٣٦ - (١) عن عمران بن حصين ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع السلاح في الفتنة".
رواه أحمد بن منيع١، والبزار٢، والعقيلي٣، والطبراني في الكبير٤، وابن عدي٥، والبيهقي٦. كلهم من طرقٍ عن بحر بن كنيز السقاء عن عبيد الله بن القبطية عن أبي رجاء العطاردي عنه به.
وبحر بن كَنِيز هو أبو الفضل السَّقاء قال فيه ابن معين: ليس بشيء. وقال أبو حاتم: ضعيف. وقال أبو داود والنسائي والدارقطني: متروك٧. وقال ابن عدي: كل رواياته مضطربة ويخالف الناس في أسانيدها ومتونها والضعف على حديثه بيِّن. وقال أيضًا: هو إلى الضعف أقرب منه إلى غيره٨. وجعله ابن حجر في مرتبة الضعيف٩.
_________________
(١) ١ إتحاف الخيرة المهرة (ص٣١٤-٣١٥) . ٢ كشف الأستار (٤/١١٧) . ٣ الضعفاء (٤/١٣٩) . ٤ المعجم الكبير (١٨/١٣٦) . ٥ الكامل (٢/٥١) . ٦ السنن الكبرى (٥/٣٢٧) . ٧ تهذيب التهذيب (١/٤١٩) . ٨ الكامل (٢/٥٥) . ٩ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٦٣٧) .
[ ١ / ١١٩ ]
والذي يظهر لي أنه ضعيف جدًا لما تقدم من قول أكثر الأئمة فيه. والله أعلم.
وللحديث إسناد آخر، فقد رواه ابن عدي١ - ومن طريقه البيهقي٢ - وعلقه العقيلي٣ - ووصله البيهقي٤ - والخطيب البغدادي٥ بإسنادهم عن محمد بن مصعب عن أبي الأشهب عن أبي رجاء عنه به.
وأبو الأشهب هو جعفر بن حيان السعدي العطاردي البصري. ثقة٦.
وأما محمد بن مصعب، فهو ابن صدقة القُرقُسائي. قال فيه ابن معين: ليس بشيء.
وقال أيضًا: لم يكن من أصحاب الحديث، كان مغفلًا.
وقال أيضًا: ليس يدري ما يحدث.
وقال أحمد: لا بأس به.
وقال أبو زرعة: صدوق في الحديث، ولكنه حدث بأحاديث منكرة، فسأله ابن أبي حاتم: فليس هذا مما يضعفه؟ قال: نظن أنه غلط فيه.
وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث.
وقال النسائي: ضعيف.
وقال ابن حبان: ساء حفظه فكان يقلب الأخبار ويرفع المراسيل، لا يجوز الاحتجاج به٧.
_________________
(١) ١ الكامل (٦/٢٦٥-٢٦٦) . ٢ السنن الكبرى (٥/٣٢٧) . ٣ الضعفاء (٤/١٣٩) . ٤ السنن الكبرى (٥/٣٢٧) . ٥ تاريخ بغداد (٣/٢٧٨) . ٦ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٩٣٥) . ٧ تهذيب التهذيب (٩/٤٥٨-٤٥٩) .
[ ١ / ١٢٠ ]
وخلص الحافظ ابن حجر إلى أنه صدوق كثير الغلط١.
ومما يدل على غلطه أنه قد اضطرب في هذا الحديث، فرواه مرة مرفوعًا كما سبق، وأخرى موقوفًا على عمران بن حصين ﵁، وذلك فيما رواه العقيلي٢، وابن عدي٣، والبيهقي٤ بأسانيدهم عن يحيى بن معين عن محمد بن مصعب بإسناده موقوفًا.
وتابع محمد بن مصعب على الوقف سلم بن زرير كما قال العقيلي. وقد رواه أيضًا موقوفًا البخاري تعليقًا مجزومًا به عن عمران٥ ﵁، ولذا رجح البيهقي وقفه فقال: رفعه وهم والموقوف أصح٦. وكذلك قال الحافظ ابن حجر: الصواب وقفه٧.
