٣٨ - (١) عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ أن رسول الله ﷺ "نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن".
رواه البخاري١، ومسلم٢، وأبو داود٣، والترمذي٤، والنسائي٥، وابن ماجه٦، ومالك٧، والحميدي٨، وابن أبي شيبة٩، وأحمد١٠، والدارمي١١، والطحاوي١٢. كلهم من طرقٍ عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن عنه به. قال الترمذي: حسن صحيح.
وفي لفظ للطحاوي: "ثلاث هن سحت " أي حرام.
قال مالك: يعني بمهر البغي ما تعطاه المرأة على الزنا، وحلوان الكاهن رشوته وما يعطى على ما يتكهَّن.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري - مع الفتح -[كتاب البيوع (٤/رقم ٢٢٣٧)، كتاب الإجارة (٤/رقم ٢٢٨٢)، كتاب الطلاق (٩/رقم ٥٣٤٦)] . ٢ صحيح مسلم [كتاب المساقاة (٣/١١٩٨-١١٩٩)] . ٣ سنن أبي داود [كتاب البيوع (٣/٧٥٣)] . ٤ جامع الترمذي [كتاب البيوع (٣/٥٧٥)، كتاب الطب (٤/٤٠٢)] . ٥ سنن النسائي [كتاب البيوع (٧/٣٠٩)] . ٦ سنن ابن ماجه [كتاب التجارات (٢/٧٣٠)] . ٧ موطأ مالك (٢/٥٠٨)] . ٨ مسند الحميدي (١/٢١٤) . ٩ مصنف ابن أبي شيبة (٥/١٠٦) . ١٠ مسند أحمد (٤/١١٨،١١٩،١٢٠) . ١١ سنن الدرامي (٢/٣٣٢) . ١٢ شرح معاني الآثار (٤/٥١،٥٢) .
[ ١ / ١٢٧ ]
٣٩ - (٢) عن جابر بن عبد الله - ﵄ - أن النبي ﷺ نهى عن ثمن الكلب والسِّنور".
جاء هذا الحديث عن جابر ﵁ من طرق:
الطريق الأولى: الأعمش عن أبي سفيان عنه به:
رواه أبو داود١، والترمذي٢، وابن الجارود٣، والطحاوي٤، والدارقطني٥، والحاكم٦، والبيهقي٧. كلهم من هذا الطريق بهذا اللفظ المذكور.
قال الترمذي: "هذا حديث في إسناده اضطراب، ولا يصح في ثمن السِّنَّور، وقد روي هذا الحديث عن الأعمش عن بعض أصحابه عن جابر، واضطربوا على الأعمش في رواية هذا الحديث، وقد كره قومٌ من أهل العلم ثمن الهر، ورخص فيه بعضهم، وهو قول أحمد وإسحاق، وروى ابن فضيل عن الأعمش عن أبي حازم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ من غير هذا الوجه". انتهى.
وقد أُعلَّ هذا الطريق بعلتين:
الأولى: ما أشار إليها الترمذي، وهي الاضطراب. فقد رواه وكيع عن الأعمش قال: أُرى أن أبا سفيان ذكره عن جابر قال: "نهى رسول الله ﷺ
_________________
(١) ١ سنن أبي داود [كتاب البيوع (٣/٧٥٢)] . ٢ جامع الترمذي [كتاب البيوع (٣/٥٧٧)] . ٣ المنتقى (٢/١٦٨-١٦٩) . ٤ شرح معاني الآثار (٤/٥٢) . ٥ سنن الدارقطني (٣/٧٢) . ٦ المستدرك (٢/٣٤) . ٧ السنن الكبرى (٦/١١) .
[ ١ / ١٢٨ ]
عن ثمن الهر". رواه ابن أبي شيبة١، وأبو يعلى٢. ورواه حفص بن غياث عن الأعمش قال: حدثني أبو سفيان عن جابر، أثبته مره، ومرة شكَّ في أبي سفيان عن النبي ﷺ "أنه نهى عن ثمن الكلب والسِّنَّور". رواه الطحاوي٣. قال البيهقي: "فالأعمش كان يشك في وصل الحديث فصارت رواية أبي سفيان بذلك ضعيفة"٤.
الثانية: قال ابن عيينة: حديث أبي سفيان عن جابر إنما هي صحيفة. وكذا قال شعبة. وقال شعبة أيضًا وابن المديني: أبو سفيان لم يسمع من جابر إلا أربعة أحاديث٥. وليس منها هذا الحديث.
وقد أجاب الحافظ ابن حجر عن تخريج البخاري لحديث أبي سفيان عن جابر - ﵄٦ وأنه إنما أخرجه مقرونًا. قال الحافظ: "وقد احتج به الباقون٧ ومنهم الإمام مسلم، فقد أخرج له عدة أحاديث"٨.
فعلى هذا فهذه الطريق ضعيفة لاضطرابها وانقطاعها. وقد ضعف ابن عبد البر رواية الأعمش هذه٩.
_________________
(١) ١ المصنف (٥/١٧٥) . ٢ مسند أبي يعلى (٤/١٨٧) . ٣ شرح معاني الآثار (٤/٥٢) . ٤ السنن الكبرى (٦/١١) . ٥ تهذيب التهذيب (٥/٢٧) . وانظر: جامع التحصيل (ص٢٤٥-٢٤٦) . ٦ هدي الساري (ص ٤٣١) . ٧ المرجع السابق. ٨ انظر تحفة الأشراف (٢/١٩١-٢٠٢) . ٩ التمهيد (٨/٤٠٣) .
[ ١ / ١٢٩ ]
الطريق الثانية: معقل عن أبي الزبير عنه به:
رواه مسلم١، والبيهقي٢ من هذا الطريق. ولفظه: عن أبي الزبير قال: سألت جابرًا ﵁ عن ثمن الكلب والسِّنَّور قال: "زجر النبي ﷺ عن ذلك".
الطريق الثالثة: ابن لهيعة عن أبي الزبير عنه به:
رواه ابن ماجه٣، وأحمد٤، والطحاوي٥، كلهم من هذا الطريق. ولفظ ابن ماجه: "نهى رسول الله ﷺ عن ثمن السِّنَّور".
وابن لهيعة تقدم الكلام فيه٦ وأنه ضعيف، إلا أنه قد توبع بما سبق.
الطريق الرابعة: حماد بن سلمة عن أبي الزبير عنه به:
رواه النسائي٧، والطحاوي٨، والدارقطني٩، والبيهقي١٠، كلهم من هذا الطريق. ولفظهم: "نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب والسِّنَّور إلا كلب صيدٍ".
