إن من المعلوم أن الحديث الصحيح عند فقهاء السنة هو الحديث المسند الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه ولا يكون شاذًا ولا معللًا (^٢). أما الحديث الصحيح عند الشيعة الإمامية (^٣) هو ما اتصل سنده إلى المعصوم بنقل
_________________
(١) منهاج السنة (٤/ ١٨٧).
(٢) الباعث الحثيث في اختصار علوم الحديث لابن كثير ص ٢١
(٣) الشيعة الإمامية الإثني عشرية هي تلك الفرقة من المسلمين الذين زعموا أن عليًا هو الأحق في وراثة الخلافة، دون الشيخين وعثمان ﵃ أجمعين، وقد أطلق عليهم الإمامية لأنهم جعلوا من الإمامة القضية الأساسية التي تشغلهم وسُمّوا الإثني عشرية لأنهم قالوا باثني عشر إمامًا، دخل آخرهم السرداب باسمراء على حد زعمهم، كما أنهم القسم المقابل لأهل السنة والجماعة في فكرهم وآرائهم المتميزة، وهم يعملون لنشر مذهبهم ليعم العالم الإسلامي، ولهم أئمة يتسلسلون على النحو التالي:
(٤) علي بن أبي طالب ﵁ الذي يلقبونه بالمرتضى، رابع الخلفاء الراشدين وصهر رسول الله ﷺ، وقد مات غيلة حينما أقدم الخارجي عبد الرحمن بن ملجم على قتله في مسجد الكوفة في السابع عشر من رمضان سنة ٤٠ هـ.
(٥) الحسن بن علي ﵄ ويلقبونه بالمجتبى، (ت ٥٠ هـ)
(٦) الحسين بن علي ﵄ ويلقبونه بالشهيد (ت ٦١ هـ)
(٧) علي زين العابدين بن الحسن ويلقبونه بالسجاد (ت ٩٥ هـ)
(٨) محمد الباقر بن علي زيد العابدين ويلقبونه بالباقر (ت ١١٤ هـ)
(٩) جعفر الصادق بن محمد الباقر ويلقبونه بالصادق (ت ١٤٨ هـ)
(١٠) موسى الكاظم بن جعفر الصادق ويلقبونه بالكاظم (ت ١٨٣ هـ)
(١١) علي الرضى بن موسى الكاظم ويلقبونه بالرضى (ت ٢٠٣ هـ)
(١٢) محمد الجواد بن علي الرضى ويلقبونه بالتقي (ت ٢٢٠ هـ)
(١٣) علي الهادي بن محمد الجواد ويلقبونه بالنقي (ت ٢٥٤ هـ)
(١٤) الحسن العسكري بن علي عبد الهادي ويلقبونه بالزكي (ت ٢٦٠ هـ)
(١٥) محمد المهدي بن الحسن العسكري، يلقبونه بالحجة القائم المنتظر، يزعمون بأن الإمام الثاني عشر قد دخل سردابًا في دار أبيه بسر من رأى ولم يعد وقد اختلفوا في سنه وقت اختفائه فقيل أربع سنوات وقيل ثمان سنوات، غير أن معظم الباحثين يذهبون إلى أنه غير موجود أصلًا، وأنه من اختراعات الشيعة ويطلقون عليه لقب (المعدوم أو الموهوم). (الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة، تأليف: الندوة= =العالمية للشباب الإسلامي، إشراف وتحقيق ومراجعة الدكتور مانع بن حماد الجهني ١/ ٥١).
[ ٥٣ ]
العدل الضابط عن مثله في جميع الطبقات (^١). فهم لا يشترطون أن يتصل سند الإمام إلى النبي ﷺ، لأن قول الإمام المعصوم هو في ذاته حجة وهو منه، فلا يسأل عن أين أخذ هذا.
ونلاحظ أن دعوى هؤلاء الشيوخ بأن أئمتهم الشيعة الإمامية لا يقولون إلا من سنة رسول الله ﷺ، وأن العمدة عندهم هو كلام رسول الله ﷺ والصحيفة التي طولها سبعون ذراعًا توارثوها الأئمة عن علي ﵁، تتناقض تمامًا مع دعوى شيوخهم الآخرين - كشيخهم المظفر وغيره - بأن الأئمة عندهم ليسوا من قبيل الرواة عن النبي والمحدثين عنه، ليكون كلامهم حجة من حجة أنهم ثقات في الرواية؛ بل لأنهم هم المنصوبون من الله تعالى على لسان النبي لتبليغ
_________________
(١) معالم الدين وملاذ المجتهدين لحسن بن زين الدين العاملي ص ٢١٦
[ ٥٤ ]
الأحكام الواقعة، ولا يحكمون إلا عن الأحكام الواقعية عند الله تعالى كما هي، وذلك من طريق الإلهام، كالنبي من طريق الوحي، أو من طريق التلقي من المعصوم قبله، وعليه فليس بيانهم للأحكام من نوع رواية السنة وحكايتها، ولا من نوع الاجتهاد في الرأي والاستنباط من مصادر التشريع، بل هم أنفسهم مصدر للتشريع (^١).
