٥٠ - (١) عن عبد الله بن عمر - ﵄ - أن النبي ﷺ "نهى عن بيع الولاء وهبته".
رواه البخاري١، ومسلم٢، وأبو داود٣، والترمذي٤، والنسائي٥، وابن ماجه٦، ومالك٧، والطيالسي٨، وأحمد٩، والدارمي١٠. كلهم من طرق عن عبد الله بن دينار عنه به بهذا اللفظ.
وقال مسلم: "الناس كلهم عيال على عبد الله بن دينار في هذا الحديث". يعني أنه لم يصح إلا من طريقه.
وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر".
_________________
(١) ١ صحيح البخاري - مع الفتح -[كتاب العتق (٥/رقم ٢٥٣٥)، كتاب الفرائض (١٢/٦٧٥٦)] . ٢ صحيح مسلم [كتاب العتق (٢/١١٤٥)] . ٣ سنن أبي داود [كتاب الفرائض (٣/٥٣٤)] . ٤ جامع الترمذي [كتاب البيوع (٣/٥٣٧)] . ٥ سنن النسائي [كتاب البيوع (٧/٣٠٦)] . ٦ سنن ابن ماجه [كتاب الفرائض (٢/٩١٨)] . ٧ الموطأ (٢/٥٩٩) . ٨ مسند الطيالسي (ص٢٥٦) . ٩ مسند أحمد (٢/٩،٧٩،١٠٧) . ١٠ سنن الدارمي (٢/٣٣٣،٤٩٠) .
[ ١ / ١٧٣ ]
وقال أيضًا: "عبد الله بن دينار قد تفرد بهذا الحديث عن ابن عمر"١.
ومن المعلوم أن تفرد الثقة لا يضر، والترمذي لا يقصد في حكمه على الحديث بالتفرد تضعيفًا للحديث، وإنما يريد أن لا يصلح هذا الحديث إلا من طريق عبد الله بن دينار، وإلا فقد جاء هذا الحديث من غير طريقه، ومن ذلك: ما رواه ابن ماجه٢، والبيهقي٣ بإسنادهما عن يحيى بن سليم، عن عبيد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر به.
قال الترمذي: "هو وهم، وهم فيه يحيى بن سليم، وروى عبد الوهاب الثقفي وعبد الله بن نمير وغير واحد عن عبيد الله بن عمر، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر عن النبي ﷺ، وهذا أصح من حديث يحيى بن سليم"٤.
وقال نحوه البخاري٥، وأبو زرعة٦.
وقال البيهقي: "هذا وهم من يحيى بن سليم أو من دونه في الإسناد والمتن جميعًا"٧.
ويحيى بن سليم تكلم في حديثه عن عبيد الله بن عمر. فقال النسائي: "منكر الحديث عن عبيد الله بن عمر"، وقال الساجي: "أخطأ في أحاديث رواها عن عبيد الله بن عمر"٨.
_________________
(١) ١ العلل الكبير (١/٤٨٧) . ٢ سنن ابن ماجه (٢/٩١٨) . ٣ السنن الكبرى (١٠/٢٩٣) . ٤ جامع الترمذي (٣/٥٣٧) . ٥ العلل الكبير (١/٤٨٧) . ٦ علل الحديث (٢/٥٣) . ٧ السنن الكبرى (١٠/٢٩٣) . ٨ تهذيب التهذيب (١١/٢٢٦-٢٢٧) .
[ ١ / ١٧٤ ]
ورواه أيضًا الحاكم بإسناده عن محمد بن مسلم الطائفي، عن إسماعيل بن أمية، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا بلفظ: "الولاء لحمة من النسب، لا تباع ولا توهب"١.
ومحمد بن مسلم الطائفي قال فيه ابن معين: لا بأس به، وابن عيينة أوثق منه، وكان إذا حدث من حفظه يخطئ، وإذا حدث من كتابه فليس به بأس. وقال مرة: ثقة.
وقال أحمد: ما أضعف حديثه. وقال أبو داود: ليس به بأس. وقال مرة: ثقة.
وقال يعقوب بن سفيان: ثقة لا بأس به٢. وقد جعله ابن حجر في مرتبة: صدوق يخطئ من حفظه٣.
إلا أنه قد وهم في هذا الحديث؛ فإن نافعًا إنما أخذه من عبد الله بن دينار عن ابن عمر. قاله أبو حاتم٤.
وقال أيضًا: الناس يروون عن نافع عن ابن عمر موقوف "الولاء لحمة " وهذا هو الصحيح٥.
فيرى أبو حاتم أن نافعًا سمع من ابن عمر أنه قال: "الولاء لحمة من النسب"، وأما قوله: "نهى عن بيع الولاء، وعن هبته" فإنما سمعه من عبد الله بن دينار عنه به. والله أعلم.