قال النسائي عن هذا الحديث: "ليس هو بصحيح"، وقال: "هذا منكر".
_________________
(١) ١ صحيح مسلم [كتاب المساقاة (٣/١١٩٩)] . ٢ السنن الكبرى (٦/١٠) . ٣ سنن ابن ماجه [كتاب التجارات (٢/٧٣١)] . ٤ المسند (٣/٣٣٩،٣٤٩،٣٨٦) . ٥ شرح معاني الآثار (٤/٥٢،٥٣) . ٦ تقدم الكلام فيه عند حديث رقم (١) . ٧ سنن النسائي [كتاب الصيد (٧/١٩٠-١٩١)، كتاب البيوع (٧/٣٠٩)] . ٨ شرح مشكل الآثار (١٢/٨٣) . ٩ سنن الدارقطني (٣/٧٣) . ١٠ السنن الكبرى (٦/٦) .
[ ١ / ١٣٠ ]
ووجه النكارة في هذا المتن هو استثناء كلب الصيد من عموم الكلاب، وفي هذا مخالفة للروايات الأخرى.
وفيه علة أخرى وهي أنه قد اختلف على حماد بن سلمة في رفع هذا الحديث ووقفه. فرواه وكيع عن حماد عن أبي الزبير عن جابر ﵁: " أنه كره ثمن الكلب إلا كلب صيدٍ" ١.
ورواه عبد الواحد بن غياث - وهو صدوق٢ - عن حماد عن أبي الزبير عن جابر قال: "نهى عن ثمن الكلب والسنور إلا كلب صيد"٣. ورواه عبيد الله بن موسى عن حماد عن أبي الزبير عن جابر لا أعلمه إلا عن النبي ﷺ " فذكر الحديث بمثله٤. ورواه الهيثم بن جميل٥ وسويد بن عمرو٦ عن حماد مرفوعًا. وقد رجح الدارقطني الوقف٧.
الطريق الخامسة: عمر بن زيد الصنعاني عن أبي الزبير عنه به:
رواه عبد الرزاق٨ من هذا الطريق، ومن طريقه رواهأبو داود٩، والترمذي١٠، وابن ماجه١١، وأحمد١٢،
_________________
(١) ١ مصنف ابن أبي شيبة (٥/١٠٦) . ٢ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٤٢٤٧) . ٣ السنن الكبرى - للبيهقي - (٦/٦) . ٤ سنن الدارقطني (٣/٧٣) . ٥ المرجع السابق. ٦ المرجع السابق. ٧ المرجع السابق. ٨ المصنف (٤/٥٣٠) . ٩ سنن أبي داود [كتاب البيوع (٣//٧٥٣)، كتاب الأطعمة (٤/١٦١)] . ١٠ جامع الترمذي [كتاب البيوع (٣/٥٧٨)] . ١١ سنن ابن ماجه [كتاب الصيد [٢/١٠٨٢)] . ١٢ المسند (٣/٢٩٧) .
[ ١ / ١٣١ ]
والدارقطني١، والحاكم٢، كلهم من هذا الطريق. ولفظه: "نهى رسول الله ﷺ عن أكل الهر وأكل ثمنه". قال الترمذي: "حديث غريب".
وعمر بن زيد الصنعاني، قال فيه البخاري بعد ذكره لحديثه هذا: "فيه نظر". وقال ابن حبان: يتفرد بالمناكير عن المشاهير حتى خرج عن حد الاحتجاج به٣. وقد تعقب الذهبي الحاكم في ذكره لهذا الحديث في المستدرك فقال عقبه: "عمر واهٍ" يعني عمر بن زيد. وحكم الذهبي هذا وما اختاره فيه أولى من المرتبة التي جعله فيها الحافظ ابن حجر، وهي: "ضعيف"٤؛ لأن قول البخاري في الراوي: "فيه نظر" تضعيف شديد، كما ذكر ذلك الذهبي٥ وابن كثير٦ وغيرهما.
فعلى هذا، فلا يعتبر بهذه الطريق. والله أعلم.
الطريق السادسة: الحسن بن أبي جعفر عن أبي الزبير عنه به:
رواه أحمد٧، وأبو يعلى٨، والدارقطني٩، كلهم من هذا الطريق. ولفظهم: "نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب إلا الكلب المعلم"، زاد الدارقطني: "والهر" بعد قوله "ثمن الكلب".
_________________
(١) ١ سنن الدارقطني (٤/٢٩٠) . ٢ المستدرك (٢/٣٤) . ٣ تهذيب التهذيب (٧/٤٤٩) . ٤ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٤٨٩٨) . ٥ الموقظة للحافظ الذهبي، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، ط. دار البشائر الإسلامية، بيروت (ص ٨٣) ٦ اختصار علوم الحديث، للحافظ ابن كير، ط. دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٩هـ (ص ٧٣) . ٧ المسند (٣/٣١٧) . ٨ مسند أبي يعلى (٣/٤٢٧-٤٢٨) . ٩ سنن الدارقطني (٣/٧٣) .
[ ١ / ١٣٢ ]
والحسن بن أبي جعفر هو الجُفري، ذكره ابن مهدي فيمن يترك حديثه١. وقال الترمذي: ضعفه يحيى بن سعيد وغيره. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي: ضعيف. وقال مرةً: متروك. وقال ابن عدي: صدوق٢.
وجعله ابن حجر في مرتبة "ضعيف الحديث"٣.
والذي يترجح لي مما تقدم من أقوال الأئمة أنه ضعيف جدًا في الحديث. والله أعلم.
الطريق السابعة: خير بن نعيم عن أبي الزبير عنه به:
رواه الطبراني٤، والدارقطني٥، من هذا الطريق. ولفظه: "أن النبي ﷺ نهى عن ثمن السِّنَّور". وهو الهرَّ.
وفي إسنادهما وهب الله بن راشد أبو زرعة الحجري. فلم يكن النسائي يرضاه. وقال أبو حاتم: محله الصدق. وقال ابن حبان: يخطئ. وغمزه سعيد بن أبي مريم٦.
فمما تقدم يتبين أنه ضعيف. والله أعلم. وقد تفرد به وهب الله من هذا الطريق كما قال الطبراني.
وخير بن نعيم قد اختلف عليه. فروي عنه عن أبي الزبير كما تقدم.
