ذهب إلى تحريم نكاح المتعة من جمهور الصحابة، لنهي النبي ﷺ عنه وتحريمه على التأبيد، ثم انعقد الإجماع زمن أمير المؤمنين عمر ﵁، حينما نهى عنه بعد أن نمى إليه نبأ تمتع بعض الرجال في أيامه، فذكّرهم من على منبر رسول الله ﷺ بحكم التحريم، فأقره الصحابة على ذلك (^١).
قال القاضي عياض واتفق العلماء على أن هذه المتعة كانت مباحًا إلى أجل لا ميراث فيها وفراقها يحصل بانقضاء الأجل من غير طلاق ووقع الإجماع بعد ذلك على تحريمها من جميع العلماء (^٢).
وقال القرطبي الروايات كلها متفقة على أن زمن إباحة المتعة لم يطل وأنَّه حَرُمَ ثم أجمع السلف والخلف على تحريمها إلا من لا يلتفت إليه، وجزم جماعة من الأئمة بتفرد ابن عباس بإباحتها فهي من المسألة المشهورة وهي ندرة المخالف، ولكن قال ابن عبد البر أصحاب ابن عباس من أهل مكة واليمن على إباحتها ثم اتفق فقهاء الأمصار على تحريمها (^٣).
وقال الجصاص: وقد دللنا على ثبوت الحظر بعد الإباحة من ظاهر الكتاب والسنة وإجماع السلف، قال أبو بكر: قد ذكرنا في المتعة وحكمها في التحريم ما فيه بلاغ لمن نصح نفسه ولا خلاف فيها بين الصدر الأول على ما بيَّنَا وقد اتفق فقهاء الأمصار مع ذلك على تحريمها ولا يختلفون فيه، واختلف الفقهاء فيمن تزوج امرأة أيامًا معلومة، فقال أبوحنيفة وأبو يوسف ومحمد ومالك بن أنس والثوري والأوزاعي والشافعي إذا تزوج امرأة عشرة أيام فهو باطل ولا نكاح بينهما (^٤).
وقال الشوكاني: ولا معنى لقول يخالف كتاب الله وسنة رسوله ﷺ،
_________________
(١) نكاح المتعة بين الإباحة والتحريم ص ١٩٧ للأستاذ الدكتور أحمد عوض أبو الشباب.
(٢) صحيح مسلم: شرح النووي (٩/ ١٨١).
(٣) فتح الباري (٩/ ١٧٣).
(٤) الجصاص لأحكام القرآن (٣/ ١٠٣).
[ ٤١ ]
وقال عياض: ثم وقع الإجماع من جميع العلماء على تحريمها (^١).
رابعًا: أدلة فقهاء السنة من المعقول:
يقول الحق ﵎ في كتابه الكريم: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١]
فإذا كان المقصود من الزواج الصحيح الدائم، تحقيق أكبر قدر من الأمن والاستقرار اللذين عبر عنهما الحق ﵎ في قوله (لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا) [الروم: ٢١] إلى غير ذلك من المقاصد النبيلة السامية للحفاظ على استمرارية النوع البشري على أسس وقواعد سليمة من أجل ذلك رتب الشرع الحنيف على النكاح الصحيح الدائم، مجموعة من اللوازم، من صحة الطلاق، والإرث، والعدة، ووجوب النفقة، وهي كلها في نكاح المتعة منتفية. وهي لا يحمل شيئا من خواص النكاح إلا التسمية المقيدة التي عرضت له من ناحية صورة العقد.
على أن المعنى الذي شرع من أجله النكاح لا يتحقق في نكاح المتعة، وقد طلب الشارع من عقد النكاح أن يكون عقدًا للألفة والمحبة والشركة في الحياة وأي ألفة وشركة تجيئ من عقد لا يقصد منه إلا قضاء الشهوة على سبيل التوقيت؟!
