قال ابن دقيق العيد: حديث: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا ثم صوروا فيه تلك التصاوير، أولئك شرار الخلق عند الله» قال: فيه دليل على تحريم مثل هذا الفعل، وقد
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري (٥٩٥٣).
(٢) صحيح: أخرجه البخاري (٥٩٦٢).
(٣) صحيح: أخرجه مسلم (٢٢٨٧).
[ ٩٧ ]
تظاهرت دلائل الشريعة على المنع من التصوير والصور، ولقد أبعد غاية البعد من قال: إن ذلك محمول على الكراهة، وإن هذا التشديد كان في ذلك الزمان أقرب عهد الناس بعبادة الأوثان وهذا الزمان - حيث انتشر الإسلام وتمهدت قواعده - لا يساويه في هذا المعنى فلا يساويه في هذا التشديد - هذا أو معناه - وهذا القول عندنا باطل قطعًا؛ لأنه قد ورد في الأحاديث الإخبار عن أمر الآخرة بعذاب المصورين، وأنهم يقال لهم: «أحيوا ما خلقتم» وهذه علة مخالفة لما قاله هذا القائل، وقد صرح بذلك في قوله ﵇: «المشبهون بخلق الله»، وهذه علة عامة مستقلة مناسبة لا تخص زمانًا دون زمان، وليس لنا أن نصرف النصوص المتظاهرة المتضافرة بمعنى خيالي يمكن أن يكون هو المراد مع اقتضاء اللفظ التعليل بغيره وهو التشبه بخلق الله (^١).
قال الإمام النووي ﵀:
قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: تصوير صورة الحيوان حرام شديد التحريم وهو من الكبائر؛ لأنه متوعد عليه بهذا الوعيد الشديد المذكور في الأحاديث، وسواء صنعه بما يمتهن أو بغيره، فصنعته حرام بكل حال؛ لأن فيها مضاهاة لخلق الله تعالى، وسواء ما كان في ثوب أم بساط أم درهم أم دينار، أم فلس أم إناء أم حائط أم غيرها، وأما
_________________
(١) «إحكام الأحكام» (١/ ٣٧١).
[ ٩٨ ]
تصوير صورة الشجر ورحال الإبل وغير ذلك مما ليس فيه صورة حيوان فليس بحرام، هذا حكم نفس التصوير، وأما اتخاذ المصور فيه صورة حيوان فإن كان معلقًا على حائط أو ثوب ملبوس أو عمامة ونحو ذلك مما لا يعد ممتهنًا فهو حرام، وإن كان في بساط يداس ومخدة ووسادة ونحوها مما يمتهن فليس بحرام، ولكن هل يمنع من دخول ملائكة الرحمة ذلك البيت؟ فيه كلام نذكره قريبًا إن شاء الله، ولا فرق في هذا كله وبين ما له ظل وما لا ظل له.
قال: هذا تلخيص مذهبنا في المسألة وبمعناه قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم (^١).
قال بدر الدين العيني: