اختلف العلماء هل يشرع القنوت في المساجد عند حلول الطاعون، فذهب الشافعية والحنفية لمشروعيته، خلافا لقول الحنابلة، والأظهر من أقوال أهل العلم جواز ذلك لأن القنوت للنوازل ثابت بالسنة النبوية، وهذ الأمراض الفتاكة تعد من أعظم
_________________
(١) انظر: بذل الماعون (٣١٦ - ٣١٨).
[ ٣٥ ]
النوازل، وقد علل المانعون بأن الطاعون رحمة والموت فيه شهادة، فلا يشرع الدعاء برفعه، وأن القنوت له لم ينقل عن الصحابة فعله، والجواب أن الدعاء برفعه لا يعارض فضله، كما في النهي عن تمني لقاء العدو وهو سبب للشهادة، وقد ثبت عن النبي -ﷺ- الاستعاذة من أمور ثبت فضل الموت بها وأنه شهادة كالطاعون ومن ذلك قوله -ﷺ-: «اللهم إني أعوذ بك من الهدم، وأعوذ بك من التردي، وأعوذ بك من الغرق والحرق، وأعوذ بك أن أموت لديغًا ..» (^١)، وسائر الأمراض والابتلاءات قد جعل الله فيها من الفضل والخير للمؤمن الشيء العظيم، ومع ذلك فالمشروع للعبد سؤال العفو والعافية في الدنيا والآخرة، كما أنه لا يباح الدعاء على أحد من المسلمين بالطاعون أو الغرق أو الهدم - بلا موجب - ولو كان في ضمنه الشهادة، وأما كونه لم ينقل عن الصحابة فعله، فعدم النقل ليس نقلًا للعدم.
وقد علل الشيخ ابن عثيمين -﵀- عدم مشروعية القنوت للطاعون، بأن ظاهر السنة أن القنوت إنما يشرع في النوازل التي تكون من غير الله مثل إيذاء الكفار للمسلمين، أما ما كان من فعل الله كالكسوف والزلازل والقحط والطاعون ونحوها فلا يقنت لها (^٢)، ويجاب عن هذا بأن تسليط الكفار على بلاد المسلمين إنما هو بأمر
_________________
(١) أبو داود (١٥٥٢)، والنسائي (٣١٩٤)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٢٨٢).
(٢) القول المفيد (١/ ٣٠١)
[ ٣٦ ]
الله وإرادته كذلك، ومثله تسليط الطاعون وغيره من الأوبئة والنوازل، بأمر الله وإرادته، فلا يظهر وجه التفريق بينهما، والله أعلم.
هذا مع ما ذكره المجيزون مما في الطاعون من مضار ومفاسد تجعل الدعاء برفعه مطلوبا كهلاك العلماء والأولياء والصالحين، وقد جاء في فتوى اللجنة الدائمة للإفتاء أن حلول الوباء من الأسباب التي يشرع لها القنوت (^١).