_________________
(١) ١ المستدرك (٤/٣٤١) . ٢ تهذيب التهذيب (٩/٤٤٤-٤٤٥) . ٣ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٦٢٩٣) . ٤ العلل (١/٣٧٣) . ٥ العلل (١/٣٧٩) .
[ ١ / ١٧٥ ]
ورواه أيضًا ابن عدي بإسناده عن غسان بن عبيد، ثنا أشعث بن سعيد، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر به، ولفظه: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الولاء، وعن هبته"١.
قال ابن عدي: قال فيه - يعني غسان بن عبيد - عمرو بن دينار وإنما هو عبد الله بن دينار.
ورواه الطبراني في الأوسط عن أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة، حدثني أبي، عن أبيه، عن سفيان الثوري، عن عمرو بن دينار أنه سمع ابن عمر يقول: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الولاء وهبته"٢.
قال الطبراني: "لم يروه عن سفيان، عن عمرو بن دينار إلا يحيى بن حمزة، تفرد به ولده عنه، ورواه الناس عن سفيان، عن عبد الله بن دينار".
وقال ابن حجر: هو وهم، والمحفوظ من حديث الثوري عن عبد الله بن دينار٣.
فمما تقدم يتبين أن هذا الحديث لا يصح إلا من طريق عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ به. وما جاء من غير هذه الطريق فغير محفوظ، فصح قول مسلم والترمذي وغيرهما أن عبد الله بن دينار قد تفرد بهذا الحديث. والله أعلم
_________________
(١) ١ الكامل (٦/٩) . ٢ المعجم الأوسط (١/٢٠) . ٣ النكت على كتاب ابن الصلاح (٢/٦٧٢) .
[ ١ / ١٧٦ ]
٥١ - (٢) عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "الولاء لُحمة كلحمة النسب، لا يباع ولا يوهب".
رواه الطبراني في الكبير١، وابن عدي٢، وابن جرير الطبري٣، وهذا لفظهم. كلهم من طرق عن عبيد بن القاسم، عن إسماعيل بن أبي خالد عنه به.
وعبيد بن القاسم هو الأسدي التيمي الكوفي. قال فيه ابن معين: ليس بثقة. وقال مرة: كذاب. وقال أبو زرعة: واهي الحديث، حدث أحاديث منكرة، لا ينبغي أن يحدث عنه. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث ذاهب الحديث. وقال صالح بن محمد: كذاب. وقال البخاري: ليس بشيء٤.
قال ابن حجر: متروك؛ كذبه ابن معين، واتهمه أبو داود بالوضع٥.
فعلى هذا، فهذه الطرق ضعيفة جدًا لا يعتبر بها.
وقد تصحف اسم عبيد بن القاسم في الإسناد الذي ساقه ابن التركماني لابن جرير الطبري إلى "عبثر بن القاسم" - وهو ثقة - فحكم ابن التركماني على هذا الإسناد بقوله: "رجاله ثقات"٦.
_________________
(١) ١ ساق إسناده: ابن كثير في جامع المسانيد (٧/٢٧٨) . ٢ الكامل (٥/٣٥٠) . ٣ ساق إسناده ابن التركماني في الجوهر النقي - المطبوع في حاشية سنن البيهقي - (١٠/٢٩٤) . ٤ تهذيب التهذيب (٧/٧٢-٧٣) . ٥ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٤٣٨٩) . ٦ الجوهر النقي (١٠/٢٩٤) .
[ ١ / ١٧٧ ]
ولعل ذلك أيضًا وقع للحافظ ابن حجر، فإنه قال عن إسناد هذا الحديث: "ظاهر إسناده الصحة"١.
والصواب ما تقدم، وهو أنه عبيد بن القاسم، وقد ساق ابن عدي هذا الحديث في ترجمته، وكذلك قاله أبو نعيم الأصبهاني٢.
وللحديث إسناد آخر، فقد رواه أبو نعيم الأصبهاني في معرفة الصحابة٣، وتاريخ أصبهان٤ - ومن طريقه أخرجه الخطيب البغدادي٥ - بإسناده عن يحيى بن هاشم السمسار، عن إسماعيل بن أبي خالد به مختصرًا. ويحيى بن هاشم السمسار تقدم الكلام فيه٦، وأنه ضعيف جدًا، وقد كذب.
فهذه المتابعة لا يعتبر بها أيضًا، فيبقى الحديث ضعيفًا جدًا. والله أعلم.
٥٢ - (٣) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "الولاء لحمة كلحمة النسب، لا يباع ولا يوهب".
رواه ابن عدي٧ بإسناده عن يحيى بن أبي أنيسة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عنه به.
