التعامل بالربا من الكبائر، ولا يخفى على أحد معنى الربا فالربا هو الزيادة في أشياء مخصوصة، مثاله: أن يبيع رجل إردبًّا من قمح جيد بأردبين من قمح رديء، أو أن تبادل امرأة مئة جرام ذهب جديد بمائتي جرام ذهب قديم، أو نحو ذلك، والربا يدخل في أكثر من هذا كما سيتضح.
ولقد حرم الله ﷾ الربا في أكثر من موطن في القرآن الكريم، بل وشدد في عقوبة فاعله قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٥].
فهذا تهديد من ربنا ﷾ لآكل الربا. وليس المقصود بأكل الربا مجرد الطعام فقط بل المقصود كل من أخذ الربا وقَبِله، سواء أكل
_________________
(١) الربا لغة: الزيادة، يقال: ربا الشيء يربو ربوًا أي زاد. انظر: «التعريفات» للجرجاني (١٤٦)، و«الصحاح» للجوهري (١/ ٢٤٠).
[ ١٢٧ ]
به أكلًا أم بنَى به بيتًا أم اكتسى به كساءً أم شرب به دواءً، كل هذا داخل في التهديد، وإنما عبر ﷾ عن كل هذا بالأكل؛ لأنه كل حال غالب من نزلت فيهم الآية.
قال الله تعالى في حقهم: ﴿لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، والمراد بقوله: ﴿لا يقومون﴾ أي: لا يقومون من قبورهم يوم القيامة، فهذا حال آخذ الربا يوم القيامة إذا قامت القيامة قام من قبره يتخبط يمنة ويسرى، حاله يشبه حال الممسوس تمامًا بتمام، ليكون هذا الوصف علامة ظاهرةً لآكلي الربا يوم القيامة ليعرفهم الناس، فيكون ذلك فضيحة لهم.
ثم بَيَّن ﷾ سبب وحشة قيامهم هذا، وقبح حالهم وسوء ما حل بهم فقال ﷾: ﴿ذَالِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، أي إن سبب ما حل بهم هو هذه الفلسفة الباطلة التي تعللوا بها، قولهم: ﴿البيع مثل الربا﴾ وهذا ما يتردد على ألسنة المرابين إلى اليوم، يقولون: هذه تجارات، هذه مكاسب، هذه أرباح!
سبحان من نبأنا بحالهم!!
ثم قال ربنا ﷾: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٥].
[ ١٢٨ ]
وقال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة: ٢٧٦].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٨، ٢٧٩].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٠].
وقال تعالى في شأن اليهود: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٦١].
وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم: ٣٩].
أيضًا وردت في سنة الحبيب محمد -ﷺ- جملة تحذيرات من الربا:
أخرج الإمام مسلم في «صحيحه» من حديث جابر بن عبد الله -﵁- قال: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- آكِلَ الرِّبَا، وَمُؤْكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيْهِ»، وَقَالَ: «هُمْ سَوَاءٌ» (^١).
_________________
(١) صحيح: أخرجه مسلم (٤١٧٧).
[ ١٢٩ ]
وأخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلَاتِ» (^١).
وفي الحديث الطويل الذي أخرجه البخاري من حديث سمرة بن جندب قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِمَّا يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ لِأَصْحَابِهِ: «هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ رُؤْيَا؟» قَالَ: فَيَقُصُّ عَلَيْهِ مَنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُصَّ، وَإِنَّهُ قَالَ ذَاتَ غَدَاةٍ: «إِنَّهُ أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ، وَإِنَّهُمَا ابْتَعَثَانِي، وَإِنَّهُمَا قَالَا لِي: انْطَلِقْ، وَإِنِّي انْطَلَقْتُ مَعَهُمَا، وَإِنَّا أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ، وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِصَخْرَةٍ، وَإِذَا هُوَ يَهْوِي بِالصَّخْرَةِ لِرَأْسِهِ فَيَثْلَغُ رَأْسَهُ، فَيَتَدَهْدَهُ الحَجَرُ هَا هُنَا، فَيَتْبَعُ الحَجَرَ فَيَأْخُذُهُ، فَلَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ حَتَّى يَصِحَّ رَأْسُهُ كَمَا كَانَ، ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ المَرَّةَ الأُولَى».
قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: سُبْحَانَ اللَّهِ مَا هَذَانِ؟ قَالَ: قَالَا لِي: انْطَلِقِ انْطَلِقْ قَالَ: فَانْطَلَقْنَا، فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُسْتَلْقٍ لِقَفَاهُ، وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِكَلُّوبٍ مِنْ حَدِيدٍ، وَإِذَا هُوَ يَأْتِي أَحَدَ شِقَّيْ وَجْهِهِ فَيُشَرْشِرُ شِدْقَهُ إِلَى
_________________
(١) متفق عليه: أخرجه البخاري (٢٧٦٦)، ومسلم (٢٧٢).