_________________
(١) ١ تهذيب الكمال (٦/٧٦) . ٢ تهذيب التهذيب (٢/٢٦٠) . ٣ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (١٢٢٢) . ٤ المعجم الأوسط (٢/٥٦-٥٧) . ٥ سنن الدارقطني (٣/٧٢) . ٦ لسان الميزان (٦/٢٣٥) .
[ ١ / ١٣٣ ]
ورواه أحمد من طريق ابن لهيعة عن خير بن نعيم عن عطاء بن أبي رباح عن جابر ابن عبد الله ﵁ به١.
وابن لهيعة تقدم أنه ضعيف٢. ومن ثمَّ حكم الحافظ ابن حجر على حديث خير بن نعيم عن عطاء بأنه معلول٣ بسبب الاضطراب الواقع في إسناده.
الطريق الثامنة: شرحبيل بن سعد الخَطمي عنه به:
رواه أحمد٤ عن أبي أويس عن شرحبيل به. ولفظه: "عن النبي ﷺ أنه نهى عن ثمن الكلب. وقال: طعمة جاهلية".
وشرحبيل بن سعد تقدم الكلام فيه٥، وأنه ضعيف يعتبر به.
وأبو أويس هو عبد الله بن عبد الله الأصبحي المدني. قال أحمد: ليس به بأس. وقال ابن معين: ليس بقوي. وقال مرةً: ضعيف. وقال ابن المديني: كان عند أصحابنا ضعيفًا. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال أبو داود: صالح الحديث. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به وليس بالقوي٦.
وجعله ابن حجر في مرتبة "صدوق يهم"٧.
فعلى هذا فإن إسناد هذه الطريق ضعيف، إلا أن المتابعات المذكورة تؤيد معناها وهو النهي عن ثمن الكلب. والله أعلم.
_________________
(١) ١ المسند (٣/٣٣٩) . ٢ تقدم الكلام فيه عند حديث رقم (١) . ٣ التلخيص الحبير (٣/١٨) . ٤ المسند (٣/٣٥٣) . ٥ تقدم الكلام فيه عند حديث رقم (٣٣) . ٦ تهذيب التهذيب (٥/٢٨١) . ٧ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٣٤١٢) .
[ ١ / ١٣٤ ]
الطريق التاسعة: محمد بن زياد الألهاني عنه به:
رواه الطبراني في الأوسط١ من هذا الطريق. ولفظه: "نهى رسول الله ﷺ عن أكل الهر وأكل ثمنها".
وفي إسناده محمد بن المتوكل بن أبي السَّري. وثقه ابن معين. وقال أبو حاتم: لين الحديث. وقال ابن عدي: كثير الغلط٢.
وخلص فيه الحافظ ابن حجر إلى أنه: "صدوق عارف له أوهام كثيرة"٣. وقد تفرد به من هذا الوجه كما قال الطبراني.
وفي إسناده أيضًا بقية بن الوليد وهو يدلس تدليس التسوية٤، ولم يقع التصريح بالسماع فيما بين محمد بن زياد وجابر ﵁.
فمما سبق يتبين أن هذا الطريق ضعيف. إلا أنه صالح في باب المتابعات. والله أعلم.
هذه هي الطرق التي وقفت عليها في هذا الحديث عن جابر ﵁. وقد تبين أنه صحيح ثابت في النهي عن ثمن الكلب والسِّنَّور. وأما استثناء كلب الصيد من عموم النهي فما ورد من الروايات به فهو منكر. ولذا قال البيهقي: "الأحاديث الصحاح عن النبي ﷺ في النهي عن ثمن الكلب خالية عن هذا الاستثناء، وإنما الاستثناء في الأحاديث الصحاح في النهي
_________________
(١) ١ المعجم الأوسط (٤/٣٤٠) . ٢ تهذيب التهذيب (٩/٤٢٥) . ٣ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٦٢٦٣) . ٤ تعريف أهل التقديس (ص١٢١) . وانظر: تهذيب التهذيب (١/٤٤٧) . وسوف تأتي ترجمة مفصلة له عند حديث رقم (١٩٦) .
[ ١ / ١٣٥ ]
عن الاقتناء، ولعله شبِّه على من ذكر في حديث النهي عن ثمنه من هؤلاء الرواة الذين هم دون الصحابة والتابعين"١. والله أعلم.
٤٠ - (٣) عن رافع بن خديج ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ثمن الكلب خبيث، ومهر البغي خبيث، وكسب الحجام خبيث".
رواه مسلم٢ واللفظ له، وأبو داود٣، والترمذي٤، والنسائي٥، وأحمد٦، والحاكم٧. كلهم من طرق عن السائب بن يزيد عنه به.
قال الترمذي: حسن صحيح.
وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه". وفي قوله نظر؛ لأن الحديث قد أخرجه مسلم كما سبق.
والسائب بن يزيد صحابي صغير له أحاديث قليلة، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة٨.
_________________
(١) ١ السنن الكبرى (٦/٧) . ٢ صحيح مسلم [كتاب البيوع (٣/١١٩٩)] . ٣ سنن أبي داود [كتاب البيوع (٣/٧٠٦-٧٠٧)] . ٤ جامع الترمذي [كتاب البيوع (٣/٥٧٤)] . ٥ سنن النسائي [كتاب الصيد والذبائح (٧/١٩٠)] . ٦ مسند أحمد (٣/٣٦٤) . ٧ المستدرك (٢/٤٢) . ٨ الإصابة في تمييز الصحابة (٢/١٣) . وقد توفي سنة إحدى وتسعين. وقيل: أربع وتسعين. وقيل قبل ذلك.
[ ١ / ١٣٦ ]
وقد روى بعض الرواة هذا الحديث عن السائب بن يزيد عن النبي ﷺ، كما عند أبي يعلى١، والنسائي في الكبرى٢، وابن أبي حاتم٣، والطبراني٤.
قال ابن أبي حاتم: "الناس يروون هذا الحديث عن السائب بن يزيد، عن رافع بن خديج".
ونقل ابن أبي حاتم عن أبيه أنه قال: "عبد الرحمن بن محمد هو ابن القاري، وإبراهيم هو أخوه فيما أظن، والناس يروون هذا الحديث عن السائب بن يزيد عن رافع بن خديج".
ومحمد بن إسحاق مدلس، وقد عنعن، إلا أنه قد توبع، فرواه النسائي في الكبرى من طريق حاتم بن إسماعيل عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد عن النبي ﷺ بنحوه٥.
ورواته ثقات ما عدا حاتم بن إسماعيل فقد تكلم فيه. فقال أحمد: هو أحب إليّ من الدراوردي، وزعموا أن حاتمًا كان فيه غفلة، إلا أن كتابه صالح.
