الفصل الخامس: ما ورد في النهي عن بيع اللبن في الضرع والصوف على الظهر والسمن في اللبن
١١٣ - (١) عن ابن عباس - ﵄ - قال: "نهى رسول الله ﷺ أن تباع ثمرةٌ حتى تطعم، ولا صوف على ظهر، ولا لبن في ضرع".
رواه الطبراني في الأوسط١ والكبير٢ واللفظ له، وابن عدي٣، والدارقطني٤، والبيهقي٥، كلهم من طرقٍ عن عمر بن فروخ عن حبيب بن الزبير عن عكرمة عنه به. وزاد ابن عدي والدارقطني والبيهقي: "أو سمن في لبن".
قال الطبراني في الأوسط: "لم يرو هذا الحديث عن حبيب بن الزبير إلا عمر بن فروخ، ولا يروى هذا اللفظ: "ولا صوف على ظهر، ولا لبن في ضرع" عن رسول الله ﷺ إلا بهذا الإسناد".
وقال البيهقي: "تفرد برفعه عمر بن فروخ وليس بالقوي، وقد أرسله عنه وكيع، ورواه غيره موقوفًا".
_________________
(١) ١ المعجم الأوسط (٤/١٠١) . ٢ المعجم الكبير (١١/٣٣٨) . ٣ الكامل (٥/٦٥) . ٤ سنن الدارقطني (٣/١٤-١٥) . ٥ السنن الكبرى (٥/٣٤٠) .
[ ١ / ٣٣١ ]
وعمر بن فروخ هو العبدي أبو حفص البصري القتَّاب، وثقه ابن معين وأبو حاتم ورضيه أبو داود وقال: "مشهور". وقال ابن عدي: "لم ينقل فيه جرح"١.
وخلص فيه الحافظ ابن حجر إلى أنه: "صدوق ربما وهم"٢.
ومما يدل على وهمه ما سيأتي من بيان مخالفته لغيره في رفع هذا الحديث. وقد اضطرب فيه، فكان يسنده - كما سبق - ويرسله أحيانًا كما رواه أبو بكر بن أبي شيبة٣، وأبو داود في المراسيل٤، كلاهما من طريق عمر بن فروخ عن حبيب بن الزبير عن عكرمة مرسلًا. ولم يذكر في إسناد أبي داود حبيب بن الزبير، وهو مذكور في إسناد ابن أبي شيبة.
وقد تفرد عمر بن فروخ برفع هذا الحديث إلى النبي ﷺ وخالفه غيره. فقد رواه عبد الرزاق٥، وابن أبي شيبة٦، وأبو داود في المراسيل٧، والدارقطني٨، ومن طريقه البيهقي٩، كلهم من طرقٍ عن أبي إسحاق السبيعي عن عكرمة عن ابن عباس موقوفًا بنحوه.
_________________
(١) ١ تهذيب التهذيب (٧/٤٨٨) . ٢ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٤٩٥٥) . ٣ المصنف (٥/٢٢٣) . ٤ المراسيل (ص١٦٨) . ٥ المصنف (٨/٧٥) . ٦ مصنف ابن أبي شيبة (٥/٢٢٢) . ٧ المراسيل (ص١٦٨) . ٨ سنن الدارقطني (٣/١٥) . ٩ السنن الكبرى (٥/٣٤٠) .
[ ١ / ٣٣٢ ]
ورواه البيهقي١ بإسناده عن موسى بن عبيدة عن سليمان بن يسار عن ابن عباس - ﵄ - موقوفًا.
وموسى بن عبيدة قد تقدم الكلام فيه وأنه ضعيف جدًا٢.
فمما سبق يتبين أن المحفوظ في هذا الحديث هو الوقف على ابن عباس - ﵄ - ورفعه شاذ. والله أعلم.
ومما ورد في هذا الفصل أيضًا:
(٢) حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وقد تقدم٣.
_________________
(١) ١ معرفة السنن والآثار (٨/١٤٨-١٤٩) . ٢ تقدم عند حديث رقم (٧١) . ٣ تقدم برقم (٩٤) .
[ ١ / ٣٣٣ ]
دلالة الحديث السابق:
بيع اللبن في الضرع وإن لم يصح الحديث الوارد فيه عن النبي ﷺ، إلا أنه داخلٌ في بيع الغرر المنهي عنه؛ وذلك لأنه مجهول القدر، لأنه قد يرى امتلاء الضرع من السمن، فيظن أنه من اللبن، ولأنه مجهول الصفة، لأنه قد يكون اللبن صافيًا وقد يكون كدرًا، وذلك غرر من غير حاجةٍ، فلم يجز١.
وأجمع المسلمون على جواز بيع حيوان في ضرعه لبن، وإن كان اللبن مجهولًا، لأنه تابعٌ للحيوان، ودليله من السنة حديث المصرّاة٢.
ومثل بيع اللبن في الضرع بيع السمن في اللبن، فلا يجوز للغرر الكائن فيه.
وأما بيع الصوف على الظهر فقد اختلف العلماء في حكمه، فقال بعضهم بالنهي عن بيع الصوف على الظهر٣. وعللوا قولهم هذا بأنه قد يموت الحيوان قبل الجز فينجس شعره، وذلك غرر من غير حاجةٍ، فلم يجز، ولأنه لا يمكن تسليمه إلا باستئصاله من أصله، ولا يمكن ذلك إلا بإيلام الحيوان وهذا لا يجوز٤.
وقد تقدم أن النهي الوارد في النهي عن بيع الصوف على الظهر ضعيف. وقد ذهب أحمد في روايةٍ٥ إلى جواز بيعه إذا جُزَّ بعد عقد البيع مباشرةً. قال المرداوي عن هذا القول: "فيه قوّة"٦، ورجحه ابن القيم
_________________
(١) ١ المهذب للشيرازي (١/٢٧٣) . ٢ المجموع (٩/٣١٧) . ٣ بدائع الصنائع (٥/١٤٨)، المهذب (١/٢٧٣)، الإنصاف (٤/٣٠١) . ٤ المهذب (١/٢٧٣) . ٥ الإنصاف (٤/٣٠١) . ٦ المرجع السابق.
[ ١ / ٣٣٤ ]
ووجهه أنه معلوم يمكن تسليمه، فجاز بيعه كما يجوز بيع الرطبة، وما يقدر من اختلاط المبيع الموجود بالحادث في ملك البائع يزول بجزِّه في الحال، والحادث يسيرٌ جدًا لا يمكن ضبطه١.
ثم قال ابن القيم: "هذا ولو قيل بعدم اشتراط جزه في الحال ويكون كالرطبة التي تؤخذ شيئًا فشيئًا، وإن كانت تطول في زمن أخذها كان له وجه صحيح، وغايته بيع معدوم لم يخلق تبعًا للموجود، فهو كأجزاء الثمار التي لم تخلق، فإنها تتبع الموجود منها، فإذا جعلا للصوف وقتًا معينًا يؤخذ فيه كان بمنزلة أخذ الثمرة وقت كمالها٢. والله أعلم.
_________________
(١) ١ زاد المعاد (٥/٨٣٤) . ٢ المرجع السابق.
[ ١ / ٣٣٥ ]