١٧١ - (١) عن سمرة بن جندب ﵁ "أن النبي ﷺ نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة".
رواه أبو داود١، والترمذي٢، والنسائي٣، وابن ماجه٤، وابن أبي شيبة٥، وأحمد٦، والدارمي٧، كلهم من طرقٍ عن قتادة عن الحسن عنه به بهذا اللفظ.
قال الترمذي: "حديث سمرة حديث حسن صحيح، وسماع الحسن من سمرة صحيح، هكذا قال علي بن المديني وغيره".
وقد اختلف في سماع الحسن البصري من سمرة ﵁.
فقيل: إن أحاديثه عنه محمولة على السماع، وقد سمع منه كثيرًا. وهذا ما نقله الترمذي عن علي بن المديني، وكذلك نقله عن البخاري، وصرَّح به الحاكم في المستدرك.
_________________
(١) ١ سنن أبي داود [كتاب البيوع (٣/٦٥٢)] . ٢ جامع الترمذي [كتاب البيوع (٣/٥٣٨)] . ٣ سنن النسائي [كتاب البيوع (٧/٢٩٢)] . ٤ سنن ابن ماجه [كتاب التجارات (٢/٧٦٣)] . ٥ المصنف (٥/٥٣) . ٦ مسند أحمد (٥/١٢،١٩،٢١،٢٢) . ٧ مسند الدارمي (٢/٣٣١) .
[ ٢ / ٥٥٥ ]
القول الثاني: أنه لم يسمع منه شيئًا. قاله شعبة، ويحيى القطان، وبهز بن أسد، ويحيى بن معين، وابن حبان، والبرديجي. وبعضهم يذكر أن روايته عنه من كتابٍ، كيحيى القطان والبرديجي.
القول الثالث: أنه لم يسمع منه إلا حديث العقيقة، وباقي ما يروي عنه من كتاب. قاله النسائي، ومال إليه الدارقطني، والبيهقي، واختاره البزار، وعبد الحق الإشبيلي في أحكامه، وابن عساكر١.
والذي يترجح لي أنه سمع منه في الجملة، إلا أن الحسن موصوفٌ بالتدليس، فلا يقبل من حديثه إلا ما صرّح فيه بالسماع.
قال الذهبي: قال قائل: إنما أعرض أهل الصحيح عن كثيرٍ مما يقول فيه الحسن "عن فلان"، وإن كان مما قد ثبت لقيه فيه لفلانٍ المعيَّن، لأن الحسن معروف بالتدليس، ويدلِّس عن الضعفاء، فيبقى في النفس من ذلك، فإننا وإن ثبتنا سماعه من سمرة، يجوز أن يكون لم يسمع فيه٢ غالب النسخة التي عن سمرة٣. والله أعلم.
وبهذا يتبين أن هذا الحديث ضعيف؛ لأن الحسن لم يصرِّح بالسماع من سمرة ﵁ في هذا الحديث. والله أعلم.
_________________
(١) ١ هذه الخلاصة في رواية الحسن عن سمرة جمعتها من: نصب الراية (١/٨٩)، وجامع التحصيل (ص١٩٩)، وتهذيب التهذيب (٢/٢٦٩) . وكذلك استفدت مما كتبه حمدي السلفي في حاشية تحقيقه على المعجم الكبير للطبراني (٧/١٩٣-١٩٤-١٩٥-١٩٦) . ٢ هكذا في السير. ولعل الصواب: (منه) . ٣ سير أعلام النبلاء (٤/٥٨٨) .
[ ٢ / ٥٥٦ ]
١٧٢ - (٢) عن جابر بن عبد الله - ﵄ - قال: قال رسول الله ﷺ: "الحيوان اثنان بواحدٍ لا يصلح نسيئًا، ولا بأس به يدًا بيدٍ".
رواه الترمذي١ واللفظ له، وابن ماجه٢، وعلي بن الجعد٣، وأبو بكر بن أبي شيبة٤، وأحمد٥، والطحاوي٦. كلهم من طرقٍ عن أبي الزبير عنه به.
قال الترمذي: حسن صحيح.
