال أبو نعيم: "غريب من حديث مالك عن الزهري عن سهل، تفرد به يزيد بن عمرو عن يزيد".
وقال البيهقي في رواية يزيد بن مروان: "غلط فيه"٣.
ويزيد بن مروان قال فيه ابن معين: كذاب. قال الدارمي: قد أدركته وهو ضعيف قريب مما قال يحيى. وقال الدارقطني: ضعيف جدًا. وقال ابن عدي: ليس بذاك المعروف٤.
فعلى هذا فإن رواية يزيد بن مروان منكرة. والمحفوظ عن سعيد بن المسيب الإرسال. والله أعلم.
١٧٩ - (٤) عن ابن عمر - ﵄ - "أن النبي ﷺ نهى عن بيع اللحم بالحيوان".
رواه البزار٥ بإسناده عن ثابت بن زهير عن نافعٍ عنه به. وقال: "لا نعلم رواه عن نافع إلا ثابت وهو بصري".
_________________
(١) ١ سنن الدارقطني (٣/٧٠-٧١) . ٢ الحلية (٦/٣٣٤) . ٣ السنن الكبرى (٥/٢٩٦) . ٤ لسان الميزان (٦/٢٩٣) . ٥ كشف الأستار (٢/٨٦) .
[ ٢ / ٥٧٢ ]
وثابت بن زهير قال فيه البخاري: منكر الحديث. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث لا يشتغل به. وذكره ابن المديني في المتروكين من أصحاب نافع. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال الدارقطني وغيره: منكر الحديث١.
فعلى هذا فإن هذا الإسناد لا يعتبر به لشدة ضعف ثابت بن زهير. والله أعلم.
_________________
(١) ١ لسان الميزان (٢/٧٦) .
[ ٢ / ٥٧٣ ]
دلالة الأحاديث السابقة:
أحاديث هذا الفصل تدل على النهي عن بيع اللحم بالحيوان مطلقًا سواءً أكان من جنسٍ واحد أم لا. وبهذا قال مالك١، والشافعي٢، وأحمد٣.
والشافعي من أكثر القائلين بالنهي؛ سواء أكان اللحم والحيوان من جنس واحد أم لا٤، ويروى عن أبي بكر الصديق ﵁ القول بالنهي عن بيع اللحم بالحيوان، ولا يصح٥.
وقال أبو حنيفة: بيع اللحم بالحيوان جائز بكل حال٦. ووافقه محمد بن الحسن إذا كان اللحم أكثر من الحيوان٧.
وإنما أجاز أبو حنيفة بيع اللحم بالحيوان بناءً على قوله في علة الربا أنها الكيل أو الوزن، والحيوان ليس بمكيل ولا موزون٨.
وقد تقدم أن الأحاديث الواردة في النهي عن بيع اللحم بالحيوان، وإن كان في أسانيدها ضعف، إلا أنها تصلح بمجموعها للاحتجاج، ما عدا الحديث الأخير فهو ضعيف جدًا.
_________________
(١) ١ شرح الخرشي على مختصر خليل (٥/٦٨) . ٢ الحاوي الكبير (٥/١٥٧-١٥٨) . ٣ الإنصاف (٥/٢٣) . ٤ المجموع (١٠/٤٧٥) . ٥ انظر: المحلى (٨/٥١٧) . ٦ البناية (٧/٣٦٨) . ٧ المرجع السابق. ٨ انظر: المرجع السابق.
[ ٢ / ٥٧٤ ]
وقد علل الإمام مالك وغيره النهي عن بيع اللحم بالحيوان بالغرر والقمار؛ لأنه لا يدري هل في الحيوان مثل اللحم الذي أعطى أو أقل أو أكثر١.
وقد تقدم أن الإمام مال يرى أن ذلك من المزابنة٢.
وقد ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية٣ وابن القيم٤ إلى أن المراد بالنهي الوارد عن بيع اللحم بالحيوان هو ما إذا كان الحيوان مقصودًا للحم؛ كشاة يقصد لحمها، فتباع بلحم، فيكون قد باع لحمًا بلحم أكثر منه من جنس واحد، واللحم قوت موزون، فيدخله ربا الفضل.
_________________
(١) ١ أعلام الموقعين (٢/١٥٠) . ٢ انظر: الدراسة الفقهية لفصل: ما ورد في النهي عن المزابنة. ٣ تفسير آيات أشكلت (٢/٦٣٤-٦٣٥)، والإنصاف (٥/٢٣) . ٤أعلام الموقعين (٢/١٥٠) .
[ ٢ / ٥٧٥ ]