_________________
(١) ١ التلخيص الحبير (٤/٢١٤) . ٢ معرفة الصحابة - مخطوط - (ل٣٤٣/أ) . ٣ المرجع السابق. ٤ تاريخ أصبهان (١/٧٥) . ٥ تاريخ بغداد (١٢/٦١-٦٢) . ٦ تقدم الكلام فيه عند حديث رقم (٩) عند الطريق الثامنة منه. ٧ الكامل (٧/١٨٩) .
[ ١ / ١٧٨ ]
قال ابن عدي: هذا ليس بمحفوظ عن الزهري.
وقال البيهقي: "ليس للزهري فيه أصل، ويحيى بن أبي أنيسة ضعيف بمرة، وإنما روي هذا اللفظ مرسلًا كما قدمنا ذكره"١.
ويحيى بن أبي أنيسة قال فيه أحمد والنسائي والدارقطني وغيرهم: متروك الحديث.
وقال ابن معين: ليس بشيء. وقال عمرو بن علي الفلاس: صدوق، كان يهم في الحديث. وقد اجتمع أصحاب الحديث على تركه إلا من لا يعلم.
وقال يعقوب بن سفيان: لا يكتب حديثه إلا للمعرفة. وقال فيه أخوه زيد بن أنيسة: أخي يحيى يكذب٢.
وتساهل فيه الحافظ ابن حجر فقال فيه: ضعيف٣.
وأولى منه قول الذهبي: تالف٤.
فعلى هذا فلا يصح هذا الحديث عن أبي هريرة ﵁.
٥٣ - (٤) عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "الولاء بمنزلة النسب، لا يباع ولا يوهب، أقره حيث جعله الله".
رواه البيهقي٥، وهذا لفظه، بإسناده عن عباس بن الوليد النرسي، عن سفيان بن عيينة، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن علي به.
_________________
(١) ١ السنن الكبرى (١٠/٢٩٣) . ٢ تهذيب التهذيب (١١/١٨٤-١٨٥) . ٣ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٧٥٠٨) . ٤ الكاشف (٣/٢٢٠) . ٥ السنن الكبرى (١٠/٢٩٤) .
[ ١ / ١٧٩ ]
وعباس بن الوليد النرسي وثقه ابن معين والدارقطني، وكان ابن المديني يتكلم فيه، وقال أبو حاتم: شيخ يكتب حديثه. وذكره ابن حبان في الثقات١.
وجعله الحافظ ابن حجر في مرتبة الثقة٢. والذي يظهر لي أنه في مرتبة صدوق. والله أعلم.
إلا أنه خولف في هذا الحديث؛ فقد رواه الشافعي٣، وعبد الرزاق٤، كلاهما عن سفيان بن عيينة به موقوفًا. ورواه كذلك معمر عن ابن أبي نجيح به موقوفًا٥. فهذه الروايات أقوى من رواية عباس بن الوليد.
فعلى ذلك، فإن المحفوظ في هذا الحديث هو الوقف على علي ﵁، وأما رواية الرفع فهي شاذة.
فإذا ترجح أن المحفوظ فيه هو الوقف، فإنه منقطع؛ لأن مجاهدًا لم يسمع من علي ﵁. قاله ابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم٦ وغيرهم. والله أعلم.
_________________
(١) ١ تهذيب التهذيب (٥/١٣٣-١٣٤) . ٢ تقريب التهذيب: رقم الترجمة (٣١٩٣) . ٣ السنن الكبرى (١٠/٢٩٤) . ٤ المصنف (٩/٣) . ٥ المصنف (٩/٣) . ٦ انظر جامع التحصيل (ص٣٣٦-٣٣٧) .
[ ١ / ١٨٠ ]
دلالة الأحاديث السابقة:
يستفاد مما تقدم النهي عن بيع الولاء وهبته.
والولاء معناه: أنه إذا أعتق عبد اأو أمة صار له عصبة في جميع أحكام التعصيب عند عدم العصبة من النسب، كالميراث، وولاية النكاح، والعقل، وغير ذلك١.
وقد قال جمهور العلماء بالنهي عن بيع الولاء٢؛ لأن حكم الولاء حكم النسب، فكما لا ينتقل النسب لا ينتقل الولاء. وكانوا في الجاهلية ينقلون الولاء بالبيع وغيره، فنهى الشرع عن ذلك٣.
وحكي عن عثمان وميمونة - ﵄ - وغيرهما جواز بيع الولاء٤.
قال ابن بطال: لعلهم لم يبلغهم الحديث٥.
_________________
(١) ١ المطلع (ص٣١١-٣١٢) . ٢ انظر: بدائع الصنائع (٤/١٧٣)، الكافي - لابن عبد البر - (٢/٩٧٥)، الحاوي (١٨/٨١)، المغني (٧/٢٤٣) . ٣ فتح الباري (١٢/٤٥) . ٤ المرجع السابق. ٥ المرجع السابق.
[ ١ / ١٨١ ]