سؤال مهم: هل يجري الاحتكار في جميع السلع أو في المطعومات فقط أو ماذا؟
اختلف في ذلك أهل العلم، ونتج عن اختلافهم هذا ثلاثة أقوال:
القول الأول: لا يكون الاحتكار إلا فيما يتخذ قوتًا، وبهذا القول قال أبو حنيفة ومحمد والشافعية والحنابلة ﵏ جميعًا.
القول الثاني: الاحتكار المحرم عامٌّ في كل ما يحتاجه الناس ويتضررون من حبسه، سواء كان قوتًا أم لباسًا أم غير ذلك، وبهذا
_________________
(١) صحيح: أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (١٤٨٨٣)، وأبو داود في «سننه» (٢٩٦٣)، والترمذي في «سننه» (١٨٢٣)، والنسائي في «الكبرى» (٩١٨٧)، وأبو عوانة في «مسنده» (٦٦٦٩)، كذا في «مستخرجه» (٥٣٤٦) من طريق الزهري عن مالك بن أوس بن الحدثان عن عمر بن الخطاب.
(٢) «المحلى» (٩/ ٦٤).
[ ١٢٠ ]
القول قال مالك وأبو يوسف من الحنفية رحمهما الله.
القول الثالث: لا احتكار إلا في القوت والثياب خاصة، وهذا أيضًا نُقل عن محمد بن الحسن ﵀.
• أقوال أهل العلم في المسألة:
قال ابن نجيم (الحنفي):
وتخصيص الاحتكار بالأقوات قول الإمام (^١) والثالث (^٢)، وقال أبو يوسف: كل ما يضر العامةَ فهو احتكار، بالأقوات كان أو ثيابًا أو دراهم أو دنانير اعتبارًا لحقيقة الضرر؛ لأنه هو المؤثر في الكراهة (^٣).
قال المرغياني (الحنفي):
وتخصيص الاحتكار بالأقوات كالحنطة والشعير والتبن والقت قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: كل ما أضر بالعامة حَبْسه فهو احتكار وإن كان ذهبًا أو فضة أو ثوبًا. وعن محمد أنه قال: لا احتكار في الثياب (^٤).
_________________
(١) يقصد الإمام أبا حنيفة ﵀.
(٢) ثالث رجل في المذهب وهو محمد بن الحسن ﵀.
(٣) «البحر الرائق شرح كنز الدقائق» (٨/ ٢٢٩).
(٤) «الهداية شرح البداية» (٤/ ٩٢).
[ ١٢١ ]
جاء في المدونة:
سمعت مالكًا يقول: الحكرة في كل شيء في السوق من الطعام والكتاب والزيت وجميع الأشياء والصوف وكل ما يضر بالسوق. قال: والسمن والعسل والعصفر وكل شيء (^١).
قال الشيرازي (الشافعي):
وأما غير الأقوات فيجوز احتكاره لما روى أبو أمامة -﵁- قال: نهى رسول الله -ﷺ- أن يحتكر الطعام (^٢) فدل على أن غيره يجوز ولأنه لا ضرر ولا ضرار (^٣).
قال عبد الكريم الرافعي (الشافعي):
وتحريم الاحتكار يختص بالأقوات ومنها التمر والزبيب، ولا يعم جميع الأطعمة (^٤).
_________________
(١) «المدونه» (٣/ ٣١٣).
(٢) ضعيف: أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٢٧٠٦٠)، والبيهقي في «الشعب» (١٠٦٩٩)، والحاكم في «مستدركه» (٢١٦٣)، والروياني في «مسنده» (١٢٠٩)، والطبراني في «مسند الشاميين» (٥٩٣) من طريق القاسم بن عبد الرحمن الشامي عن أبي أمامة والقاسم هذا متكلم في حديثه، ويُذكر عنه أن في حديثه غرائب وأعاجيب.
(٣) «المهذب» (١/ ٢٩٢).
(٤) «فتح العزيز شرح الوجيز» (٨/ ٢١٦).
[ ١٢٢ ]
قال الأثرم (^١) (صاحب الإمام أحمد):
سمعت أبا عبد الله يُسأل: عن أي شيء الاحتكار؟ قال: إذا كان من قوت الناس فهو الذي يُكره. وهذا قول عبد الله بن عمرو: وكان سعيد بن المسيب راوي حديث الاحتكار يحتكر الزيت (^٢).