وأبو الزبير هو محمد بن مسلم بن تدرُس الأسدي، مولاهم المكي، مشهور بالتدليس. وقد ذكره الحافظ ابن حجر في المرتبة الثالثة من مراتب المدلِّسين٧.
ولم يصرِّح بالسماع في هذا الحديث، فعلى هذا فإن الحديث بهذا الإسناد ضعيف لتدليس أبي الزبير. والله أعلم.
١٧٣ - (٣) عن ابن عمر - ﵄ - "أن النبي ﷺ نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة".
_________________
(١) ١ جامع الترمذي [كتاب البيوع (٣/٥٣٩)] . ٢ سنن ابن ماجه [كتاب التجارات (٢/٧٦٣)] . ٣ مسند علي بن الجعد (٢/١١٧٠) . ٤ المصنف (٥/٥٢،٥٣) . ٥ مسند أحمد (٣/٣١٠،٣٨٠) . ٦ شرح معاني الآثار (٤/٦٠) . ٧ تعريف أهل التقديس (ص١٠٨) .
[ ٢ / ٥٥٧ ]
رواه الترمذي في العلل الكبير١، والطحاوي٢، والعقيلي٣، والطبراني في الكبير٤، وأبو الشيخ الأصبهاني٥، وأبو نعيم الأصبهاني٦، وأبو بكر بن المقرئ٧. كلهم من طرقٍ عن محمد بن دينار الطاحي، عن يونس بن عبيد، عن زياد بن جبير به.
ومحمد بن دينار الأزدي الطاحي البصري، مختلف فيه. فقال فيه ابن معين: ليس به بأس. وقال مرّةً: ضعيف. وقال أبو زرعة: صدوق. وقال أبو حاتم: لا بأس به. وقال أبو داود: تغيَّر قبل أن يموت. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال مرّةً: ضعيف. وقال العقيلي: في حديثه وهم. وقال الدارقطني: ضعيف. وقال مرّةً: متروك. وقال ابن عدي: حسن الحديث وعامة حديثه يتفرد به٨.
وجعله ابن حجر في مرتبة: "صدوق سيء الحفظ، ورمي بالقدر، وتغير قبل موته"٩.
قال أبو داود: ذكرت له - أي لأحمد بن حنبل - حديث ابن عمر في الحيوان، فقال: ليس فيه ابن عمر، هو عن زياد بن جبير موقوف١٠.
_________________
(١) ١ العلل الكبير (١/٤٩٠) . وسقط من الإسناد - في المطبوع - محمد بن دينار الطاحي، وهو موجود في الروايات الأخرى. ٢ شرح معاني الآثار (٤/٦٠) . ٣ الضعفاء الكبير (٤/٦٤) . ٤ ذكر إسناده ابن كثير في جامع المسانيد (٢٨/١١٥) . ٥ طبقات المحدثين بأصبهان (٣/٢٠٦) . ٦ تاريخ أصبهان (١/٣٠٤) . ٧ معجم أبو بكر بن المقرئ (٢/٥٨١-٥٨٢) . ٨ تهذيب التهذيب (٩/١٥٥) . ٩ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٥٨٧٠) . ١٠ سؤالات أبي داود لأحمد بن حنبل (ص٣٥٢) . وانظر: الضعفاء للعقيلي (٤/٦٤) .
[ ٢ / ٥٥٨ ]
ولعل الإمام أحمد يقصد بقوله هذا أنه مرسل. بدليل قوله "ليس فيه ابن عمر"، وبدليل ما يأتي عن البخاري. فقد قال الترمذي: سألت محمدًا- يعني البخاري - عن هذا الحديث. فقال: إنما يرويه زياد بن جبير عن النبي ﷺ مرسلًا١.
وعلى هذا فإن هذا الإسناد ضعيف لحال محمد بن دينار الطاحي، ولأن المحفوظ فيه الإرسال كما قال أحمد والبخاري.
وقد تقدم٢ لحديث ابن عمر - ﵄ - طريق آخر، وذلك من طريق أبي جناب الكلبي عن أبيه عن ابن عمر - ﵄ - " الحديث، وفيه: "أرأيت الرجل يبيع الفرس بالأفراس، والنجيبة بالإبل؟ فقال النبي ﷺ: "لا بأس إذا كان يدًا بيد". رواه أحمد٣.
