أخبروني أيها السادة، من منكم يستطيع أن يقترب من فم أحد المدخنين لمدة تزيد عن دقيقة؟ من منكم يطيق أن يدنوا من مدخن برائحة فمه المنتنة، التي سببتها ألوان التبغ الكثيرة فأصبح أسود الأسنان كريه العثنون، قبيح النفس –بفتح الفاء- صعود وهبوطا، كثير الشهيق والزفير كأنما حط من عبء كبير؟ كم من صف في الصلاة اضطرب حبله بسبب رائحة خبيثة انطلقت من فم مدخن فأصابت الجميع بالتقزز والاشمئزاز، وكانت سببا في إلحاق الأذى والضر بعباد الله دون ذنب جنوه إلا مجاورة هذه المدخنة المحترقة!!
روى الطبراني في الأوسط عن أنس ﵁ قال رسول الله ﷺ: "من آذى مسلما فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله" إسناده حسن وقد ورد في الصحيحين عن جابر ﵁ "إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الناس". ومعلوم أن الإسلام يرعى حرمة المجتمعات الإسلامية ويوصى بحسن التأدب لها وضرورة الالتزام الخلقي وعدم إلحاق الضرر بأهلها لاسيما تجمعات العبادة وأماكن الصلاة ما دام الدافع إلى ارتيادها طاعة الله والرغبة في الخير والثواب وإبراز وحدة المسلمين. وقد أخرج الشيخان في صحيحيهما عن جابر مرفوعا "من أكل ثوما أو بصلا فليعتزلنا، وليعتزل مسجدنا وليقعد في بيته".
ولا شك أن رائحة الثوم والبصل أخف وطأة من رائحة التدخين المنتنة –لأن رائحة الثوم والبصل مؤقتة وليست دائمة، فهي تزول بتطهير الفم منها، ثم هي رائحة طعامين مباحين من أطعمة الله، وفي السنن: أنه ﷺ "أمر آكل البصل والثوم أن يميتهما طبخا". وقد أهدى إليه صلوات الله عليه طعام فيه ثوم، فأرسل به إلى أبي أيوب الأنصاري، فقال: يا رسول الله، تكرهه وترسل به إلي؟ فقال: "إني
[ ٥٤ ]
أناجي من لا تناجي" ١ وقد ذكر ابن القيم من فوائد البصل أنه يقوي المعدة، ويهيج الباءة، ويزيد في المني ويقطع البلغم، ويجلو المعدة- كما ذكر من فوائد الثوم: أنه هاضم للطعام، قاطع للعطش، مطلق للبطن، مدر للبول، يقوم في لسع الهوام وجميع الأورام مقام الترياق٢. أما التدخين، فما فوائده ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ .!
فالأفضل لكل مدخن أن يراقب الله في نفسه وفي معاشريه، وليعلم علم اليقين أنه يسبب غاية النفور لمن حوله من المرافقين والجلاس بما يحمل من قبح الرائحة ونتن الأنفاس، وحتى وإن أخفوا عنه حقيقة شعورهم نحوه، خوفا منه أو تأدبا معه. ولكن: هل يقلب التأدب الحق باطلا؟ أو الكراهية حبا؟ والسؤال بعبارة أخرى أكثر صراحة هو.. هل يعلم المدخن المفرط في التدخين حقيقة شعور زوجته نحوه؟ هل استطاع أن يدرك أهي قادرة على تحمل رائحة فمه أو هي تغالب نفسها في ذلك، وهل استطاع أن ينظف فمه قبل نومه أو تركه ينفث الخبائث والنتن في أرجاء المكان من حوله؟
تدبر ذلك يا أخي ثم تأمل كيف كان الصادق المصدوق صلوات الله عليه يدعو ربه فيقول "اللهم كما حسنت خلْقي فحسن خلُقي" ويقول "اللهم جنبني منكرات الأخلاق، والأعمال، والأهواء، والأدواء". أخرجه الترمذي وصححه الحاكم واللفظ له. فصلوات الله وسلامه على من كان المثل الكامل للإنسانية الفاضلة.
_________________
(١) ١ الطب النبوي لابن القيم ص ٢٢٧ ط بيروت. ٢ المرجع نفسه ص ٢٢٣، ص ٢٢٧.
[ ٥٥ ]