ومما ينبغي أن يعلمه القاصي والداني في هذا الزمان الذي اختلطت فيه المسميات وسميت به الأشياء بغير اسمها (^١) أن ثم فرقًا شاسعًا بين الهدية والرشوة:
• فالهدية: ما يعطيه الأخ لأخيه على سبيل المحبة وتأليف القلوب وتوطيد العلاقات من باب قول رسول الله -ﷺ-: «تهادوا تحابوا» (^٢).
_________________
(١) فقد أصبحت الرشوة هدية، وسمي الربا تشغيل أموال، وسميت المسكرات بغير اسمها، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
(٢) حسن: أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» (٥٩٤) من طريق عمرو بن خالد قال: حدثنا ضمام بن إسماعيل قال: سمعت موسى بن وردان عن أبي هريرة. وموسى بن وردان قال عنه أبو داود: ثقة. وقال أبو حاتم: ليس به بأس. وروى عن ابن معين فيه قولان: الأول: صالح، والثاني: ليس بالقوي. وقال عنه ابن حجر: صدوق، ربما أخطأ. وقد سئل عنه ابن حنبل، فقال: لا أعلم إلا خيرًا. أما ضمام بن إسماعيل فقد قال عنه ابن حنبل: صالح الحديث. وقال يحيى بن معين: لا بأس به. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: كان صدوقًا وكان متعبدًا، أما شيخ البخاري، فقد وثقه الدارقطني وابن حبان والعجلي. وقال أبو حاتم: صدوق. انظر «تهذيب التهذيب» [(١٠/ ٣٧٧)، (٤/ ٤٥٨)، (٨/ ٢٥)].
[ ٣١ ]
• وأما الرشوة: فهي إنما تكون لجلب مصلحة أو لنيل شفاعة، وهذا محرم في دين الله رب العالمين.
قال ابن القيم: والفرق بين الهدية والرشوة - وإن اشتبها في الصورة - القصد، فإن الراشي قصده بالرشوة التوصل إلى إبطال حق أو تحقيق باطل، فهذا الراشي الملعون على لسان رسول الله -ﷺ- فإن رشا لدفع الظلم عن نفسه اختص المرتشي وحده باللعنة.
وأما المهدي فقَصْده استجلاب المودة والمعرفة والإحسان، فإن قصد المكافأة فهو معاوض وإن قصد الربح فهو مستكثر (^١).
ويرحم الله أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز إذ قال: كانت الهدية في زمن رسول الله -ﷺ- هدية واليوم رشوة.
_________________
(١) «الروح» لابن القيم (٢٤١).
[ ٣٢ ]
وفي هذا الذي ذكرت عن ابن عبد العزيز قصة حكاها فرات بن سلمان قال: اشتهى عمر بن عبد العزيز التفاح، فبعث إلى بيته فلم يجدوا شيئًا يشترون له به، فركب وركبنا معه، فمر بِديْر فتلقاه غلمان للديرانيين معهم أطباق فيها تفاح، فوقف على طبق منها فتناول تفاحةً فشمها ثم أعادها إلى الطبق، ثم قال: ادخلوا ديركم، لا أعلمكم بعثتم إلى أحد من أصحابي بشيء.
قال: فحركت بغلتي فلحقته، فقلت يا أمير المؤمنين اشتهيت التفاح فلم يجدوه لك فأهديَ لك فرددته!! قال: لا حاجة لي فيه. فقلت: ألم يكن رسول الله -ﷺ- وأبو بكر وعمر يقبلون الهدية؟ قال: إنها لأولئك هدية، وهي للعمال بعدهم رشوة (^١).