وجعل ابن معين٨ والعقيلي الحديث من قول أبي رجاء، فيكون مقطوعًا.
ولكن الذي يظهر أنه موقوف على عمران بن حصين ﵁ كما قال البيهقي وابن حجر لمتابعة سلم بن زرير لمحمد بن مصعب. والله أعلم.
_________________
(١) ١ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٦٣٠٢) . ٢ الضعفاء (٤/١٣٨-١٣٩) . ٣ الكامل (٦/٢٦٥) . ٤ السنن الكبرى (٥/٣٢٧) . ٥ صحيح البخاري - مع الفتح -[كتاب البيوع (٤/باب رقم ٣٧)] . ٦ السنن الكبرى (٥/٣٢٧) . ٧ التلخيص الحبير (٣/١٨) . ٨ الضعفاء - للعقيلي - (٤/١٣٩) .
[ ١ / ١٢١ ]
وقد كره عمران بن حصين ﵁ بيع السلاح في الفتنة؛ لأن في بيعه إذ ذاك إعانة لمن اشتراه.
قال ابن بطال: إنما كره بيع السلاح في الفتنة؛ لأنه من باب التعاون على الإثم١. والله أعلم.
٣٧ – (٢) عن بريدة بن الحصيب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "من حبس العنب أيام القطاف حتى يبيعه من يهودي أو نصراني، أو ممن يعلم أنه يتخذه خمرًا فقد أقدم على النار على بصيرة".
رواه ابن حبان في المجروحين٢ وهذا لفظه - ومن طريقه ابن الجوزي في العلل المتناهية٣ - والطبراني في الأوسط٤، والسهمي٥، والبيهقي في شعب الإيمان٦.
كلهم من طرق عن عبد الكريم بن أبي عبد الكريم، عن الحسن بن مسلم، عن الحسين بن واقد، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه به.
قال ابن حبان: "وهذا حديث لا أصل له عن حسين بن واقد وما رواه ثقة، والحسن بن مسلم هذا راويه يجب أن يعدل به عن سنن العدول إلى المجروحين برواية هذا الخبر المنكر".
_________________
(١) ١ انظر: فتح الباري (٤/٣٧٨) . ٢ المجروحين (١/٢٣٦) . ٣ العلل المتناهية (٢/١٨٨) . ٤ المعجم الأوسط (٥/٢٩٤) . ٥تاريخ جرجان (ص٢٤١) . ٦ شعب الإيمان (٥/١٧) . ووقع في المطبوع منه في إسناده: أبو بردة عن أبيه. وهو خطأ، وإنما هو ابن بريدة عن أبيه.
[ ١ / ١٢٢ ]
وقال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن بريدة إلا بهذا الإسناد، تفرد به أحمد بن منصور المروزي".
وقد رواه ابن حبان من غير طريق أحمد بن منصور المروزي، فيستدرك على الطبراني.
وتكلم في الحديث من أجل عبد الكريم بن أبي عبد الكريم، والحسن بن مسلم المروزي التاجر. فقد ذكر ابن أبي حاتم هذا الحديث لأبيه فقال: "هذا حديث كذب باطل. قلت: تعرف عبد الكريم هذا؟ قال: لا. قلت: فتعرف الحسن بن مسلم؟ قال: لا، ولكن تدل روايتهم على الكذب"١.
ولما ترجم الذهبي للحسن بن مسلم قال فيه: "أتى بخبر موضوع في الخمر - ثم ذكر هذا الحديث -"٢.
ونقل هذا الحافظ ابن حجر في لسان الميزان ولم يتعقبه بشيء٣.
ولما ترجم لعبد الكريم بن أبي عبد الكريم نقل فيه قول ابن حبان: "عبد الكريم بن عبد الكريم البجلي عن عبد الله بن عمرو، وعنه جبارة بن المغلس مستقيم الحديث".