[ ١٣٠ ]
قَفَاهُ، وَمَنْخِرَهُ إِلَى قَفَاهُ، وَعَيْنَهُ إِلَى قَفَاهُ - قَالَ: وَرُبَّمَا قَالَ أَبُو رَجَاءٍ: فَيَشُقُّ - قَالَ: «ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إِلَى الجَانِبِ الآخَرِ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ بِالْجَانِبِ الأَوَّلِ، فَمَا يَفْرُغُ مِنْ ذَلِكَ الجَانِبِ حَتَّى يَصِحَّ ذَلِكَ الجَانِبُ كَمَا كَانَ، ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ مِثْلَ مَا فَعَلَ المَرَّةَ الأُولَى»:
قَالَ: قُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَا هَذَانِ؟ قَالَ: قَالَا لِي: انْطَلِقِ انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا، فَأَتَيْنَا عَلَى مِثْلِ التَّنُّورِ - قَالَ: فَأَحْسِبُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ - فَإِذَا فِيهِ لَغَطٌ وَأَصْوَاتٌ قَالَ: فَاطَّلَعْنَا فِيهِ، فَإِذَا فِيهِ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ، وَإِذَا هُمْ يَأْتِيهِمْ لَهَبٌ مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ، فَإِذَا أَتَاهُمْ ذَلِكَ اللَّهَبُ ضَوْضَوْا».
قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: مَا هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: قَالَا لِي: انْطَلِقِ انْطَلِقْ قَالَ: «فَانْطَلَقْنَا، فَأَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ - حَسِبْتُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ - أَحْمَرَ مِثْلِ الدَّمِ - وَإِذَا فِي النَّهَرِ رَجُلٌ سَابِحٌ يَسْبَحُ، وَإِذَا عَلَى شَطِّ النَّهَرِ رَجُلٌ قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ حِجَارَةً كَثِيرَةً، وَإِذَا ذَلِكَ السَّابِحُ يَسْبَحُ مَا يَسْبَحُ، ثُمَّ يَأْتِي ذَلِكَ الَّذِي قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ الحِجَارَةَ، فَيَفْغَرُ لَهُ فَاهُ فَيُلْقِمُهُ حَجَرًا فَيَنْطَلِقُ يَسْبَحُ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِ، كُلَّمَا رَجَعَ إِلَيْهِ فَغَرَ لَهُ فَاهُ فَأَلْقَمَهُ حَجَرًا».
وفي نهاية الحديث: «وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يَسْبَحُ فِي النَّهَرِ وَيُلْقَمُ الحَجَرَ، فَإِنَّهُ آكِلُ الرِّبَا» (^١).
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري في «صحيحه» (٦٦٤٠).
[ ١٣١ ]
قال رسول الله -ﷺ- في حجة الوداع: «وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ» (^١).
وعن عبد الله بن مسعود -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «مَا أَحَدٌ أَكْثَرَ مِنَ الرِّبَا إِلَّا كَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهِ إِلَى قِلَّةٍ» (^٢) (^٣).
_________________
(١) صحيح: أخرجه مسلم (٣٠٠٩).
(٢) صحيح: أخرجه ابن ماجه في «سننه» (٢٢٧٩)، وأحمد في «مسنده» (٣٧٥٤، ٤٠٢٦، ٥٠٤٢، ٥٣٤٨)، وأبو يعلى في «مسنده» (٥٣٤٩)، والحاكم في «مستدركه» (٢٢٦٢)، والطبراني في «معجمه الكبير» (٩/ ٢٥)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٥١٢٣).
(٣) لم أتعرض لذكر الأحاديث التي نصت على أن الربا أعظم من الزنا وذلك لضعفها، وقد وردت هذه الأخبار التي تحمل معنى واحدًا وهو تعظيم حرمة الربا عن فاحشة الزنا، من أكثر من طريق، وكل طرقها لا تخلو من ضعف شديد فقد جاءت من طريق أنس والبراء وعبد الله بن سلام وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وأبي هريرة وغيرهم، ولا تصلح هذه الطرق للجمع، ولا يقال: يحسن الخبر هنا بمجموع طرقه، فإن جميع طرق الحديث تدور على الوضاعين والمتروكين ومَن ضَعْفه شديد، أيضًا هنالك طرق معلة ومتن هذا الحديث مستنكر، قال ابن الجوزي في «الموضوعات» (٢/ ٢٤٨): واعلم أن مما يَرُد صحة هذا الأحاديث أن المعاصي إنما يُعلم مقاديرها بتأثيراتها، والزنا يُفسد الأنساب ويصرف الميراث إلى غير مستحقيه، ويؤثر من القبائح ما لا يؤثر أكل لقمة لا تتعدى ارتكاب نهي، فلا وجه لصحة هذا.
[ ١٣٢ ]