وقال النسائي: ليس به بأس. وقال مرةً: ليس بالقوي.
وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا كثير الحديث٦.
وجعله ابن حجر في مرتبة "صدوق يهم"٧.
فهذا الإسناد يؤيد ما تقدم من رواية ابن إسحاق ويدفع عنها الغلط.
_________________
(١) ١ إتحاف الخيرة المهرة (ص٧٣-٧٤) . ٢ السنن الكبرى (٣/١١٢) . ٣ العلل (٢/٤٤٤) . ٤ المعجم الكبير (٧/١٦١) . ٥ السنن الكبرى (٣/١١٢) . ٦ تهذيب التهذيب (٢/١٢٨-١٢٩) . ٧ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٩٩٤) .
[ ١ / ١٣٧ ]
فعلى هذا فإن الحديث حديث رافع بن خديج ﵁ إلا أن السائب ﵁ كان يسنده إليه أحيانًا - وهو الغالب - وأحيانًا يرسله. ومراسيل الصحابة حجة. والله أعلم.
٤١ - (٤) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يحل ثمن الكلب، ولا حلوان الكاهن، ولا مهر البغي".
رواه أبو داود١، والنسائي٢ واللفظ لهما، وأبو يعلى٣، والطحاوي٤ مختصرًا، والبيهقي٥، كلهم من طرق عن أبي هريرة ﵁ به، وهو حديث صحيح.
ورواه النسائي٦ أيضًا، وابن ماجه٧، وأحمد٨، بلفظ: "نهى عن ثمن الكلب وعسب الفحل". ورواه الدارمي٩، ونحوه الطبراني١٠ مختصرًا بلفظ: "نهى عن عسب الفحل".
_________________
(١) ١ سنن أبي داود [كتاب البيوع (٣/٧٥٥-٧٥٦)] . ٢ سنن النسائي [كتاب الصيد (٧/١٩٠)] . ٣ مسند أبي يعلى (١١/٧٣-٧٤) . ٤ شرح معاني الآثار (٤/٥٢-٥٣) . ٥ السنن الكبرى (٦/٦) . ٦ سنن النسائي [كتاب البيوع (٧/٣١١)] . وسقط في المطبوع من الإسناد ذكر أبي هريرة (. ٧ سنن ابن ماجه [كتاب التجارات (٢/٧٣١)] . ٨ مسند أحمد (٢/٥٠٠) . ٩ سنن الدارمي (٢/٣٥٢) . ١٠ المعجم الأوسط (٣/١٩) .
[ ١ / ١٣٨ ]
ورواه إسحاق بن راهويه١، وابن أبي شيبة٢، وأحمد٣، والدرامي٤، بنحوه وزادوا: "وكسب الحجام".
وقد ورد في هذا الحديث عن أبي هريرة ﵁ في بعض طرقه استثناء كلب الصيد من النهي عن ثمن الكلب. وهذه الطرق هي:
الطريق الأولى: الوليد بن عبيد الله بن أبي رباح عن عمه٥ عطاء بن أبي رباح عنه به.
رواه الدارقطني٦ بإسناده عن عبيد بن محمد الصنعاني، عن محمد بن عمر بن أبي مسلم، عن محمد بن مصعب الصنعاني٧ عن نافع بن عمر به، ولفظه: "ثلاث كلهن سحت: كسب الحجّام، ومهر البغي، وثمن الكلب إلا الكلب الضاري". وهو الكلب المعوّد على الصيد٨.
قال الدارقطني: الوليد بن عبيد الله ضعيف.
_________________
(١) ١ مسند إسحاق بن راهويه (مسند أبي هريرة: ص١٨٨) . ٢ المصنف (٥/١٠٦) . ٣ مسند أحمد (٢/٣٣٢،٤١٥) . ٤ سنن الدرامي (٢/٣٥٣) . ٥ في المطبوع من سنن الدارقطني (٣/٧٢): «الوليد بن عبد الله عن عمه عن عطاء» . وهو خطأ، والصواب «عن عمه عطاء» من غير ذكر «عن» قبل عطاء. ٦ سنن الدارقطني (٣/٧٢) . ٧ وقع في المطبوع من سنن الدارقطني وبعض مخطوطاته «محمد بن مصعب القرقساني»، والصواب: «الصنعاني» كما في مخطوطة لسنن الدارقطني لوحة (١٠٥/ أ) وانظر: لسان الميزان (٥/٣٢٦)، وتهذيب التهذيب (٩/٤٦٠) . ٨ انظر: النهاية في غريب الحديث (٣/٨٦) .
[ ١ / ١٣٩ ]
وضعفه أيضًا البيهقي١، ونقل ابن أبي حاتم عن ابن معين أنه قال فيه: ثقة٢.
وأما عبيد بن محمد الصنعاني ومحمد بن عمر بن أبي مسلم ومحمد بن مصعب الصنعاني فقال عنهم ابن القطان: مجهولون٣.
وكذا حكم بجهالة محمد بن مصعب الصنعاني الذهبي٤ وابن حجر٥. واعترض الذهبي على ابن القطان في تجهيله لعبيد بن محمد الصنعاني فقال: معروف٦. وترجم له في كتابه سير أعلام النبلاء٧، ونقل فيه قول الخليلي فيه: هو عالم حافظ له مصنّفات.
_________________
(١) ١ السنن الكبرى (٦/٦) . ٢ الجرح والتعديل (٩/٩) . ونسبها إليه أيضًا ابن التركماني في الجوهر النقي (٦/٦) . وأما الحافظان الذهبي في كتابه الميزان، وابن حجر في كتابه اللسان فلم يشيرا إلى هذا القول عن ابن معين مع عنايتهما بكتاب ابن أبي حاتم، ويبعد أن يضعِّف الدارقطني والبيهقي من وثقه ابن معين الموصوف بالتشدد في التوثيق. وقد أشار إلى هذا الإشكال المعلمي في تعليقه على الجرح والتعديل، وأشار إلى أن ابن معين قد سئل عن رجل آخر اسمه الوليد بن عبد الله، فأجاب بتوثيقه كما نقل ذلك ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٩/٩) فكأن المعلمي يشير إلى احتمال أن يكون كلام ابن معين الذي نقله ابن أبي حاتم في الوليد بن عبيد الله إنما هو في الوليد بن عبد الله. والله أعلم. ٣ لسان الميزان (٥/٣٢٦) . ٤ رد الذهبي على ابن القطان - المطبوع في مقدمة كتاب الأحكام الوسطى، لعبد الحق الإشبيلي - (١/٢٥) . ٥ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٦٣٠٣) . ٦ رد الذهبي على ابن القطان (ص٢٥) . ٧ سير أعلام النبلاء (١٣/٣٤٩-٣٥٠) .
