١٨٠ - (١) عن ابن عمر - ﵄ - قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلّط الله عليكم ذلًا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم".
جاء هذا الحديث عن ابن عمر - ﵄ - من طرقٍ:
الطريق الأولى: نافع عنه به:
رواه أبو داود١ باللفظ المذكور، والدولابي٢، وابن عدي٣ - ومن طريقه البيهقي٤ - وأبو نعيم الأصبهاني٥، كلهم من طرقٍ عن حيوة بن شريح عن إسحاق أبي عبد الرحمن، أن عطاء الخراساني حدثه أن نافعًا حدثه به.
وحيوة بن شريح هو التجيبي أبو زرعة المصري، ثقة ثبت٦.
_________________
(١) ١ سنن أبي داود [كتاب البيوع (٣/٧٤٠-٧٤١)] . ٢ الكنى والأسماء (٢/٦٥) . ٣ الكامل (٥/٣٦١) . ٤ السنن الكبرى (٥/٣١٦) . ٥ حلية الأولياء (٥/٢٠٨-٢٠٩) . ٦ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (١٦٠٠) .
[ ٢ / ٥٧٧ ]
وأما إسحاق أبو عبد الرحمن، فهو إسحاق بن أسيد أبو عبد الرحمن الأنصاري. قال فيه أبو حاتم: شيخ ليس بالمشهور ولا يشتغل به. وقال ابن عدي: مجهول. وقال ابن حبان في الثقات: يخطئ. وقال أبو أحمد الحاكم: مجهول١.
ولذا قال ابن حجر: "فيه ضعف"٢.
وعطاء الخراساني، هو عطاء بن أبي مسلم. قال فيه ابن سعد: كان ثقة، روى عنه مالك. وقال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة صدوق. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال الدارقطني: ثقة في نفسه. وقال ابن حبان: كان رديء الحفظ يخطئ ولا يعلم فبطل الاحتجاج به٣.
ونقل الترمذي عن البخاري أنه قال: ما أعرف لمالكٍ رجلًا يروي عنه يستحق أن يترك حديثه غير عطاء الخراساني. - قال الترمذي -: قلت: ما شأنه؟ قال: عامة أحاديثه مقلوبة. قال الترمذي: وعطاء الخراساني رجل ثقة روى عنه مثل مالك ومعمر ولم نسمع أن أحدًا من المتقدمين تكلم فيه بشيء".
ووثق عطاء الخراساني أيضًا الأوزاعي، وأحمد، ويعقوب بن شيبة، والطبراني. وأما الحكاية عن سعيد بن المسيب أنه كذبه فلا تثبت٤.
_________________
(١) ١ تهذيب التهذيب (١/٢٢٧) . ٢ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٣٤٢) . ٣ تهذيب التهذيب (٧/٢١٣-٢١٤-٢١٥) . ٤ شرح علل الترمذي (٢/٨٧٧) .
[ ٢ / ٥٧٨ ]
قال الذهبي: "صدوق مشهور"١. وهذا أولى من قول ابن حجر: "صدوق يهم كثيرًا"٢.
فالراجح - والله أعلم - أنه لا ينزل عن رتبة الصدوق. وقد رجّح ابن رجب أن يكون ثقة٣. والله أعلم.
فمما سبق يتبين أن هذه الطريق ضعيفة لحال إسحاق بن أسيد الأنصاري، إلا أنها تصلح للاعتبار.
وقد توبع إسحاق بن أسيد متابعة قاصرة، وذلك فيما رواه العسكري في تصحيفات المحدثين٤ بإسناده عن فضالة بن حصين٥ عن أيوب عن نافعٍ عن ابن عمر - ﵄ - مرفوعًا ولفظه "لقد أتى علينا زمان وما يرى أحدنا أنه أحق بالدينار والدرهم من أخيه المسلم. ولقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا تبايعتم بالعينة " الحديث. - ولم يسق تمام متنه -.
إلا أن هذه المتابعة لا تصلح للاعتبار، وذلك أن فضالة بن حصين وهو الضبي قال فيه البخاري وأبو حاتم: مضطرب الحديث. وقال ابن حبان: يروي عن محمد بن عمرو ما لا يتابع عليه، وعن غيره ما ليس من حديثهم. وقال أبو نعيم: روى المناكير، لا شيء. وقد ذكر له الحافظ ابن حجر حديثًا اتهم بوضعه٦.