وأبو جناب ضعيف مدلِّس.
وقد روى الإمام مالك في موطئه عن نافع أن ابن عمر - ﵄ - "اشترى راحلةً بأربعة أبعرة مضمونةً عليه يوفيها صاحبها بالربذة"٤، وهذا إسناد صحيح.
وهذا قد يعل به الحديث المرفوع عن ابن عمر - ﵄ - في النهي، إلا أن يحمل صنيع ابن عمر - ﵄ - على اختلاف المنافع كما سيأتي في الدراسة الفقهية. والله أعلم.
_________________
(١) ١ العلل الكبير (١/٤٩٠) . ٢ تقدم في الطريق الثانية من حديث ابن عمر - ﵄ - رقم (١٥٠) . ٣ المسند (٢/١٠٩) . ٤ الموطأ (٢/٥٠٥) .
[ ٢ / ٥٥٩ ]
١٧٤ - (٤) عن ابن عباس - ﵄ - قال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة".
جاء هذا الحديث من طريق معمر عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عنه به. وقد اختلف على معمر في وصله وإرساله.
أولًا: من رواه عن معمر موصولًا:
_________________
(١) داود العطار. وذلك فيما رواه ابن الجارود١، والطحاوي٢، والطبراني٣. كلهم من طرقٍ عن شهاب بن عباد العبدي عنه به. وداود بن عبد الرحمن العطار، وشهاب العبدي كلاهما ثقة٤.
(٢) إبراهيم بن طهمان. رواه البيهقي٥ بإسناده عن حفص بن عبد الله السُّلَمي عنه به. وحفص صدوق٦، وإبراهيم بن طهمان ثقة٧.
(٣) محمد بن حميد اليشكري. رواه الترمذي٨ عن سفيان بن وكيع عنه به. ومحمد بن حميد ثقة إلا أن الراوي عنه وهو سفيان بن وكيع متكلم فيه. فقد اتهم بالكذب كما قال أبو زرعة. وقال النسائي: ١ المنتقى (٢/١٨٥-١٨٦) . ٢ شرح معاني الآثار (٤/٦٠) . ٣ المعجم الكبير (١١/٣٥٤)، المعجم الأوسط (٥/١٨٨) . ٤ انظر: تقريب التهذيب: رقم الترجمة (١٧٩٨،٢٨٢٦) . ٥ السنن الكبرى (٥/٢٨٨-٢٨٩) . ٦ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (١٤٠٨) . ٧ المرجع السابق: رقم الترجمة (١٨٩) . ٨ العلل الكبير (١/٤٨٩) .
[ ٢ / ٥٦٠ ]
ليس بثقة. وقال أيضًا: ليس بشيء. وكان لسفيان ورّاق أفسد حديثه وأدخل فيه ما ليس منه١.
فعلى هذا فلا يعتبر بهذه الرواية. والله أعلم.
ثانيًا: من رواه عن معمر مرسلًا:
رواه عن معمر مرسلًا - ممن وقفت عليه - عبد الأعلى بن عبد الأعلى، ذكر ذلك البيهقي٢.
وعبد الأعلى ثقة٣.
ثالثًا: من اختلف عليه في وصله وإرساله:
_________________
(١) رواه سفيان الثوري عن معمر واختلف على سفيان. فرواه عنه أبو أحمد الزبيري٤، وأبو داود الحفري٥، وعبد الملك الذماري٦ موصولًا. وأبو أحمد الزبيري، وأبو داود الحفري ثقتان٧، والإسناد إليهما صحيح. وأما عبد الملك الذماري فهو صدوق٨، والإسناد إليه ضعيف جدًا؛ لأن فيه إسحاق بن إبراهيم الطبري. قال فيه الدارقطني: ١ انظر: تهذيب التهذيب (٤/١٢٤) . ٢ السنن الكبرى (٥/٢٨٩) . ٣ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٣٧٣٤) . ٤ سنن الدارقطني (٣/٧١)، شرح معاني الآثار (٤/٦٠) . ٥ الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان (١١/٤٠١-٤٠٢) . ٦ سنن الدارقطني (٣/٨١)، المستدرك (٢/٥٧) . ٧ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٤٩٠٤، ٦٠١٧) . ٨ المرجع السابق: رقم الترجمة (٤١٩١) .