لقد أراد الشارع الحكيم من عقد النكاح أن يكون عقدًا لتحقيق تلك المقاصد التي أشرنا إليها، فأي أمٍ وأي سكن نفسي يأتي مع امرأة تؤجر جسدها لكل أحد وأي شركة تترتب عن مثل هذا العقد الذي أقيم بنيانه على شفا جرف هار.
وأي شركة وأي سكن نفسي وأي مودة تلك التي تترتب عن مثل هذا النكاح الذي ليس من ورائه مقصد إلا قضاء الوطر والشهوة، على شرط مرة واحدة أو ساعة أو ساعتين أو أشباه ذلك، وإذا فرغ حوَّل وجهه!!!.
أي شركة التي تترتب على نكاح المتعة، والمرأة تؤجر جسدها لقاء دريهمات وقد لا تحصل عليها إذا ما أخلت بشروط العقد، أليست متأجرة؟ وهل ثمة فرق بين هذا العقد وبين الزنا الذي يحدث بين الزناة بالتراضي على أساس العرض والإيجاب والقبول، وإن
_________________
(١) نيل الأوطار باب ما جاء في نكاح المتعة وبيان نسخه (٦/ ١٦٢).
[ ٤٢ ]
أخلت الفاجرة بشيء مما اتفقا عليه، فلم تلبي له رغباته حبس عنها بعض أجرها، لذلك مما سنّه أئمة الشيعة - بزعم الروايات الغير ثابتة- أن يحتاط الرجل على دراهمه حتى لا يتعرض للغش، أو الخديعة، كأن تخلفه في بعض ما اشترط عليها، أو يكتشف أنها متزوجة فأباحوا له أن يحبس عنها أجرها، احتياطًا فيقتطع منه بقدر ما أخلفته من وقت.
والزنى كيف يكون إذا لم يكن هذا النوع من النكاح زنا؟ أليس الزنا يقع بالتراضي بين الزانيين على قضاء الوطر؟ وله عقد نكاح المتعة إلا على هذا؟! وهل تقل المفاسد التي تترتب على الزنا عن المفاسد التي تترتب على نكاح المتعة؟!
وإذا أبيح نكاح المتعة ألا يكون ذلك مطية يركبها الناس ليتقوا بها باب الزوجية الصحيحة وما ينشأ عنها من التزامات؟ وإذا أبيح فكيف يعرف الناس أبناءهم؟! وإذا لم يعرفوهم فمن الذي ينفق على هذا الجيش الجرار الذي ينتجه نكاح المتعة؟! إن بيوت المال وخزائن الدولة، لتنوء بالإنفاق على هؤلاء، وهي إن فتحت أبوابها لهؤلاء فقد تعطلت مرافق الحياة الأخرى التي من أجلها تحبس الأموال في بيوت المال ولا يمكن أن نقول بأن الأولاد يلتحقون بالعاقدين إذ أن المفروض أن المرأة يجوز أن تقعد كل ساعة.
وإذا كانت المرأة المتمتع بها مصدقة في نفسها، ولا يجب على الرجل أن يسألها إذا كانت ذات بعل أم لا؟ وإذا اكتشف -فيما بعد- أنها متزوجة، فمما سنه علماء الشيعة، لذلك المخدوع، أن يعزف النظر عما أعطاها من الأجر، لقاء ما استحل من فرجها، وحبس عنها ما بقي عنده.
وإزاء هذه الفوضى الجنسية أين تصبح أنساب الناس؟! مع أن خلط الماءين في الرحم لا يجوز في شريعة من الشرائع إذ لا يلبث حينئذ نسب العلوق إلى أحد منهم، والحال أن فقط الأنساب مما به الامتياز بين الإنسان والحيوان، وإذا تأمل العاقل في أصل المتعة يجد فيها مفاسد مكنونة كلها تعارض الشرع (^١).
_________________
(١) المتعة بين الإباحة والتحريم ص ١٩٩.
[ ٤٣ ]
قلت: وكيف يمكن أن يقام حد الزنا مع وجود نكاح المتعة، فكل من وجد على امرأة يمكن أن يدعي أنه مستمتع بها لينجو من حد الزنا.
[ ٤٤ ]