فعلى هذا فإن هذه المتابعة ضعيفة جدًا. والله أعلم.
_________________
(١) ١ المغني (١/٦١٤) . ٢ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٤٦٠٠) . ٣ شرح علل الترمذي (٢/٨٧٧) . ٤ تصحيفات المحدثين (القسم الأول/١٩١) . ٥ وقع في المطبوع «حسين» وهو خطأ. ٦ لسان الميزان (٤/٤٣٤-٤٣٥) .
[ ٢ / ٥٧٩ ]
الطريق الثانية: عطاء بن أبي رباح عنه به:
رواه أحمد١، وأبو أمية الطرسوسي٢، وأبو يعلى٣، والطبراني في الكبير٤، والبيهقي في شعب الإيمان٥، وأبو نعيم الأصبهاني٦. كلهم من هذا الطريق.
ولفظ أحمد: "إذا ضنّ الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعين، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله أنزل الله بهم بلاءً فلم يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم".
ومعنى قوله "إذا ضن الناس" أي: بخل٧.
قال ابن القطان عن هذا الإسناد: حديث صحيح رجاله ثقات٨.
وقال ابن حجر: رجاله ثقات٩.
وقال في موضع آخر: "عندي أن إسناد الحديث الذي صححه ابن القطان١٠ معلول، لأنه لا يلزم من كون رجاله ثقات أن يكون صحيحًا؛ لأن الأعمش مدلِّس ولم يذكر سماعه من عطاء.
_________________
(١) ١ مسند أحمد (٢/٢٨) . ٢ مسند عبد الله بن عمر - للطرسوسي (ص٢٦) . ٣ مسند أبي يعلى (١٠/٢٩) . ٤ المعجم الكبير (١٢/٤٣٢-٤٣٣) . ٥ شعب الإيمان (٤/١٣)، (٧/٤٣٤) . ٦ حلية الأولياء (١/٣١٣-٣١٤)، (٣/٣١٩) . ٧ انظر: النهاية في غريب الحديث (٣/١٠٤) . ٨ نصب الراية (٤/١٧) . ٩ بلوغ المرام (١٧٢) . ١٠ وهو إسناد الإمام أحمد: الأعمش عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر به.
[ ٢ / ٥٨٠ ]
وعطاء يحتمل أن يكون هو الخراساني فيكون فيه تدليس تسوية بإسقاط نافع بين عطاء وابن عمر فرجع الحديث إلى الإسناد الأول وهو المشهور"١. يعني أنه عن عطاء الخراساني عن نافع عن ابن عمر - وقد سبق ذكره في الطريق السابقة -.
ولكن الجواب عما ذكره الحافظ ابن حجر أن في رواية أحمد والطبراني التصريح بأن عطاء هو ابن أبي رباح.
وأما تدليس الأعمش فقد ذكره الحافظ في المرتبة الثانية من مراتب المدلِّسين٢ الذين يحتمل تدليسهم. ولم يُذكر عن الأعمش تدليس التسوية. والله أعلم.
فمما سبق يتبين أن هذه الطريق صحيحة، كما قال ابن القطان وابن حجر في أحد قوليه. والله أعلم.
وقد روى ابن عدي٣ بإسناده عن بشير بن زياد عن ابن جريج عن عطاء عن جابر ﵁ هذا الحديث بنحو حديث ابن عمر - ﵄ -، وبشير بن زياد قال فيه ابن عدي: "في حديثه بعض النكرة"، وذكر هذا الحديث عنه. وموضع النكارة منه أن الحديث إنما هو عن ابن عمر - ﵄ - وقد جعله من حديث جابر ولم يتابع على ذلك. فرجع الحديث إلى ابن عمر - ﵄ -. وأما رواية بشير بن زياد فلا تصح. والله أعلم.
_________________
(١) ١ التلخيص الحبير (٣/١٩) . ٢ تعريف أهل التقديس (ص٦٧) . ٣ الكامل (٢/٢٢) .
