١١٨ - (١) عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تشتروا السمك في الماء فإنه غرر".
جاء هذا الحديث عن ابن مسعود ﵁ مرفوعًا وموقوفًا.
فرواه أحمد١ - ومن طريقه رواه كلٌ من الطبراني٢ والبيهقي٣ والخطيب البغدادي٤ - عن محمد بن السَّماك عن يزيد بن أبي زياد عن المسيب بن رافع عنه به مرفوعًا.
ومحمد بن السماك واعظ مشهور. قال فيه ابن نمير: حديثه ليس بشيء. بينما قال في روايةٍ أخرى: كان صدوقًا. وذكره ابن حبان في الثقات وقال فيه: مستقيم الحديث٥.
وقد خالف محمد بن السماك غيره في رفع هذا الحديث، فقد قال أحمد بعد روايته لهذا الحديث: "وحدثناه هشيم فلم يرفعه"٦.
_________________
(١) ١ المسند (١/٣٨٨) . ٢ المعجم الكبير (١٠/٢٠٩) . ٣ السنن الكبرى (٥/٣٤٠)، معرفة السنن والآثار (٨/١٤٩) . ٤ تاريخ بغداد (٥/٣٦٩) . ٥ تعجيل المنفعة (ص٣٦٤) . ٦ هذه العبارة ليست في المطبوع من المسند. وهي موجودة عند الطبراني والبيهقي والخطيب البغدادي بعد روايتهم لهذا الحديث من طريق أحمد، وكذلك ذكرها ابن كثير في جامع المسانيد (٢٧/٣٨٥)، وابن حجر في أطراف مسند أحمد (٤/٢١٦) .
[ ١ / ٣٥٣ ]
وقد تابع هشيمًا على وقفه زائدة بن قدامة كما عند الطبراني١، ومحمد بن فضيل عند ابن أبي شيبة٢. وذكر البيهقي أنه قد تابعهم سفيان الثوري٣.
والراجح في هذا الاختلاف هو الوقف، وأما الرفع فشاذ؛ لأن مَنْ وقفه أكثر وأحفظ ممن رفعه. وممن رجّح الوقف الدارقطني٤، والبيهقي٥، والخطيب٦.
فإذا تبين أن المحفوظ في هذا الحديث هو الوقف. فإن فيه علتين هما:
أولًا: يزيد بن أبي زياد، وهو الهاشمي الكوفي تكلم فيه. فقال فيه ابن معين وأبو حاتم والنسائي: ليس بالقوي. وقال ابن معين أيضًا: ليس بحجة، ضعيف الحديث. وقال أحمد: ليس حديثه بذاك. وقال البخاري: صدوق ولكنه يغلط، وقال: تغيَّر بآخرة. وقال أبو زرعة: ليِّن، يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال الدارقطني: لا يخرج عنه في الصحيح، ضعيف يخطيء كثيرًا ويتلقن إذا لقِّن٧.
وخلص فيه الحافظ ابن حجر إلى أنه في مرتبة "ضعيف، كبر فتغيَّر وصار يتلقَّن"٨.
_________________
(١) ١ المعجم الكبير (٩/٣٢١) ٢ المصنف (٥/٢٤٠) . ٣ السنن الكبرى (٥/٣٤٠)، معرفة السنن والآثار (٨/١٤٩) . ٤ العلل (٥/٢٧٥-٢٧٦) . ٥ السنن الكبرى (٥/٣٤٠) . ٦ تاريخ بغداد (٥/٣٦٩) . ٧ تهذيب التهذيب (١١/٣٣٠-٣٣١) . ما عدا قول البخاري فهو في علل الترمذي الكبير (٢/٨٣٥، ٩٧٢) . ٨ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٧٧١٧) .
[ ١ / ٣٥٤ ]
ثانيًا: الانقطاع بين المسيب بن رافع وابن مسعود ﵁. وممّن نفى سماعه منه أحمد بن حنبل١، وأبو حاتم٢، وأبو زرعة٣. وقال ابن معين: لم يسمع المسيب بن رافع عن أحد من أصحاب النبي ﷺ إلا البراء بن عازب رضي الله عنه٤.
فمما سبق يتبين أن هذا الحديث المحفوظ فيه الوقف. وهذا الموقوف ضعيف. والله أعلم.
_________________
(١) ١ جامع التحصيل (ص٣٤٥) . ٢ المراسيل (ص١٦٣) . ٣ المرجع السابق. ٤ التاريخ - لابن معين - (٢/٥٦٦) .
[ ١ / ٣٥٥ ]
دلالة الحديث السابق:
بيع السمك في الماء سبق أن الحديث الوارد في النهي عنه ضعيف، إلا أن بيع السمك في الماء من بيع الغرر١، لكونه غير مقدورٍ على تسليمه، ومحلّ ذلك إذا كان الماء كثيرًا كمياه الأنهار أو يكون في بركةٍ كبيرة يتعسر إمساكه وصيده منها، فإن أمكن أخذه بلا تعب كبركةٍ صغيرةٍ جاز بيعه بلا خلاف٢.
ويجوز بيع السمك في الماء بثلاثة شروط:
الأول: أن يكون مملوكًا لبائعه.
الثاني: أن يكون الماء رقيقًا لا يمنع مشاهدته ومعرفته.
الثالث: أن يمكن اصطياده وإمساكه، وذلك في أن يكون في بركة صغيرةٍ ونحوها.
فإن اجتمعت هذه الشروط جاز بيعه لأنه مملوك معلوم مقدورٌ على تسليمه٣.
وجعل بعض الفقهاء للمشتري خيار الرؤية فيما إذا اشترى سمكًا مملوكًا في الماء الذي يمكن معه التسليم، وإنما جعلوا له خيار الرؤية؛ لأن السمك يتفاوت في الماء وخارجه٤.
ويقاس على السمك في الماء الطير في الهواء، والجمل الشارد، والمال الضال، ونحو ذلك٥. والله أعلم.
_________________
(١) ١ المجموع (٩/٢٧٣) . ٢ المرجع السابق. ٣ انظر: المغني (٤/٢٩٤) . ٤ انظر: تبيين الحقائق (٤/٤٥) . ٥ انظر: المجموع (٩/٢٧٤) .
[ ١ / ٣٥٦ ]