[ ٢ / ٥٦١ ]
منكر الحديث. وقال ابن حبان: منكر الحديث جدًا، يأتي عن الثقات بالموضوعات ولا أحل كتب حديثه إلا على جهة التعجب. وقال الحاكم: روى عن الفضل وابن عيينة أحاديث موضوعة١.
ورواه عن سفيان الثوري مرسلًا محمد بن يوسف الفريابي٢، وهو ثقة، وقيل: يخطأ في حديث سفيان٣.
٢ - رواه عبد الرزاق عن معمر مرسلًا، كذلك رواه ابن الجارود٤ بإسناده عنه. وصرّح البيهقي٥ وابن عبد البر٦ بأن رواية عبد الرزاق مرسلة. إلا أن الحديث في مصنف عبد الرزاق٧ موصول.
هذه هي الروايات التي وقفت عليها في هذا الحديث عن معمر. وذكر البيهقي أن علي بن المبارك الهُنائي قد تابع معمرًا في الرواية المرسلة عنه٨. وعلي بن المبارك ثقة تكلم في حديثه عن يحيى بن أبي كثير إذا روى عنه أهل الكوفة٩.
_________________
(١) ١ لسان الميزان (١/٣٤٤-٣٤٥) . ٢ ذكر ذلك البيهقي في السنن الكبرى (٥/٢٨٩) . ٣ انظر: تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٦٤١٥) . ٤ المنتقى (٢/١٨٥-١٨٦) . ٥ السنن الكبرى (٥/٢٨٩) . ٦ الاستذكار (٢٠/٩٠) . ٧ المصنف (٨/٢٠) . ٨ السنن الكبرى (٥/٢٨٩) . ٩ انظر: تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٤٧٨٧) .
[ ٢ / ٥٦٢ ]
وقد رجح الأئمة المتقدمون رواية الإرسال على الوصل. فقد قال الترمذي: "سألت محمدًا عن هذا الحديث. فقال: قد روى داود بن عبد الرحمن العطار عن معمر هذا وقال: عن ابن عباس. وقال الناس: عن معمر عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عن النبي ﷺ مرسلًا"١.
فظاهر كلام البخاري أن هناك جمعًا من الرواة كلهم يروون هذا الحديث عن معمر مرسلًا.
وقال أبو حاتم أيضًا: "الصحيح عن عكرمة أن النبي ﷺ مرسل"٢. ورجح إرساله أيضًا ابن خزيمة٣، والبيهقي٤.
فعلى هذا فإن الراجح في هذا الحديث أنه مرسل. والله أعلم.
١٧٥ - (٥) عن جابر بن سمرة ﵁ "أن النبي ﷺ نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة".
رواه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند٥، ومن طريقه الخطيب البغدادي٦، بإسناده عن أبي عمر المقري، عن سماك بن حرب به.
وأبو عمر المقري قال فيه الهيثمي: "إن كان هو الدوري فقد وثق والحديث صحيح. وإن كان غيره فلم أعرفه"٧.
_________________
(١) ١ العلل الكبير (١/٤٨٩-٤٩٠) . ٢ علل الحديث (١/٣٨٥) . ٣ السنن الكبرى للبيهقي (٥/٢٨٩) . ٤ المرجع السابق. ٥ المسند (٥/٩٩) . ٦ تاريخ بغداد (٨/١٨٦) . ٧ مجمع الزوائد (٤/١٠٨) .
[ ٢ / ٥٦٣ ]
والصحيح أن أبا عمر المقري هو حفص بن سليمان صاحب عاصم. وقد ذكر الخطيب هذا الحديث في ترجمته وبيّن أنه هو أبو عمر المقري.
وحفص بن سليمان هو ابن المغيرة أبو عمر الأسدي البزار. قال فيه أحمد، وابن المديني، ومسلم، وأبو حاتم، والنسائي: متروك الحديث. وقال ابن معين: ليس بثقة. وقال البخاري: تركوه١.