[ ١ / ١٤٠ ]
وقد حكم الذهبي على إسناد الدارقطني بقوله: "الإسناد مظلم"١، وأيضًا في هذه الطريق علة أخرى، وهي أنه قد روى الحديث عن عطاء كلٌّ من ابن جريج٢، وعمرو بن دينار٣ موقوفًا على أبي هريرة ﵁. وقال أحمد فيهما: إنهما أثبت الناس في عطاء٤.
وخالفهما ابن أبي ليلى٥، والحجاج بن أرطاة٦، ورباح بن أبي معروف٧، والوليد بن عبيد الله٨، والمثنى بن الصباح٩، ومؤمل١٠، فكلهم رووا الحديث عن عطاء مرفوعًا. وكلّ تكلم فيه وبعضهم أشد ضعفًا من بعض.
والذي يظهر ترجيح رواية الوقف؛ لأن من رواها أحفظ وأضبط، وليس في رواية الوقف استثناء كلب الصيد. وممن رجّح الوقف البخاري١١.
_________________
(١) ١ رد الذهبي على ابن القطان (ص٢٥) . ٢ رواه عنه ابن أبي شيبة في المصنف (٥/٣١٧)، والبخاري في التاريخ الكبير تعليقًا (٤/٢١١) . ٣ رواه عنه ابن أبي شيبة في المصنف (٥/١٠٦،١١٥)، والبخاري في التاريخ الكبير تعليقًا (٤/٢١١) . ٤ انظر: تهذيب التهذيب (٦/٤٠٤)، (٨/٣٠) . ٥ رواه عنه ابن أبي شيبة في المصنف (٥/١٠٦)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٤/٥٣) . ٦ رواه عنه أحمد في المسند (٢/٥٠٠) . ٧ رواه عنه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٤/٥٣) . ٨ سبق قبل قليل الإشارة إلى روايته. ٩ سيأتي ذكر روايته في الطريق الثانية. ١٠ سيأتي ذكر روايته في الطريق الثالثة. ١١ التاريخ الكبير (٤/٢١١) .
[ ١ / ١٤١ ]
فمما سبق يتبين أن قول ابن التركماني عن هذه الطريق بأنها جيدة١ بعيد عن التحقيق العلمي. والله أعلم.
الطريق الثانية: المثنى بن الصَّبَّاح عن عطاء عنه به:
رواه الدارقطني أيضًا بإسناده عن محمد بن سلمة به٢. ولفظه: "كسب الحجام سحت، ومهر الزانية سحت، وثمن الكلب إلا كلبًا ضاريًا سحت".
قال الدارقطني: المثنى ضعيف.
وقال فيه يحيى بن سعيد: لم نتركه - أي المثنى - من أجل عمرو بن شعيب، ولكن كان منه اختلاط في عطاء. وقال ابن سعد وابن معين: ضعيف. وزاد ابن معين: يكتب حديثه ولا يترك. وقال مرةً: ثقة. وقال أحمد: لا يساوي حديثه شيئًا، مضطرب الحديث. وقال أبو حاتم وأبو زرعة: لين الحديث. وقال أبو حاتم أيضًا: يروي عن عطاء ما لم يرو عنه أحد، وهو ضعيف الحديث. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال مرة: متروك الحديث٣.
وجعله ابن حجر في مرتبة: ضعيف اختلط بآخرة، وكان عابدًا٤.
وقد سبق أن المحفوظ في حديث عطاء الوقف على أبي هريرة ﵁. فعلى هذا فإن هذه الطريق ضعيفة أيضًا. والله أعلم.
_________________
(١) ١ الجوهر النقي (٦/٧) . ٢ سنن الدارقطني (٣/٧٣) . ٣تهذيب التهذيب (١٠/٣٦) . ٤ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٦٤٧١) .
[ ١ / ١٤٢ ]
الطريقة الثالثة: قيس بن سعد المكي عن عطاء عنه به.
رواه البيهقي بإسناده عن مؤمل بن إسماعيل عن حماد بن سلمة به١. ولفظه: "نُهي عن مهر البغي، وعسب الفحل، وعن ثمن السنور، وعن الكلب إلا كلب صيدٍ".
ومؤمَّل بن إسماعيل كان صاحب سنة، إلا أنه تكلم في حديثه. فقال ابن سعد: ثقة كثير الغلط. وقال ابن معين: ثقة. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال أبو حاتم: كثير الخطأ. وقال يعقوب بن سفيان: حديثه لا يشبه حديث أصحابه، وقد يجب على أهل العلم أن يقفوا عن حديثه، فإنه يروي المناكير عن ثقات شيوخه وهذا أشد، فلو كانت هذه المناكير عن الضعفاء لكنا نجد له عذرًا.
وقال الدارقطني: ثقة كثير الخطأ٢.
وأما الحافظ ابن حجر فجعله في مرتبة صدوق سيء الحفظ٣.
والذي يظهر لي حسب ما تقدم من أقوال أئمة الجرح والتعديل أنه ضعيف يعتبر به. والله أعلم.
ومما يدل على خطئه في هذا الحديث أن حماد بن سلمة إنما يروي هذا الحديث بهذا اللفظ عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله - ﵄ - وقد تقدم ذكر حديثه٤.
وأيضًا فقد خالفه يحيى بن حماد الشيباني مولاهم، وهو ثقة٥. فرواه عن حماد بن سلمة عن قيس عن عطاء عن أبي
_________________
(١) ١ السنن الكبرى (٦/٦) . ٢ تهذيب التهذيب (١٠/٣٨٠-٣٨١) ٣ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٧٠٢٩) . ٤ تقدم حديثه عند حديث جابر بن عبد الله (رقم (٣٩) . ٥ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٧٥٣٥) .
[ ١ / ١٤٣ ]
هريرة ﵁ قال: "نهى عن كسب الحجام، ومهر البغي، وثمن الكلب". رواه البزار١.
فهذه الروايات عن عطاء عن أبي هريرة ﵁ التي فيها الاستثناء ترجّح أنها لا تصح عن النبي ﷺ. والمحفوظ في حديث عطاء الوقف على أبي هريرة ﵁ ليس فيه الاستثناء لكلب الصيد، وذلك لأن أبا هريرة ﵁ صح عنه النهي عن ثمنها مطلقًا بدون استثناء كما عند ابن أبي شيبة٢، والنسائي في الكبرى٣.