قال الحافظ بعده: "فالظاهر أنه هو الذي تكلم فيه أبو حاتم، ولعل ما أنكره أبو حاتم من جهة صاحبه جبارة، ويؤيده أن أبا حاتم قال قبل ذلك: لا أعرفه". انتهى كلام الحافظ٤.
_________________
(١) ١ العلل (١/٣٨٩) . وانظر: الجرح والتعديل (٣/٣٧) . ٢ الميزان (٢/٤٦) . وانظر: المغني في الضعفاء (١/٢٤٨) . ٣ لسان الميزان (٢/٢٥٦) . ٤ لسان الميزان (٤/٥٠) .
[ ١ / ١٢٣ ]
ولعل ترجيح الحافظ لقول ابن حبان هو الذي حمله على تحسين الحديث في كتابه بلوغ المرام١.
فيكون رجح أن يكون عبد الكريم مستقيم الحديث. وفات عليه أن في إسناده الحسن بن مسلم المروزي، وهو متهم بالكذب كما سبق من قول أبي حاتم. فالأولى أن يحكم على الحديث بالوضع. والله أعلم.
_________________
(١) ١ بلوغ المرام (١٦٧) .
[ ١ / ١٢٤ ]
دلالة الأحاديث السابقة:
الأحاديث الواردة في هذا الفصل، وإن لم يصح منها حديث، إلا أن مقاصد الشريعة جاءت بما دلت عليه من النهي عن بيع ما يعلم أن المشتري يستعمل المبيع في الحرام؛ لأن هذا البيع يتضمن الإعانة على الإثم والعدوان.
وقد سبق أن النبي ﷺ لعن عاصر الخمر١، وهو إنما يعصر عنبًا يصير عصيرًِا، والعصير حلال، يمكن أن يتخذ خلًا أو دبسًا وغير ذلك٢، ولكنه إنما لعن من عصر العنب ليتخذ هو أو غيره الخمر منه. ويدخل في ذلك ما إذا باع العصير على من يعمل الخمر منه.
"وفي معنى هذا كل بيعٍ أو إجارة أو معاوضة تعين على معصية الله، كبيع السلاح للكفّار والبغاة وقطّاع الطريق، وبيع الرقيق لمن يفسق به أو يؤاجره لذلك، أو إجارة داره أو حانوته أو خانه لمن يقيم فيها سوق المعصية، ونحو ذلك مما هو إعانة على ما يبغضه الله ويسخطه"٣.
ومن هذا أيضًا ينهى عن بيع عقارٍ أو آلة أو غيرها لمن يقيم فيها أو يستعملها في الحرام. ويعد هذا من باب سدِّ الذرائع. وهذا كله فيما إذا كان المبيع مباحًا في الأصل. وأما إذا كان محرّمًا فهو داخل أيضًا في الفصل السابق وهو النهي عن بيع ما جاء في الشريعة تحريمه.
فإذا ثبت تحريم بيع ما يعلم أن المشتري يستعمل المبيع في الحرام، "فإنما يحرم البيع ويبطل إذا علم البائع قصد المشتري ذلك إما بقوله، وإما بقرائن
_________________
(١) ١ قد سبق عند حديث رقم (٩،١٠،١١،١٢،١٩) . ٢ الفتاوى (٢٩/٢٧٥) . ٣ إعلام الموقعين (٣/٢٠٧) .
[ ١ / ١٢٥ ]
محتفة به تدل على ذلك، فأما إذا كان الأمر محتملًا مثل أن يشتريها من لا يعلم حاله أو من يعمل الخل والخمر معًا ولم يلفظ بما يدل على إرادة الخمر فالبيع جائز"١. والله أعلم.
_________________
(١) ١ المغني (٤/٣٠٧) .
[ ١ / ١٢٦ ]