عن عبد الله بن عمرو -﵁- قال: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي (^١).
_________________
(١) صحيح: رواه غير واحد من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف واختلف عليه فرواه عنه أبو داود (٣٥٨٢)، والترمذي (٣٣٧)، وابن ماجه (٢٣١٣)، وأحمد (٢/ ١٦٤، ١٩٠، ١٩٤، ١١٢)، وابن الجارود (١٥٨٦)، والحاكم (٧٠٦٦)، وابن حبان (٥٠٧٧)، والطيالسي (١٣٩٠)، والبيهقي في «الكبرى» (١٠/ ١٣٢)، وفي «معرفة السنن» (١٤/ ٢٤٣)، والطبراني في «الكبير» (١٤٠٠)، (١٤٣٥)، وفي «الأوسط» (١٥٨)، من طريق ابن أبي ذئب عن الحارث بن عبد الرحمن عنه عن عبد الله بن عمرو. ورواه عنه الترمذي (١٣٣٦)، وأحمد (٢/ ٣٨٧)، وابن حبان (٥٠٧٦)، والحاكم (٧٠٦٧)، وابن الجارود (٥٨٥) من طريق عمرو بن أبي سلمة عنه عن أبي هريرة. ورواه البزار (١٠٣٧) من طريق الحسن بن عثمان بن عبد الرحمن بن عوف، ولكن بلفظ: «الراشي والمرتشي في النار» وسيأتي الحكم عليه. ورواه أيضًا من غير طريق أبي سلمة ثوبان، كما عند البزار (٤١٦٠) من طريق الليث عن أبي زرعة عن أبي إدريس عن ثوبان، والحاكم (٧٠٦٨) من نفس الطريق السابق ولكن بإسقاط أبي إدريس، وأحمد (٥/ ٢٦٩)، بإسقاط أبي إدريس أيضًا لكن بزيادة أبي الخطاب بين الليث وأبي زرعة، وطريق ثوبان فيه زيادة كلمة «والرائش» وسيأتي الحكم عليها، كذلك روى هذا الخبر من طريق أم سلمة كما عند الطبراني في «الكبير» (١٩٣٨٧) من طريق قريبة بنت عبد الله بن وهب عن أبيها عن أم سلمة، وكذلك من طريق عائشة، كما عند البزار (٢٨٧)، وأبي يعلى (٤٩٤٧) من طريق إسحاق بن يحيى بن طلحة عن أبي بكر بن حزم عن عمرة عن عائشة، قال الترمذي: وقد روى هذا الحديث عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عمرو عن النبي -ﷺ-، وروى عن أبي سلمة عن أبيه عن النبي -ﷺ-، ولا يصح، قال: وسمعت عبد الله بن عبد الرحمن يقول: حديث أبي سلمة عن عبد الله بن عمرو عن النبي -ﷺ- أحسن شيء في هذا الباب وأصح. جملة «الراشي والمرتشي في النار» لا تثبت، فقد جاءت عن طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عبد الرحمن بن عوف، وهذا إسناد ضعيف، فأبو سلمة لم يسمع من أبيه، كذلك جاءت هذه الجملة عند الطبراني من طريق علي بن بحر، وقد تفرد بها عن سائر الرواة. زيادة كلمة «الرائش» لا تثبت، فقد رويت من طريق ثوبان الذي تقدم الإشارة إليه، والسند إلى ثوبان لا يثبت.
[ ٢٨ ]
واشتد غضب النبي -ﷺ- على رجلٍ استعمله فقال: «وهذا أُهدي لي» كما في الصحيحين من حديث أبي حميد الساعدي، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- اسْتَعْمَلَ عَامِلًا (^١)، فَجَاءَهُ العَامِلُ حِينَ فَرَغَ مِنْ عَمَلِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي. فَقَالَ لَهُ: «أَفَلَا قَعَدْتَ فِي بَيْتِ أَبِيكَ وَأُمِّكَ، فَنَظَرْتَ أَيُهْدَى لَكَ أَمْ لَا؟» ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَشِيَّةً بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَتَشَهَّدَ وَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، فَمَا بَالُ العَامِلِ نَسْتَعْمِلُهُ، فَيَأْتِينَا فَيَقُولُ:
_________________
(١) أفادت الروايات الأخرى أن هذا العامل رجلٌ من الأزد يقال له: ابن اللتبية.
[ ٢٩ ]
هَذَا مِنْ عَمَلِكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي، أَفَلَا قَعَدَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَنَظَرَ: هَلْ يُهْدَى لَهُ أَمْ لَا؟ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَغُلُّ أَحَدُكُمْ مِنْهَا شيئًا إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى عُنُقِهِ، إِنْ كَانَ بَعِيرًا جَاءَ بِهِ لَهُ رُغَاءٌ، وَإِنْ كَانَتْ بَقَرَةً جَاءَ بِهَا لَهَا خُوَارٌ، وَإِنْ كَانَتْ شَاةً جَاءَ بِهَا تَيْعَرُ، فَقَدْ بَلَّغْتُ» فَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ: ثُمَّ رَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَدَهُ، حَتَّى إِنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى عُفْرَةِ إِبْطَيْهِ (^١) (^٢).
وقد ذكر البخاري ﵀ هذا الحديث مبوبًا له بباب تحريم هدايا العمال.
وبوب له ابن خزيمة ﵀ بقوله: باب التغليظ في قبول المصدق الهدية ممن يتولى السعاية عليهم.
وبوب له البيهقي بقوله: الهدية للوالي بسبب الولاية.
وعلى هذا لا يجوز أبدًا لأي مسلم أن يتخذ الهدايا من الناس بسبب عمله ووظيفته؛ فهذا سحت، وليكن حاضرًا بباله دومًا قول رسول الله -ﷺ-: «فَهَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ بَيْتِ أُمِّهِ، فَيَنْظُرَ يُهْدَى لَهُ أَمْ لَا؟» (^٣).
_________________
(١) العفرة: بياض مشوب بالسمرة.
(٢) متفق عليه: أخرجه البخاري (٢٥٩٧، ٦٦٣٦، ٧١٧٤)، ومسلم (٤٨٤٣).
(٣) سبق تخريجه مع الحكم عليه.
[ ٣٠ ]
هذا القول من النبي -ﷺ- يرد على كل متأول ومتفلسف تأويله وفلسفته، أقصد هؤلاء الذين يقولون: إنما هي هدايا بسبب المعرفة والصداقة.
هذا؛ وليتق الله من حملوا أمانة المسؤولية، فلا يدخلوا بطونهم الحرام ورحم الله السلف الصالح إذ كانوا يتورعون عن هدايا الأمراء خشيةً منهم أن تكون قد اختلطت بما يقدم إلى الأمراء من الهدايا التي هي في نظرهم سحت.