وما روي عن أبي هريرة ﵁ مما فيه الاستثناء فضعيف٤.
٤٢ - (٥) عن ابن عباس - ﵄ - قال: "نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب، وإن جاء يطلب ثمن الكلب فاملأ كفه ترابًا".
رواه أبو داود٥ وهذا لفظه، والنسائي٦ مختصرًا، والطيالسي٧، وابن أبي شيبة٨، وأحمد٩، والطحاوي١٠ - مختصرًا -، والطبراني١١، والبيهقي١٢. كلهم من طرقٍ عنه به.
_________________
(١) ١ مسند البزار (مخطوط، ص٢٤٩-٢٥٠) . ٢ المصنف (٥/١٠٦) . ٣ السنن الكبرى (٣/١١٤) . ٤ انظر: زاد المعاد (٥/٧٧٠-٧٧١) . ٥ سنن أبي داود [كتاب البيوع (٣/٧٥٤)] . ٦ سنن النسائي [كتاب البيوع (٧/٣٠٩)] . ٧ مسند الطيالسي (ص٣٦٠) . ٨ مصنف ابن أبي شيبة (٥/١٠٦) . ٩ مسند أحمد (١/٢٣٥،٢٧٨،٢٨٩،٣٥٠،٣٥٦) . ١٠ شرح معاني الآثار (٤/٥٢) . ١١ المعجم الكبير (١٢/١٠٢) . ١٢ السنن الكبرى (٦/٦) .
[ ١ / ١٤٤ ]
وزاد الطيالسي وأحمد والطبراني والدارقطني والبيهقي: "ونهى عن مهر البغي وثمن الخمر". وفي لفظٍ للطبراني١: "نهى رسول الله ﷺ عن الشاة الجلالة، وعن ثمن الكلب، وعسب الفحل، وكسب الحجام".
قال ابن حجر عن إسناد أبي داود: "إسناده صحيح"٢. وهو كما قال.
وجاء في بعض روايات الحديث استثناء كلب الصيد من عموم النهي عن ثمن الكلاب، وذلك فيما رواه ابن عدي بإسناده عن أبي حنيفة عن الهيثم الصراف عن عكرمة عن ابن عباس - ﵄ - أنه قال: "أرخص رسول الله ﷺ في ثمن كلب الصيد"٣. وفي إسناده أحمد بن عبد الله الكندي اللجلاج، قال فيه ابن عدي: "حدث بأحاديث مناكير لأبي حنيفة". وذكر له ابن عدي أحاديث رواها عن أبي حنيفة منها هذا الحديث، ثم قال: "وهذه الأحاديث لأبي حنيفة لم يحدث بها إلا أحمد بن عبد الله هذا، وهي بواطيل".
وقال عبد الحق الإشبيلي عن هذا الحديث: "باطل"٤.
ورواه الحاكم بإسناده عن يوسف بن خالد السَّمتي عن الضحاك بن عثمان عن عكرمة عن ابن عباس - ﵄ - أن رسول الله ﷺ قال: "ثمن الكلب خبيث، وهو أخبث منه" ٥. قال الحاكم: "هذا حديث رواته كلهم ثقات، فإن سلم من يوسف بن خالد السَّمتي فإنه
_________________
(١) ١ المعجم الكبير (١١/٢٦٧) . ٢ فتح الباري (٤/٤٩٨) . ٣ الكامل (١/١٩٧) . ٤ ميزان الاعتدال (١/١١٠) . ٥ المستدرك (١/١٥٥) .
[ ١ / ١٤٥ ]
صحيح على شرط البخاري، وقد خرجته لشدة الحاجة إليه، وقد استعمل مثله الشيخان في غير موضع يطول بشرحه الكتاب".
ولعل الحاكم يعني أنه لم يجد في باب نجاسة الكلب غير هذا الحديث. والله أعلم.
ويوسف بن خالد السَّمتي كذبه ابن معين، وعمرو بن علي، وأبو داود وغيرهم. وقال البخاري: سكتوا عنه. وقال أبو حاتم: ذاهب الحديث١.
فعلى هذا فهذه الرواية لا يعتبر بها. والله أعلم.
٤٣ - (٦) عن عبد الله بن عمرو - ﵄ - قال: "نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وأجر الكاهن، وكسب الحجام".
رواه الحاكم٢، ومن طريقه البيهقي٣ بإسناده عن حصين عن مجاهد عنه به.
وحصين هو ابن عبد الرحمن السُّلمي، ثقة إلا أنه تغير حفظه في الآخر٤، إلا أن الراوي عنه في هذا الحديث هو هشيم بن بشير الواسطي، وهو ممن سمع منه قبل تغيره٥.
_________________
(١) ١ تهذيب التهذيب (١١/٤١١-٤١٢) . ٢ المستدرك (٢/٣٣) . ٣ السنن الكبرى (٦/٨) . ٤ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (١٣٦٩) . وانظر: الكواكب النيرات (ص١٢٦) فما بعدها. ٥ شرح علل الترمذي (٢/٧٣٩) .
[ ١ / ١٤٦ ]
وقد تكلم في سماع مجاهد من عبد الله بن عمرو، فقيل: لم يسمع منه. إلا أن البخاري أخرج في صحيحه حديثين من طريق مجاهد عن عبد الله بن عمرو١، مما يدل على أنه يرى سماعه منه.
فعلى هذا فإن هذا الإسناد صحيح متصل. والله أعلم.
٤٤ - (٧) عن ابن عمر - ﵄ - أن رسول الله ﷺ: "نهى عن ثمن الكلب وإن كان ضاريًا".
رواه الطحاوي٢ بإسناده عن ابن لهيعة عن عبيد الله بن أبي جعفر أن صفوان بن سليم أخبره عن نافعٍ عنه به.
وابن لهيعة تقدم الكلام فيه٣، وأنه ضعيف، وأنه مدلِّس أيضًا ولم يصرّح بالسماع.
وقد سئل أبو حاتم عن هذا الحديث فقال: "حديث منكر"٤. وضعف إسناده الحافظ ابن حجر٥.
فعلى هذا فإن هذا الإسناد ضعيف. وفي المتن نكارة وهي زيادة "وإن كان ضاريًا"، فإنها لم ترد في الروايات الصحيحة الواردة في النهي عن ثمن الكلب.
وقد تقدم معنى قوله: "وإن كان ضاريًا"، أي كلبًا معوّدًا للصيد٦.