ولذا قال ابن حجر فيه: متروك الحديث مع إمامته في القراءة٢.
فعلى هذا لا يعتبر بهذه الطريق لضعف حفص بن سليمان ضعفًا شديدًا. والله أعلم.
وقد جاء الحديث من طريق أخرى أضعف منها، وذلك فيما رواه الطبراني في الكبير٣، وابن عدي٤، بإسنادهما عن إبراهيم بن راشد الأدمي ثنا داود بن مهران ثنا محمد بن الفضل بن عطية عن سماكٍ به.
وهذا الإسناد فيه محمد بن الفضل بن عطية، قال فيه أحمد: ليس بشيء، حديثه حديث أهل الكذب، وقال ابن معين: ضعيف. وقال مرّة: ليس بشيء ولا يكتب حديثه. وقال مرّةً: كان كذابًا لم يكن ثقة. وقال عمرو بن علي: متروك الحديث كذاب. وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث. وقال أبو حاتم: ذاهب الحديث تُرك حديثه. وقال مسلم والنسائي والدارقطني: متروك الحديث. وقال النسائي مرّةً: كذاب٥.
_________________
(١) ١ تاريخ بغداد (٨/١٨٧-١٨٨)، تهذيب التهذيب (٢/٤٠٠-٤٠١) . ٢ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (١٤٠٥) . ٣ المعجم الكبير (٢/٢٥٢) . ٤ الكامل (٦/١٦٤) . ٥ تهذيب التهذيب (٩/٤٠١-٤٠٢) .
[ ٢ / ٥٦٤ ]
قال ابن حجر: كذبوه١.
وفي الإسناد أيضًا إبراهيم بن راشد الأدمي. قال فيه ابن أبي حاتم: صدوق. وذكره ابن حبان في الثقات، ووثقه الخطيب، واتهمه ابن عدي٢. فعلى هذا فإن هذه الطرق لا يقوي بعضها بعضًا.
فمما سبق يتبين أن هذا الحديث عن جابر بن سمرة ضعيف جدًا، فلا يعتبر به. والله أعلم.
_________________
(١) ١ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٦٢٢٥) . ٢ لسان الميزان (١/٥٥-٥٦) .
[ ٢ / ٥٦٥ ]
دلالة الأحاديث السابقة:
أحاديث هذا الفصل تدل على النهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة. وبه قال أبو حنيفة١.
إلا أنه قد سبق أن هذه الأحاديث في جميعها مقال. إلا أن الراجح أنها بمجموعها تصلح للاحتجاج، وقد عارضها حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - أن رسول الله ﷺ "أمره أن يجهز جيشًا فنفدت الإبل، فأمره أن يأخذ في قلاص الصدقة، فكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة" ٢، وقلاص جمع قلوص، وهي الناقة الشابة٣.
_________________
(١) ١ مختصر الطحاوي (ص٨٦) . ٢ رواه أبو داود [كتاب البيوع (٣/٦٥٢-٦٥٣)] من طريق حماد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن مسلم بن جبير عن أبي سفيان عن عمرو بن حريش عن عبد الله بن عمرو - ﵄ - به. ورواه أحمد بإسناده عن جرير بن حازم عن محمد بن إسحاق عن أبي سفيان عن مسلم بن جبير عن عمرو بن الحريش عن عبد الله بن عمرو - ﵄ - به. وقد تابع جرير بن حازم إبراهيمُ بن سعد كما عند أحمد أيضًا (٢/٢١٦) . وقد رجح ابن حجر رواية جرير بن حازم وإبراهيم بن سعد على رواية حماد بن سلمة؛ لأنه رواية الأكثر، ولأن إبراهيم بن سعد مختصٌ بابن إسحاق أكثر من غيره. انظر: تعجيل المنفعة (ص٤٠٠-٤٠١) . فإذا تبيّن هذا فإن مسلم بن جبير وعمرو بن حريش مجهولان. تقريب التهذيب: رقم (٦٦١٩)، (٥٠١٠) . إلا أن الحديث جاء من وجه آخر، وذلك من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو - ﵄ - به بنحوه. رواه الدارقطني (٣/٦٩)، ومن طريقه البيهقي. السنن الكبرى (٥/٢٨٧-٢٨٨) . وقد صححه من هذا الوجه البيهقي. وقال الحافظ ابن حجر: إسناده قوي. فتح الباري (٤/٤٨٩) . وقد حسن ابن القيم هذا الحديث (تهذيب السنن:٩/١٥١) . ٣ النهاية في غريب الحديث (٤/١٠٠) .