ويقول شيخه الحر العاملي صاحب كتاب (وسائل الشيعة): بأن السبب في ذكر السند واتجاههم للعناية به هو مجرد التبرك باتصال سلسلة المخاطبية اللسانية، ورفع تعيير العامة - يعني أهل السنة - الشيعة بأن أحاديثهم غير مصنفة، بل منقولة من أصول قدمائهم (^٢).
وقال أيضًا بل يستلزم ضعف الأحاديث كلها عند التحقيق، لأن الصحيح عندهم: (ما رواه العدل، الإمامي، الضابط، في جميع الطبقات)، ولم ينصوا على عدالة أحد من الرواة إلا نادرا، وإنما نصوا على التوثيق، وهو لا يستلزم العدالة قطعًا (^٣).
ويقول السيد أبو طالب يحيى بن الحسين بن هارون العلوي الحسني (من أئمة الزيدية): إن كثيرا من أسانيد الاثنى عشرية مبنية على أساس لا مسمى لها من الرجال، قال: وقد عرفت من رواتهم المكثرين من كان يستحل وضع الأسانيد للأخبار المنقطعة إذا وقعت إليه، وحكى عن بعضهم أنه كان يجمع روايات برزجمهر، وينسبها للأئمة بأسانيد يضعفها، فقيل له في ذلك، فقال: الحق الحكمة بأهلها (^٤).
قلت: وهذا يفيدنا بأن أسانيد مصادر وكتب الشيعة الإمامية على وجه الخصوص (لأنهم هم الذين يجيزون نكاح المتعة خلافًا لما عليه الشيعة الزيدية (^٥) أو الشيعة
_________________
(١) توثيق السنة ص ١٧٤.
(٢) وسائل الشيعة: (٢٠/ ١٠٠).
(٣) وسائل الشيعة (آل البيت) (٣/ ٢٦٠).
(٤) توثيق السنة بين الشيعة الإمامية وأهل السنة، ص ١٧٨.
(٥) هم أتباع زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃، ساقوا الإمامة في أولاد فاطمة ﵂، ولم يجوزوا ثبوت الإمامة في غيرهم، إلا أنهم جوزوا أن يكون كل فاطمي= =عالم شجاع سخي خرج بالإمامة، أن يكون إمامًا واجب الطاعة. (الملل والنحل لأبي الفتح محمد الشهرستاني).
[ ٥٥ ]
الإسماعيلية (^١) فإنهم يحرمون نكاح المتعة هذا فيما وقفت عليه) أن رواياتهم كانت بلا زمام ولا خطام حتى شنع الناس عليهم بذلك فاتجهوا حينئذ لذكر الإسناد، فكان الأسانيد التي نراها في رواياتهم هي صنعت فيما بعد وركبت على نصوص وأخذت من أصول عقائدهم، ثم وصفت هذه الأسانيد لتوقي نقد أهل السنة وقوله - أي الحر العاملي - بأن أسانيد الشيعة غير مصنفة لا يستبعد أن يقوم من يتولى صناعة تلك الأسانيد بوضع أسماء ورجال لا مسمى لهم، ومما يؤكد هذا الكلام وأكون على يقين أن ليس للشيعة الإمامية حديثا واحدًا صحيحًا مسندًا إلا عن طريق أسانيد أهل السنة والجماعة، بدليل أنه لا يوجد عندهم كتاب واحد خصص لبيان الأحاديث الضعيفة والموضوعة.
وقد اعترف أحد علمائهم وهو أبو الحسن المفيد بن الحسن الشعراني - توفى مؤخرًا - بأن هناك كتبًا كثيرة عندهم هي موضوعة، حيث قال وهو يتحدث عن كتاب (سليم بن قيس)؛ والحق أن هذا الكتاب موضوع لغرض صحيح (^٢).
والخلاصة: أن نقول كل الأحاديث والروايات الشيعية التي تبيح نكاح المتعة لا يصح منها شيء لا دراية ولا رواية كما سيمرّ معنا أن هناك أحاديث وروايات حرمت نكاح المتعة من كتب الشيعة بل هي وافقت ما هو صحيح من أحاديث الكتب الستة، وأيضًا سنذكر نصوص علماء الشيعة الذين حرموا نكاح المتعة في المبحث القادم.
_________________
(١) نسبة إلى إسماعيل بن جعفر الصادق لزعمهم الانتساب إليه، لأن والده جعفر الصادق نص على إمامته من بعده، وأوصاى له بها رغم أن علماء النسب مجمعون على أن إسماعيل مات في حياة= =والده سنة ١٤٥ هـ، لكن الإسماعيليين يزعمون أن إسماعيل لم يمت في حياة والده. (فرق معاصرة تنسب إلى الإسلام وبيان موقف الإسلام منها للدكتور/ غالب بن علي عواجي ٢/ ٤٨٦)
(٢) توثيق السنة ص ١٧٦.
[ ٥٦ ]