يحتج الشيعة في استباحتهم للمتعة بفتوى ابن عباس ﵄، والجواب عنها:
أن الحجة إنما تكون في قول الله وقول رسوله ﷺ، وليس لأحد بعد قول الله وقول رسوله قول، يقول الله ﷿ ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٣] وقال رسول الله ﷺ: (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه) - يعني السنة- (^١) فالذي أنزل إلينا من ربنا الوحيان (القرآن والسنة) ومن ادعى غير ذلك فعليه بالدليل، ولا دليل! ولا ندعي العصمة في ابن عباس أو أحد غيره، فالعصمة لا تكون إلا لنبي ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤]
وقد أنكر بعض الصحابة - ﵃ - عليه منهم:
علي ﵁، أخرج مسلم في صحيحه عن الحسن وعبد الله ابني محمد بن علي عن أبيهما عن علي ﵁ أنه سمع ابن عباس يلين في متعة النساء، فقال: (مهلًا يا ابن عباس) (^٢) قال له علي: إنك امرؤ تائه - فإن رسول الله ﷺ نهى عنها يوم خيبر وعن لحوم الحمر الإنسية) [رواه الشيخان: البخاري ومسلم].
وابن عمر: فعن سالم بن عبد الله قال: أوتي عبد الله بن عمر فقيل له ابن عباس يأمر بنكاح المتعة فقال ابن عمر: سبحان الله! ما أظن أن ابن عباس يفعل هذا، قالوا: بلى إنه يأمر به، قال: وهل كان ابن عباس إلا غلامًا صغيرًا؟، إذ كان رسول الله ﷺ، ثم قال ابن عمر: (نهانا عنها رسول الله صلى الله عليه
_________________
(١) [رواه أحمد عن المقدام بن معد يكرب ﵁، انظر صحيح الجامع للألباني (١/ ٥١٦)]
(٢) مصنف عبد الرزاق الصنعاني (٧/ ٥٠١).
[ ٥٧ ]
وسلم وما كنا مسافحين) (^١).
ثم إن ابن عباس ﵄ لا يرى إباحة المتعة على إطلاقها كما يشيع الشيعة ذلك، يقول الشيخ الأهدل: والمشهور عن ابن عباس ترخيصه فيها للمضطر لا مطلقا، ومع هذا فلم يسلَّم له، فانتقده علي وابن عمر وابن الزبير وابن أبي عمرة وغيرهم ورجع عن هذا القول (^٢).
والدليل على أن ابن عباس إنما يرخص فيها للمضطر فقط هو الحديث الذي رواه الإمام البخاري عن أبي جمرة أنه قال: سمعت ابن عباس يسئل عن متعة النساء، فرخص، فقال له مولى له: إنما ذلك في حال الشديد وفي النساء قلة أو نحوه، فقال ابن عباس: نعم (^٣).
وللبيهقي من طريق الإسماعيلي: (إنما كان ذلك في الجهاد والنساء قليل، فقال ابن عباس: صدق) [السنن الكبرى للبيهقي (٧/ ٢٠٤)] والذي يؤيد أن المتعة كانت في حال الشديد والنساء قليل ما أخرجه الشيخان عن ابن مسعود ﵁ قال: (كنا نغزو مع رسول الله ﷺ ليس لنا نساء، فقلنا: ألا نختصي؟ فنهانا عن ذلك، ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل) (^٤).
قال الإمام الحازمي -﵀ -: (وأما ما يحكى عن ابن عباس، فإنه كان يتأول في إباحته للمضطرين إليه لطول العزبة وقلة اليسار والجده، ثم توقف عنه وأمسك عن الفتوى به) (^٥).
وقد حكى جمع من العلماء رجوع ابن عباس عن فتواه هذه قبل موته منهم: الإمام
_________________
(١) رواه الطبراني في الأوسط وصححه الألباني.
(٢) نكاح المتعة للأهدل (ص ٣٢٨)
(٣) رواه البخاري، باب نهي النبي ﷺ عن نكاح المتعة أخيرا، (ص ٩١٥ حديث ٥١١٦).
(٤) رواه الشيخان: البخاري (٩٠٨/ ٥٠٧٥) ومسلم (٥٨٧/ ٣٤١٠).
(٥) الاعتبار للحازمي (ص ١٧٩).
[ ٥٨ ]
النووي (^١)، (^٢).