_________________
(١) ١ جامع التحصيل (ص٣٣٧) . ٢ شرح معاني الآثار (٤/٥٢) . ٣ تقدم عند حديث رقم (١) . ٤ علل الحديث (١/٣٨٦) . ٥ فتح الباري (٤/٤٩٨) . (عند الطريق الأولى من حديث رقم ٤١) ص ١٣٩.
[ ١ / ١٤٧ ]
وجاء هذا الحديث من وجه آخر، إلا أنه ضعيف جدًا، وذلك فيما رواه الطبراني في الأوسط١ بإسناده عن ضرار بن صُرد عن المطلب بن زياد عن ابن أبي ليلى عن نافعٍ عنه به بلفظ "أن النبي ﷺ نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي".
وضرار - بكسر أوله٢ - ابن صُرَد - بضم المهملة وفتح الراء٣ - رماه يحيى ابن معين بالكذب. وقال البخاري والنسائي: متروك الحديث. وقال النسائي مرةً: ليس بثقة. وقال أبو حاتم: صدوق صاحب قرآن وفرائض، يكتب حديثه ولا يحتج به. وضعفه الدارقطني٤.
ويظهر لي مما تقدم من أقول الأئمة أنه ضعيف جدًا، وقد اختار هذا أيضًا الهيثمي، حيث قال عن هذا الحديث: "فيه ضرار بن صرد أبو نعيم، وهو ضعيف جدًا"٥.
وتساهل فيه الحافظ ابن حجر كثيرًا؛ حيث خلص فيه إلى أنه "صدوق له أوهام وخطأ"٦.
وابن أبي ليلى هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال فيه شعبة: ما رأيت أحدًا أسوأ حفظًا من ابن أبي ليلى. وقال أيضًا: أفادني ابن أبي ليلى أحاديث، فإذا هي مقلوبة. وضعفه يحيى بن سعيد. وقال ابن المديني:
_________________
(١) ١ المعجم الأوسط (٥/٣٦٣) . ٢ المغني في ضبط أسماء الرجال (ص١٥٥) . ٣ المرجع السابق (ص ١٥١) . ٤ تهذيب التهذيب (٤/٤٥٦) . ٥ مجمع الزوائد (٤/٩٤) . ٦ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٢٩٨٢) .
[ ١ / ١٤٨ ]
كان سيء الحفظ واهي الحديث. وقال ابن معين: ليس بذاك. وقال أحمد: كان سيء الحفظ مضطرب الحديث. وقال أبو حاتم: "محلّه الصدق، كان سيء الحفظ يكتب حديثه ولا يحتج به" ١.
وخلص فيه الحافظ ابن حجر إلى أنه: "صدوق سيء الحفظ جدًا"٢.
فمما تقدم يتبين أن إسناد هذا الحديث ضعيف عن ابن عمر - ﵄ -. وأما متن الحديث وهو النهي عن ثمن الكلب من دون قوله: "وإن كان ضاريًا" ففيه أحاديث صحيحة تشهد له سبق ذكرها، فيكون بها حسنًا لغيره. والله أعلم.
٤٥ - (٨) عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "نهى عن ثمن الكلب، وأجر البغي، وكسب الحجام، والضبّ والضبع".
رواه ابن عدي٣ بإسناده عن نصر بن علي الجهضمي، عن أبي أحمد الزبيري، عن عبد الجبار بن العباس، عن عريب بن مرثد، عن عبد الرحمن اليامي٤، عن الحارث الأعور، عنه به.
وذكر الدارقطني أن عمرو بن علي الفلاس قد تابع نصر بن علي في رفع هذا الحديث. وأنه خالفهما زيد بن أخزم، فرواه عن أبي أحمد الزبيري به موقوفًا على عليّ ﵁. وذكر أن أبا نعيم الفضل بن دُكين قد
_________________
(١) ١ تهذيب التهذيب (٩/٣٠٢-٣٠٣) . ٢ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٦٠٨١) . ٣ الكامل (٥/٣٢٧) . ٤ في المطبوع: «الإيامي» . وهو خطأ
[ ١ / ١٤٩ ]
رواه عن عبد الجبار بن العباس به موقوفًا. فهذا يؤيد رواية زيد بن أخزم. قال الدارقطني: فكأنه قول علي رضي الله عنه١.
وتابع أبا نعيم وكيع بن الجراح، فقد رواه عن عبد الجبار بن العباس به موقوفًا أيضًا. رواه ابن أبي شيبة٢، وابن جرير٣ مختصرًا. وتابعهما يحيى بن زكريا بن أبي زائدة. رواه ابن جرير٤ مختصرًا.
فمما سبق يتبين أن الحديث اختلف فيه على عبد الجبار بن العباس فرواه أبو نعيم، ووكيع، وابن أبي زائدة موقوفًا. ورواه عنه أبو أحمد الزبيري واختلف عليه، فرواه نصر بن علي، وعمرو بن علي عنه مرفوعًا، ورواه زيد بن أخزم عنه موقوفًا. والذي يترجح هو الوقف لأنه رواية الأكثر والأحفظ، وللاختلاف على من رواه مرفوعًا. والله أعلم.
فإذا ترجح الوقف فإن إسناده ضعيف أيضًا، فإن عريب بن مرثد - وهو المشرقي -، وعبد الرحمن اليامي، وهو ابن زبيد بن الحارث كلاهما لم يوثقهما غير ابن حبان٥.
وأيضًا ففي إسناده الحارث الأعور، وقد كذّبه الشعبي وابن المديني وغيرهما. ووثقه ابن معين. قال الدارمي: ليس يتابع ابن معين على هذا. وقال أبو حاتم وأبو زرعة: لا يحتج بحديثه. وقال النسائي: ليس بالقوي. وفي رواية: ليس به بأس. وضعفه الدارقطني. وقد بيّن أحمد بن
_________________
(١) ١ علل الدارقطني (٣/١٨١) . ٢ المصنف (٥/٥٤٦) . ٣ تهذيب الآثار (مسند عمر بن الخطاب: ١/١٠٦) . ٤ المرجع السابق. ٥ الثقات (٧/٦٧،٣٠٢) .
[ ١ / ١٥٠ ]
صالح المصري أن من كذبه إنما كذّبه لرأيه؛ لأنه كان غاليًا في التشيّع، ولم يكذبه في الحديث١.
ولذا خلص فيه الحافظ ابن حجر بقوله: "في حديثه ضعف"٢.
فمما سبق يتبين أن الحديث المحفوظ فيه الوقف مع ضعفه. والله أعلم.
٤٦ - (٩) عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "ثمن الكلاب كلها سحت".