• الراجح في هذه المسألة:
بعد أن عرضنا أقوال الفقهاء في مسألة ما يجري فيه الاحتكار نقول: الاحتكار محرم بشرطين:
١ - أن يكون المحتكر في غنى عنه.
٢ - أن يقع ضرر على المسلمين باحتكاره هذا.
أما عما يجري فيه الاحتكار فأقول: إذا توافر الشرطان السابقان في أي سلعة قوتًا كان أو غير قوت فيحرم الاحتكار، إذ أن الدليل في السُّنة عام «لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ»، والمخصص له بالطعام غير صحيح، ولأن العلة من عدم جواز الاحتكار هي الضرر، فمتى وقع الضرر مُنع الاحتكار أما في وقت الرخاء فلا بأس بتخزين السلع إذ أن هذا من عادات التجار، والله ﷾ أعلى وأعلم.
_________________
(١) أبو بكر الأثرم أحمد بن محمد بن هانئ (ت: ٢٧٣).
(٢) «المغني في فقه الإمام أحمد) (٤/ ٣٠٥).
[ ١٢٣ ]
• هل على من احتكر قوت المسلمين في وقت حاجتهم له لأجل أن يرفع ثمنه عليهم عقوبة دنيوية يجريها عليه الحاكم؟
ذهب الأئمة الفقهاء رحمهم الله تعالى إلى أنه إذا خُشي وقوع الأذى والضرر بالمسلمين، أمر الحاكمُ المحتكر أن يُخرج ما عنده إلى سوق المسلمين ليبيعه، فإن امتثل وإلا أجبر على ذلك وأخذ منه عنوة ويعطى قيمته أو مثله عند وجوده.
قال ابن نجيم الحنفي:
إذا امتنع المحتكر من بيع الطعام للإمام أن يبيعه عليهم، عنهم جميعًا على مسألة الحجر، وقيل: يبيع بالإجماع؛ لأنه اجتمع ضرر عامٌّ، وضرر خاص، فيقدم دفع الضرر العام، كما بينا في كتاب الحجر (^١).
قال الحصفكي الحنفي في الدر:
وفي السراج: لو خاف الإمام على أهل بلد الهلاك أخذ الطعام من المحتكرين وفرق عليهم، فإذا وجدوا سعة ردوا مثله، وهذا ليس بحجر بل للضرورة (^٢).
_________________
(١) «البحر الرائق شرح كنز الدقائق» (٨/ ٢٣٠).
(٢) «الدر المختار» (٦/ ٣٩٩).
[ ١٢٤ ]
قال الموصلي الحنفي:
وقد قال أصحابنا: إذا خاف الإمام على أهل مصر الضياع والهلاك، أخذ الطعام من المحتكرين وفرقه عليهم، فإذا وجدوا ردوا مثله (^١).
قال الحطاب المالكي:
إن نزلت حاجةٌ فادحةٌ أو أمر ضروري بالمسلمين فيجب على من كان عنده ذلك أن يبيعه بسعر وقته، فإن لم يفعل أُجبر على ذلك إحياءً للمُهَج، وإبقاءً للرمق، وأما إن كان اشتراه من الأسواق واحتكر وأضر بالمسلمين فيشترك فيه الناس بالسعر الذي اشتراه به (^٢).
قال الرملي (الشافعي):
وهل يكره إمساك ما فضل عن كفايته ومؤنة سنة؟
وجهان: أوجههما عدمها، نعم الأوْلى بيعه ما زاد عليها، ويُجبر من عنده زائد على ذلك على بيعه في زمن الضرورة (^٣).
_________________
(١) «الاختيار لتعليل المختار» (٤/ ١٧٢).
(٢) «مواهب الجليل شرح مختصر خليل» (٦/ ١٢).
(٣) «نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج» (١١/ ٤٩٥).
[ ١٢٥ ]
قال منصور بن يونس البهوتي (الحنبلي):
(ويجبر المحتكر على بيعه كما يبيع الناس) دفعًا للضرر، (فإن أبى أن يبيع ما احتكره) من الطعام (وخيف التلف) بحبسه عن الناس (فرقه الإمام) على المحتاجين إليه (ويردون مثله) عند زوال الحاجة (وكذا سلاح) احتاجوا إليه (^١).
_________________
(١) «كشاف القناع عن متن الإقناع» (٩/ ٢٤)، وما بين الأقواس لأبي النجا موسى الحجاوي صاحب الإقناع.
[ ١٢٦ ]