[ ٢ / ٥٦٦ ]
فهذا الحديث يدل على إباحة بيع الحيوان بالحيوان نسيئة. وإلى هذا ذهب الشافعي١ وأحمد في الصحيح من مذهبه٢.
وقد حكى البخاري هذا المذهب عن ابن عمر، ورافع بن خديج، وابن المسيب، وابن سيرين٣، ورواه مالك٤ عن علي ﵁.
ولهذا القول أدلة أخرى غير هذا الحديث، إلا أن هذا الحديث هو أقواها.
وأما دعوى النسخ لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄٥، فلا دليل عليها. والله أعلم.
وذهب مالك إلى جواز بيع الحيوان بالحيوان نسيئة بشرط ألا يتحدا في الجنس والمنفعة، فيجوز أن يبتاع البعير بالبعير نسيئة، أما إذا اختلفا في الجنس فيجوز مطلقًا، ويجوز أيضًا إذا اختلفا في المنفعة بيعهما مطلقًا، كما لو باع بعيرًا نجيبًا ببعيرين ليسا كذلك نسيئة، وهذا عند المالكية في الحيوان وغيره، فإنه لا يجوز السلم عندهم في شيئين من جنس واحد إلا متماثلين في العدد والصفة إلا أن تختلف المنفعة، وعندهم أن الشيء في مثله قرض٦.
_________________
(١) ١ الأم (٣/١٤٢) . ٢ الإنصاف (٥/٤٢) . ٣ صحيح البخاري [كتاب البيوع (٤/ باب رقم (١٠٨)] . وقد وصل الحافظ ابن حجر هذه الآثار في الفتح (٤/٤٨٩-٤٩٠) . ٤ الموطأ (٢/٥٠٥) . ٥ شرح معاني الآثار (٤/٦٠) . ٦ انظر الموطأ (٢/٥٠٥-٥٠٦)، وشرح منح الجليل (٣/١١-١٦،١٩) .
[ ٢ / ٥٦٧ ]
فخلاصة مذهب مالك أنه لا يجتمع التفاضل والنَّسَاء في الجنس الواحد، والجنس عنده ما اتفقت منافعه وأشبه بعضه بعضًا١، وهذا القول رجح شيخ الإسلام ابن تيمية٢، وابن القيم٣.
وهذا القول هو الذي تجتمع به الأدلة.
وحديث عبد الله بن عمرو - ﵄ - يحمل على اختلاف المنافع والأغراض؛ فإن الذي كان يأخذه إنما هو للجهاد، والذي جعله عوضًا هو من إبل الصدقة قد يكون من بني المخاض ومن حواشي الإبل ونحوها٤.
وهذا أولى ما يحمل عليه الحديث، وهو أولى من حمله على حاجة الجهاد٥؛ لأن هذا وإن صلح جوابًا عن هذا الدليل فالأدلة الأخرى لا يتم فيها هذا الجواب.
وأما بيع الحيوان بالحيوان متفاضلًا، يدًا بيد فلم يرو فيه نهي، وقد روى مسلم في صحيحه عن جابر ﵁ قال: جاء عبد فبايع النبي ﷺ على الهجرة ولم يشعر أنه عبد، فجاء سيده يريده، فقال له النبي ﷺ: "بعنيه" فاشتراه بعبدين أسودين" ٦.
_________________
(١) ١ تهذيب السنن (٩/١٥٠) . ٢ تفسير آيات أشكلت (٢/٦٧٩) . ٣ تهذيب السنن (٩/١٥٠) . ٤ تهذيب السنن (٩/١٥١) . وانظر الكافي لابن عبد البر (٢/٦٦٠) . ٥ انظر زاد المعاد (٣/٤٨٨) . ٦ صحيح مسلم، كتاب المساقاة (٣/١٢٢٥) .
[ ٢ / ٥٦٨ ]