رواه ابن عدي٣ بإسناده عن يحيى بن يزيد بن عبد الملك النوفلي عن أبيه عن عبد الله بن الفضل عنه به.
قال ابن عدي: "هذا بهذا الإسناد غير محفوظ".
وقد تفرد بهذا الإسناد يزيد بن عبد الملك النوفلي كما قال ابن عدي، وقد تقدم الكلام في يزيد بن عبد الملك وأنه ضعيف جدًا٤.
وفي متنه نكارة أيضًا، وهو قوله "كلها"، فإن هذا لم يرد في الأحاديث الأخرى التي وردت في النهي عن ثمن الكلب.
فمما سبق يتبين أن الحديث ضعيف جدًا لحال يزيد بن عبد الملك النوفلي. والله أعلم.
_________________
(١) ١ تهذيب التهذيب (٢/١٤٦-١٤٧) . ٢ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (١٠٢٩) . ٣ الكامل (٦/٢٨٤) . ٤ تقدم عند حديث أبي هريرة (رقم (٣٢)
[ ١ / ١٥١ ]
ومما ورد في هذا الفصل أيضًا:
(١٠) حديث علي ﵁، وقد تقدم١.
(١١) حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ -، وقد تقدم٢.
(١٢) حديث أبي جحيفة ﵁، وقد تقدم٣.
(١٣) حديث عمر بن الخطاب ﵁، وسوف يأتي٤.
_________________
(١) ١ تقدم برقم (٤) . ٢ تقدم برقم (١٦) . ٣ تقدم برقم (٢٨) . ٤ سيأتي برقم (٥٥) .
[ ١ / ١٥٢ ]
دلالة الأحاديث السابقة:
يستفاد مما تقدم من الأحاديث الثابتة النهي عن بيع الكلب سواءً أكان مما أُذن بالانتفاع به أم لا، لعموم النهي الوارد عن ثمنها في الأحاديث السابقة. وهو مذهب مالك في المشهور عنه١، والشافعي٢، وأحمد٣. وجميع ما ورد في استثناء كلب الصيد فإنه ضعيف كما تقدم بيان ذلك مفصّلًا عند تخريج هذه الأحاديث.
وذهب بعض أهل العلم إلى إباحة بيع الكلب إذا كان مأذونًا في اتخاذه ككلب الصيد ونحوه. وهو مذهب أبي حنيفة٤. وقالوا إن النهي عن ثمنها كان حين الأمر بقتلها، فلما نسخ الأمر بقتلها نسخ النهي عن ثمنها. وجعلوا حكمه حكم الحمار الأهلي الذي نهي عن أكله وأُبيح بيعه٥.
والذي يترجح هو ما تقدم من النهي عن ثمن الكلاب ولو كانت مما ينتفع بها لعموم الأحاديث الواردة في النهي عن ثمنها وأنه خبيث. وأما دعوى نسخ هذه الأحاديث بأحاديث الإذن بالانتفاع بالكلاب فهي دعوى لا دليل عليها؛ لأن النسخ لابد أن يثبت بنص، وليس نسخ الأمر بقتل الكلاب دليلًا على نسخ النهي عن ثمنها؛ لعدم التلازم بينهما. ويدل على هذا: أن أحاديث تحريم بيعها وأكل ثمنها مطلقة عامة كلها، وأحاديث النهي عن اقتنائها منها المطلق ومنها المقيَّد الذي فيه الاستثناء
_________________
(١) ١ الخرشي على مختصر خليل (٥/١٦) . ٢ المجموع (٩/٢٧٢) . ٣ شرح الزركشي (٣/٦٧٠) . ٤ بدائع الصنائع (٥/١٤٣) . ٥ انظر: شرح معاني الآثار (٤/٥٧)، بدائع الصنائع (٥/١٤٣) .
[ ١ / ١٥٣ ]
لبعض الكلاب. فلو كان النهي عن بيعها مقيدًا مخصوصًا لجاءت به الآثار كذلك. فلما جاءت عامة مطلقة عُلم أنّ عمومها وإطلاقها مراد، فلا يجوز إبطاله١.
وكذلك أحاديث النهي عن ثمنها متأخرة، فقد تقدم أن النهي عن بيعها جاء عن أبي هريرة ﵁ وقد أسلم في السنة السابعة. ولا يصح عن صحابي خلاف أحاديث النهي العامة٢.
وكذلك يستفاد مما تقدم النهي عن ثمن السِّنَّور وهو الهر. وبه أفتى جابر بن عبد الله وأبو هريرة، وهو قول طاووس ومجاهد وجابر بن زيد٣، ورواية عن أحمد٤ اختارها أبو بكر عبد العزيز٥، وصححها ابن رجب٦. وقال ابن المنذر: "إن ثبت عن النبي ﷺ النهي عن بيعه فبيعه باطل وإلا فجائز"٧. وقد صح الحديث كما تقدم.
وقال البيهقي: "متابعة ظاهر السنة أولى، ولو سمع الشافعي - ﵀ - الخبر الوارد فيه - أي في النهي عن ثمن السِّنَّور - لقال به - إن شاء الله -"٨.
وذهب الجمهور إلى إباحة بيع السِّنَّور٩، وحملوا النهي على السِّنَّور المتوحش، أو غير المملوك، أو أن النهي عن ثمنها كان حين الحكم
_________________
(١) ١ انظر: زاد المعاد (٥/٧٧٢) . ٢ زاد المعاد (٥/٧٧١) . ٣ المجموع (٩/٢٧٤)، زاد المعاد (٥/٧٧٣) . ٤ شرح الزركشي (٣/٦٧٧) . ٥ المرجع السابق. ٦ القواعد الفقهية (ص٢٢٧) . ٧ المجموع (٩/٢٧٤) . ٨ السنن الصغير (٢/٢٧٨) . ٩ المجموع (٩/٢٧٤) .
[ ١ / ١٥٤ ]
بنجاستها، ثم لما حكم بطهارة سؤرها حل ثمنها، أو أن يحمل النهي على الكراهة. وغير ذلك من المحامل١.
قال الزركشي: وكلها محامل ودعوى لا دليل عليها٢.
وقال ابن القيم: لا يخفى ما في هذه المحامل من الوهن٣.
_________________
(١) ١ انظر: المجموع (٩/٢٧٤)، شرح الزركشي (٣/٦٧٨)، زاد المعاد (٥/٧٧٣) . ٢ شرح الزركشي (٣/٦٧٨) . ٣ زاد المعاد (٥/٧٧٣-٧٧٤) .
[ ١ / ١٥٥ ]