فأما صورة ما لا حياة له كالشجرة ونحو ذلك فلا يوجب الكراهة؛ لأن عبدة الصور لا يعبدون تمثال ما ليس بذي روح، فلا يحصل التشبه بهم، وكذا النهي إنما جاء عن تصوير ذي الروح (^١).
قال ابن رشد المالكي:
سُئل أصبغ عن اللعب المصورة يلعب بها النساء والجواري، أيحل لهن ذلك؟ قال: ما أرى بأسًا ما لم تكن تماثيل مصورة مخروطة، فلا يجوز؛ لأن هذا يبقى، ولو كانت فخارًا أو عيدانًا تنكسر وتبلى رجوت أن تكون خفيفة إن شاء الله، كمثل رقم الثياب بالصور لا بأس بها لأنها تبلى وتمتهن.
قلت: أليس قد ذكر عن عائشة أنها كانت تلعب بهن؟ فقال: نعم، أخبرني بذلك عبد الله بن موهب يرفعه عن عائشة زوج النبي -ﷺ-، قالت: كان يأتيني جوارِ يلاعبنني بالبنات، فإذا رأيت
_________________
(١) «بدائع الصنائع» (١/ ١١٦).
[ ١٠٢ ]
رسول الله -ﷺ- استحيين وتقنعن، فكان رسول الله -ﷺ- يخرج ويسيرهن إلي (^١)، فقلت: أتري بعملها بأسًا وببيعها بأسًا؟ قال: أما الذي أجزت لك منها فلا أرى ببيعها بأسًا.
قال: قوله: (ما أرى بأسًا لم تكن تماثيل مصورة مخروطة) معناه لا بأس بها إذا لم تكن صورًا مخروطة مجسدة على صورة الإنسان، وإنما كانت عظامًا أو عيدانًا غير مخروطة على صورة الإنسان، إلا أنه عمل بها شبه الوجوه بالتزويق، فجاز ذلك؛ لأنه أشبه بالرقم، هذا معنى أصبغ بدليل تشبيهه ذلك برقوم الثياب بالصور، إلا أنه علل ذلك بعلة فيها نظر، فقال: (لأنها تبقى) قال: (ولو كانت فخارًا أو عيدانًا تنكر وتبلى رجوت أن تكون خفيفة إن شاء الله كمثل رقوم الثياب بالصور لا بأس بها لأنها تبلى وتمتهن). والصواب: أن لا فرق في ذلك بين ما يبقى أو يبلى فلا يبقى مما هو تمثال مجسد له ظل قائم يشبه الحيوان الحي بكونه على هيئته، وإنما استخف الرقوم في الثياب من أجل أنها ليست بتماثيل مجسدة (^٢) لها ظل قائم يشبه الحيوان في أنها مجسدة
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري (٦١٣٠)، ومسلم (١٤٢٢).
(٢) يستدلون لهذا بالحديث الآتي: أخرجه البخاري (٥٩٥٨)، كذا مسلم (٢١٠٦) من حديث زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ، صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «إِنَّ المَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ الصُّورَةُ» قَالَ بُسْرٌ: ثُمَّ اشْتَكَى زَيْدٌ، فَعُدْنَاهُ، فَإِذَا عَلَى بَابِهِ سِتْرٌ فِيهِ صُورَةٌ، فَقُلْتُ لِعُبَيْدِ اللَّهِ، رَبِيبِ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ -ﷺ-: أَلَمْ يُخْبِرْنَا زَيْدٌ عَنِ الصُّوَرِ يَوْمَ الأَوَّلِ؟ فَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: أَلَمْ تَسْمَعْهُ حِينَ قَالَ: «إِلَّا رَقْمًا فِي ثَوْبٍ».
[ ١٠٣ ]
على هيئتها، وإنما هي رسوم لا أجساد لها، ولا يحيى في العادة ما كان على هيئتها، فالمحظور ما كان على هيئة ما يحيى ويكون له روح، بدليل قوله في الحديث: إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يَوْمَ القِيَامَةِ يُعَذَّبُونَ، فَيُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ (^١)، والمستخف ما كان بخلاف ذلك مما لا يحيى في العادة ما كان على هيئته، فالمستخف من هذه اللعب المصورة للعب الجواري بها، لما جاء من أن عائشة ﵂ كانت تلعب بها بعلم رسول الله -ﷺ-، فلا ينكر ذلك عليها، بل كان يسرب الجواري إليها، ما كان مشبهًا بالصورة، وليس بكامل التصوير، وكلما قل الشبه قوي الجواز، وكلما جاز اللعب به جاز عمله وبيعه على ما قال في الرواية (^٢).
قال النووي الشافعي ﵀ -:
ومن المنكرات فرش الحرير، وصور الحيوانات على السقوف والجدران، والثياب الملبوسة، والستور المعلقة والوسائد الكبار المنصوبة، ولا بأس بما على الأرض، والبساط الذي يداس، والمخاد
_________________
(١) صحيح: وقد تقدم.
(٢) «البيان والتحصيل» (١٨/ ٥٧٤).
[ ١٠٤ ]
التي يتكأ عليها وليكن في معناها الطبق والخوان والقصعة، ولا بأس بصور الأشجار والشمس والقمر، وفي وجه يكره صورة الشجر، ولو كانت صور الحيوانات مقطوعة الرؤوس فلا بأس بها على الصحيح، ومنعه المتولي.
