[إن استدلالهم بقوله تعالى ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ [النساء: ٢٩] كما جاء من حديث أبي جعفر الذي رواه الشيخ الكليني في كتابه الكافي فإن الآية تفيد معنى الاستمتاع اللغوي وهو الالتذاذ والانتفاع، فالمعنى (فما انتفعتم وتلذذتم بالجماع من النساء بالنكاح الصحيح) أي بعقده والذي اقتضى هذا الإضمار في أمور:
١ - إن المذكور في أول الآيات وآخرها هو النكاح، فهو ينتقل بنا من حكم في النكاح إلى حكم آخر فيه، فالآيات منصبة في بيان حكم النكاح الصحيح، وليس للمتعة فيها ذكر.
٢ - إن هناك فرقًا بين قولك (نكح فلان أمس المتعة، واستمتع فلان بالنكاح) إذ الأول ينصرف إلى النكاح المؤقت، بخلاف الثاني فإنه لا يفيد سوى معنى الانتفاع والالتذاذ في النكاح المعهود، ونظم الآية من الثاني فدل على الالتذاذ.
٣ - حيث كان اللفظ مرادًا به الالتذاذ وجب إضمار شيء بعده، لئلا يقتضي ظاهر الآية؛ أن كل من تلذذ بالمرأة وأتاها أجرها جاز له ذلك، وهذا غير جائز إجماعًا، إذًا فلابد من إضمار لفظ (عقد)، الذي يبيح الالتذاذ والوطء، وأضفنا العقد إلى النكاح المعروف، للاتفاق على صحة هذا الإضمار] (^١).
وأيضًا يقال: إن الله تعالى لم يعبِّر في هذه الآية الكريمة بلفظ المصدر (الاستمتاع) ولا بلفظ اسمه (المتعة) فهو لم يقل مثلًا فما نكحتم بالمتعة، وإلا لما وجد خلاف، ولكن
_________________
(١) نكاح المتعة ص ٣٠١.
[ ٥١ ]
عبر بلفظ الفعل فقال: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ) والفرق بينهما واضح والفعل يدور معناه على الالتذاذ والنفع، كما في كتب اللغة، وقد صرح أئمة اللغة بأن الفعل (استمتع) في هذا الموضع لا معنى له إلا ما ذكرنا، وقد ورد لفظ (استمتع) في غير هذا الموضع، ولم يرد به المتعة اتفاقًا وذلك في قوله جل وعز ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف: ٢٠] يعني تعجلتم الانتفاع بها، وقال ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٩] (بمعنى انتفعتم بحظكم ونصيبكم) (^١).
وقال ابن الجوزي: وأما الآية فإنها لم تتضمن جواز المتعة، لأنه تعالى قال فيها ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ فدل ذلك على النكاح الصحيح (^٢).
والتمتع لا يوجب الإحصان عند المجيزين، إذ هم لا يوجبون الرجم على من زنى بعد تمتع، فلا يقوم الرجم إلا على من نكح تأبيدًا، والله سبحانه إنما أحل الابتغاء بالأموال ما يوجب الإحصان (^٣).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما متعة النساء المتنازع فيها فليس في الآية نصٌ صريح بحلِّها، فإنه تعالى قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤) وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٤ - ٢٥] فقوله: (فما استمتعتم به منهن) يتناول كل من دُخِلَ بها من النساء، فإنه أمر بأن يُعطَى جميع الصداق، بخلاف المطلقة قبل الدخول التي لم يستمتع بها فإنها لا تستحق إلا نصفه، وهذا قوله تعالى:
﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢١] فجعل الإفضاء مع العقد موجبًا لاستقرار الصَّداق، يبين ذلك أنه ليس لتخصيص النكاح المؤقت بإعطاء الأجر فيه دون النكاح المؤبد معنىً، بل إعطاء
_________________
(١) الجصاص لأحكام القرآن (٣/ ٩٤).
(٢) زاد المسير - ابن الجوزي (١/ ٣٩٢).
(٣) نكاح المتعة ص ٣٠٣.
[ ٥٢ ]
الصداق كاملًا في المؤبد أولى، فلابد أن تدُلَّ الآية على المؤبد، إما بطريق التخصيص، وإما بطريق العموم، يدل على ذلك أنه ذكر بعد هذا نكاح الإماء، فعُلم أن ما ذكر كان في نكاح الحرائر مطلقًا، فإن قيل قراءة طائفة من السلف: (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى) قيل:
أولًا: ليست هذه القراءة متواترة وغايتها أن تكون كأخبار الآحاد بل هي من القراءات الشاذة، ونحن لا ننكر أن المتعة أحلت في أول الإسلام، لكن الكلام في دلالة القرآن على ذلك.
ثانيًا: أن يقال: هذا الحرف إن كان نزل، فلا ريب، أنه ليس ثابتًا من القراءة المشهورة، فيكون منسوخًا، ويكون نزوله لمَّا كان المتعة مباحة، فلمَّا حُرَّمت نُسِخَ إلى أجل مسمى واجبٌ إذا كان مسمى، وإنما يكون ذلك إذا كان الاستمتاع إلى أجل مسمى حلالًا، وهذا كان في أول الإسلام، فليس في الآية ما يدل على أن الاستمتاع بها إلى أجل مسمى حلال، فإنه لم يقل: وأُحِلَ لكم أن تستمتعوا بهن إلى أجل مسمى، بل قال (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) فهذا يتناول ما وقع من الاستمتاع سواء كان حلالًا أو كما في وطء شبهة (^١).