١ - رشوة محرمة على الراشي والمرتشي، مثل أن يدفع مالًا للقاضي ليقضي له، أو يدفع مالًا ليتولى منصب القضاء.
٢ - رشوة محرمة على الآخذ دون المعطي، مثل أن يدفع أموالًا للحاكم أو السلطان ليرفع عنه ضرًّا أو يجلب له حقًّا هو له.
• أما القسم الأول: فلا خلاف بين أهل العلم على تحريمه وجعله من الكبائر.
قال السرخسي الحنفي: فأما من تعين لذلك كالقضاة والولاة، فعليه التحرز عن القبول بالهدية خصوصًا ممن كان لا يهدى إليه قبل ذلك؛ لأنه من جوالب القضاء، وهو نوع من الرشوة والسحت.
والأصل فيه ما روي أن النبي -ﷺ- استعمل ابن اللتبية على الصدقات فجاء بمال فقال: هذا لكم، وهذا مما أهدي إليَّ، فقال النبي -ﷺ- في خطبته: «ما بال قوم نستعملهم فيقدموا بمال، ويقولون هذا لكم، وهذا مما أهدي إليَّ فهل جلس أحدكم عند حمش أمه فينظر أيهدى إليه أم لا» (^١).
_________________
(١) صحيح: وقد تقدم ص (٢١ - ٢٢) ولكن دون لفظة «حمش أمه» ولعل المقصود بحمش أمه أي ساقاها.
[ ٣٥ ]
واستعمل عمر -﵁- أبا هريرة -﵁- فقدم بمال فقال: من أين لك هذا؟ قال: تناتجت الخيول، وتلاحقت الهدايا. فقال: أي عدو الله هلا قعدت في بيتك فنظرت أيهدى إليك أم لا؟ وأخذ ذلك منه، وجعله في بيت المال (^١).
_________________
(١) هذا الخبر صحيح: أخرجه القاسم بن سلام في كتابه «الأموال» (٥٧٢)، وابن زنجويه (٧٧٥) من طريق معاذ بن معاذ عن ابن عون عن ابن سيرين قال: لَمَّا قَدِمَ أَبُو هُرَيْرَةَ مِنَ الْبَحْرَيْنِ، قَالَ لَهُ عُمَرُ، يَا عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّ كِتَابِهِ، أَسَرَقْتَ مَالَ اللَّهِ؟ قَالَ: لَسْتُ بِعَدُوِّ اللَّهِ وَلَا عَدُوِّ كِتَابِهِ، وَلَكِنِّي عَدُوُّ مَنْ عَادَاهُمَا، وَلَمْ أَسْرِقْ مَالَ اللَّهِ. قَالَ: فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ اجْتَمَعَتْ لَكَ عَشَرَةُ آلَافٍ؟ قَالَ: خَيْلِي تَنَاسَلَتْ وَعَطَائِي تَلَاحَقَ وَسِهَامِي تَلَاحَقَتْ، فَقَبَضَهَا مِنْهُ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَلَمَّا صَلَّيْتُ الصُّبْحَ اسْتَغْفَرْتُ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. تنبيه: بعض أهل الأهواء يشككون في أبي هريرة بزعمهم أن عزل عمر له يثير الشك في أمانته، وهذا افتراء وبهتان، إنما أراد عمر -﵁- بحكمته وحسن تصرفه وثقته التامة في أمانة أبي هريرة أن يقطع الشك الذي ربما يتسرب إلى نفوس ضعيفة بسبب نماء ماله، فسأله هذا السؤال، ثم إنه لما أخذ الأموال فهو لما يعتقده بأن العامل لا يجوز له أن يأخذ من الهدايا. وليس أدل على أن عمر الفاروق كان واثقًا في أمانة أبي هريرة من أنه دعاه لولاية البحرين مرة أخرى كما عند أبي عبيد القاسم بن سلام (٥٧٣) من طريق يعقوب بن إسحاق عن يزيد بن إبراهيم التستري عن ابن سيرين، قال: قال أبو هريرة، ثم قال لي عمر بعد ذلك: ألا تعمل؟ قلت: لا. قال: قد عمل من هو خير منك يوسف. فقلت: يوسف نبي بن نبي بن نبي وأنا ابن أميمة، وأخشى ثلاثًا واثنتين. قال: فهلا قلت خمسًا؟ قال: أخشى أن أقول بغير علم، وأحكم بغير حلم، وأخشى أن يُضرب ظهري، ويُشتم عرضي، ويُنتزع مالي.