وهل دخول البيت الذي فيه الصور الممنوعةُ حرام، أو مكروه؟ وجهان بالتحريم، قال الشيخ أبو محمد بالكراهة، قال صاحب التقريب والصيدلاني ورجحه الإمام الغزالي في الوسيط، ولو كانت الصورةُ في الممر دون موضع الجلوس، فلا بأس بالدخول والجلوس، ولا يترك إجابة الدعوة بهذا السبب، وكذا لا بأس بدخول الحمام الذي على بابه صور، كذا قال الأصحاب …
فرع: يحرم على المصور التصوير على الحيطان والسقوف، ولا يستحق أجرة، وفي نسج الثياب المصورة وجهان، جوزه أبو حامد لأنها قد لا تلبس، ورجح المنع الإمام الغزالي تمسكًا بالحديث: «لعن الله المصورين» (^١).
قلت (النووي): الصحيح التحريم، والحديث صحيح، والله أعلم (^٢).
_________________
(١) تقدم.
(٢) «روضة الطالبين» (٧/ ٣٣٦).
[ ١٠٥ ]
قال ابن قدامة الحنبلي:
وصنعة التصاوير محرمة على فاعلها، لما روى ابن عمر عن النبي -ﷺ- أنه قال: «إِنَّ الَّذِينَ يَصْنَعُونَ هَذِهِ الصُّوَرَ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، يُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ» (^١).
وعَنْ مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ مَسْرُوقٍ فِي بَيْتٍ فِيهِ تِمْثَالُ مَرْيَمَ، فَقَالَ مَسْرُوقٌ: هَذَا تِمْثَالُ كِسْرَى؟ فَقُلْتُ: لَا، وَلَكِنْ تِمْثَالُ مَرْيَمَ. فَقَالَ مَسْرُوقٌ: أَمَا إِنِّي سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ» (^٢).
متفق عليهما، والأمر بعمله محرم كعمله (^٣).
وقال أيضًا:
فإن قطع رأس الصورة ذهبت الكراهة، قال ابن عباس: الصورة الرأس (^٤)، فإذا قطع الرأس فليس بصورة، وحُكي ذلك عن عكرمة،
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري (٥٩٥١).
(٢) صحيح: بنحوه أخرجه مسلم (٢١٠٩)، وهو عند أحمد (٦/ ٢٣).
(٣) «المغني» (٧/ ٢٨٢).
(٤) صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٢٥٢٩٩)، والبيهقي في «الكبرى» (١٤٥٨٠).
[ ١٠٦ ]
وقد رُوي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: «أَتَانِي جِبْرِيلُ ﵇ فَقَالَ لِي: أَتَيْتُكَ الْبَارِحَةَ فَلَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَكُونَ دَخَلْتُ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ عَلَى الْبَابِ تَمَاثِيلُ، وَكَانَ فِي الْبَيْتِ قِرَامُ سِتْرٍ فِيهِ تَمَاثِيلُ، وَكَانَ فِي الْبَيْتِ كَلْبٌ، فَمُرْ بِرَأْسِ التِّمْثَالِ الَّذِي فِي الْبَيْتِ يُقْطَعُ، فَيَصِيرُ كَهَيْئَةِ الشَّجَرَةِ، وَمُرْ بِالسِّتْرِ فَلْيُقْطَعْ، فَلْيُجْعَلْ مِنْهُ وِسَادَتَيْنِ مَنْبُوذَتَيْنِ تُوطَآَنِ، وَمُرْ بِالْكَلْبِ فَلْيُخْرَجْ» فَفَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-» (^١)، وإن قطع منه ما لا يبقى الحيوان بعد ذهابه، كصدره أو بطنه أو جُعل له رأس منفصل عن بدنه، لم يدخل تحت النهي؛ لأن الصورة لا تبقى بعد ذهابه، فهو كقطع الرأس، وإن كان الذاهب يبقى الحيوان بعده، كالعين واليد والرجل، فهو صورة داخلةٌ تحت النهي، وكذلك إذا كان في ابتداء التصوير صورة بدن بلا رأس، أو رأس بلا بدن، أو جعل له رأس وسائر بدنه صورة غير حيوان، لم يدخل في النهي؛ لأن ذلك ليس بصورة حيوان (^٢).
الحاصل:
مما تقدم يتضح:
١ - أن صناعة التماثيل المجسدة لما فيه روح لا خلاف بين أهل العلم
_________________
(١) ورد هذا الخبر بألفاظ متعددة، وإن كان يصح أصله، وقد تقدم.
(٢) «المغني» (٧/ ٢٨٢).
[ ١٠٧ ]
في تحريمه (^١)، وعلى هذا فيحرم عمل هذا، وإن عُمل، فالأجرة على ذلك محرمة، يجب أن يتخلص منها.
٢ - الصور المجسدة التي لا روح فيها كالشجر ونحوه العلماء مختلفون في حكمه ولكل دليله، فالأمر واسع، وعلى هذا من رأى عدم الجواز سيحرم أخذ الأجرة عليه، ومن يرى الجواز، لا يرى في أخذ الأجرة مانعًا.
٣ - الصور التي فيها روح ولكنها غير مجسمة كالمرسومة على الفراش وغير ذلك، هذه أيضًا فيها خلاف، والحكم فيها كسابقتها.
٤ - أجاز بعض أهل العلم الصور الممتهنة التي تستخدم كلعب للأطفال.
٥ - أجاز بعض أهل العلم الصور الصغيرة المرقومة في الستر والثوب بدليل «إلا رَقمًا في ثوب».
وأخيرًا: على المرء أن يتحرى الدقة ويلزم الورع فالأمر دين، فإن استطاع أن يقاطع كل هذا الذي سبق فهو أدين وأفضل، وإن لم يستطع فليسأل العلماء وليتق الله ما استطاع.
_________________
(١) نقل ابن العربي من المالكية أن الصورة إذا كان لها ظل حُرم بالإجماع، سواء كان مما يمتهن أم لا، وهذا الإجماع محله في غير لعب البنات. انظر: «فتح الباري» (١٠/ ٣٨٨).
[ ١٠٨ ]