[ ٢ / ٥٨١ ]
الطريق الثالثة: عن شهر بن حوشب عنه به:
رواه أحمد١، والخطيب البغدادي٢. كلاهما من طريق أبي جناب٣ يحيى بن أبي حية عن شهرٍ به.
وقد تقدم الكلام في أبي جناب٤ وأنه ضعيف مدلِّس. ولم يصرح بالسماع في هذا الحديث.
وقد تقدم الكلام في شهر بن حوشب٥، وأنه صدوق.
فمما تقدم يتبين أن هذه الطريق ضعيفة لحال أبي جناب الكلبي، ولكنها مع ذلك صالحة للاعتبار.
فالحديث عن ابن عمر - ﵄ - يترجح أنه حديث صحيح. والله أعلم.
_________________
(١) ١ مسند أحمد (٢/٤٢، ٨٤) . ٢ تاريخ بغداد (٤/٣٠٧) . ٣ وقع في المسند «أبي حباب» وهو خطأ. ٤ عند حديث عبد الله بن عمر - ﵄ - رقم (١٥٠) . ٥ عند حديث عبد الرحمن بن غنم عن الداري، رقم (١٣) .
[ ٢ / ٥٨٢ ]
دلالة الأحاديث السابقة:
يستفاد مما تقدم النهي عن بيع العينة.
والعينة أن يبيع رجل من رجلٍ سلعةً بثمنٍ معلومٍ إلى أجل مسمى، ثم يشتريها منه بأقل من الثمن الذي باعها به.
وسميت العينة بذلك لاستعانة البائع بالمشتري على تحصيل مقصده من دفع قليلٍ ليأخذ عنه كثيرًا، أو لحصول العين وهو النقد لبائعها١، أو لأنه يعود إلى البائع عين ماله٢.
وبهذا القول - وهو النهي عن بيع العينة - قال أبو حنيفة٣، ومالك٤، وأحمد٥.
وأما الشافعي فقال: من باع سلعةً من السلع إلى أجلٍ من الآجال وقبضها المشتري فلا بأس أن يبيعها الذي اشتراها بأقل من الثمن أو أكثر، ودين أو نقد؛ لأنها بيعة غير البيعة الأولى٦.
إلا أنه تقدم أنه قد صحّ النهي عن بيع العينة، وإضافةً إلى ذلك فالعينة ذريعة إلى الربا٧، وقرض دراهم بأكثر منها٨، لأن غرض المتبايعين بالعينة
_________________
(١) ١ انظر: شرح الزرقاني على مختصر خليل (٥/١٠٨) . ٢ سبل السلام (٣/٨٠) . ٣ شرح فتح القدير (٦/٦٨) . ٤ المعونة (٢/١٠٠٤)، القوانين الفقهية (ص١٧٩) . ٥ المغني (٤/٢٥٦-٢٥٧)، شرح الزركشي (٣/٦٠١) . ٦ الأم (٣/٤٧) . ٧ المغني (٤/٢٥٧) . ٨ المعونة (٢/١٠٠٤) .
[ ٢ / ٥٨٣ ]
ومقصودهما الأول مائة بمائة وعشرين، وإدخال تلك السلعة في الوسط تلبيس وعبث، حتى لو كانت تلك السلعة تساوي أضعاف ذلك الثمن أو تساوي أقل جزءٍ من أجزائه لم يبالوا جعلها موردًا للعقد؛ لأنهم لا غرض لهم فيها١.
لذا جاء عن ابن عباس - ﵄ - قوله: "اتقوا هذه العينة، لا تبيعوا دراهم بدراهم بينهما حريرة ".
وروي عن ابن عباس وأنس ﵄ أنهما سُئلا عن بيع العينة فقالا: "إن الله لا يخدع، هذا مما حرم الله ورسوله"٢.
وأما ما ذكره الشافعي من كون البيعة الثانية غير البيعة الأولى، فهذا في الظاهر، وإلا فهي في الحقيقة - كما تقدم - أنها بيعة واحدة، وإنما يجعلها المتعاقدان في عقدين من باب الاحتيال على المحرم، والاحتيال على المحرم لا يحله٣.
_________________
(١) ١ تهذيب السنن (٩/٢٤٣) . ٢ المرجع السابق (٩/٢٤٢) . ٣ المرجع السابق.
[ ٢ / ٥٨٤ ]