[ ٣٦ ]
فعرفنا أن قبول الهدية من الرشوة إذا كان بهذه الصفة، ومن جملة الأكل بالقضاء ومما يدخل به عليه التهمة، ويطمع فيه الناس، فليتحرز من ذلك إلا من ذي رحم، فقد كان التهادي بينهم قبل ذلك عادة، ولأنه من جوالب القرابة (^١).
قال المواق المالكي: لا ينبغي للقاضي أن يقبل الهدية من أحد ولا ممن كانت عادته بذلك قبل الولاية، ولا من قريب ولا من صديق ولا من غيرهم، وإن كافأ عليها بأضعافها، إلا مثل الوالد والولد وأشباههم من خاصة القرابة، التي تجمع من حرمة الخاصة ما هو أكثر من حرمة الهدية، قال ربيعة: إياك والهدية فإنها زريعة الرشوة (^٢).
قال الماوردي - الشافعي-: وأما هدايا دار الإسلام فتنقسم إلى ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يهدي إليه من يستعين به إما على حق يستوفيه، وإما على ظلم يدفعه عنه، وإما على باطل يعينه عليه، فهذه هي الرشوة المحرمة ثم قال: لأن الهدية إن كانت على حق يقوم به فهو من لوازم نظره، ولا يجوز لمن لزمه القيام بحق أن يستعجل عليه كما لا
_________________
(١) «المبسوط» للسرخسي (١٦/ ١٥٩).
(٢) «التاج والإكليل لمختصر خليل» (١١/ ٢٨).
[ ٣٧ ]
يجوز أن يستعجل على صلاته وصيامه، وإن كان على باطل يعين عليه، كان الاستعجال أعظم تحريمًا وأغلظ مأثمًا (^١).
قال المرداوي - الحنبلي-: قال أحمد فيمن ولى شيئًا من أمر السلطان: لا أحل له أن يقبل شيئًا يروى «هدايا الأمراء غلول» (^٢)
_________________
(١) «الحاوي الكبير» (١٦/ ٥٦٣).
(٢) لا يثبت: أخرجه البيهقي في «الكبرى» (١٠/ ١٣٨)، وأبو عوانة في «مستخرجه» (٨/ ١٨٣)، وفي «مسنده» (٧٠٧٣)، وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» (٦١٣٦)، من طريق إسماعيل بن عياش عن يحيى بن سعيد عن عروة عن أبي حميد الساعدي. وكما هو واضح أنه نفس مخرج حديث ابن اللتبية (الزهري عن عروة عن أبي حميد) إلا أنه كما قال البزار ﵀: هذا الحديث رواه إسماعيل بن عياش واختصر وأخطأ فيه، وإنما هو عن الزهري عن عروة عن أبي حميد أن النبي -ﷺ- بعث رجلًا على الصدقة. رُوي هذا الخبر أيضًا من طريق أبي هريرة، كما عند الطبراني في «معجمه الكبير» (١٩/ ٤٧٨) من طريق أحمد بن معاوية بن بكر الباهلي عن النضر بن شميل عن ابن عون عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة، قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن ابن عون إلا النضر، تفرد به أحمد بن معاوية. قلت: أحمد بن معاوية بن بكر الباهلي، قال عنه ابن عدي: حدث عن الثقات بالبواطيل وكان يسرق الحديث. ثم ذكر ابن عدي هذا الحديث «هدايا العمال» وقال: هذا الحديث بهذا الإسناد باطل. أيضًا روى هذا الخبر من طريق جابر كما عند الطبراني في «الأوسط» (٤٩٦٩) من طريق قيس بن الربيع عن ليث عن عطاء عن جابر، وقال: لم يرو هذا الحديث عن عطاء إلا ليث تفرد به قيس. قلت: قيس بن الربيع ضعَّفه يحيى بن معين، ولينه الإمام أحمد، وقال النسائي: ليس بثقة. وفي موضع آخر قال: متروك الحديث. وفي المقابل أثنى عليه آخرون، وقالوا: إن آفته بسبب ولده، كان يضع في حديثه ما ليس منه.
[ ٣٨ ]
والحاكم خاصة لا أحبه له إلا ممن كان له به خلطة ووصلة ومكافأة قبل أن يلي (^١).
• وأما القسم الثاني من أقسام الرشوة: فيجوزه العلماء للضرورة، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.