نعم ثبت أن ابن عباس تراجع عن قوله هذا وسيأتي ذكره.
عَنْ أَبِي هَاشِمٍ الْوَاسِطِيِّ، عَنْ زِيَادٍ قَالَ: «كُنْتُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ بِالطَّائِفِ فَرَجَعَ عَنِ الصَّرْفِ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِسَبْعِينَ يَوْمًا» (^١).
وعن أبي الجوزاء (^٢) قال: سَمِعْتُهُ يَأْمُرُ بِالصَّرْفِ - يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ- وَيُحَدَّثُ ذَلِكَ عَنْهُ، ثُمَّ بَلَغَنِي أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ، فَلَقِيتُهُ بِمَكَّةَ، فَقُلْتُ: إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكَ رَجَعْتَ. قَالَ: نَعَمْ، إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ رَأْيًا مِنِّي. وَهَذَا أَبُو سَعِيدٍ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- «أَنَّهُ نَهَى عَنِ الصَّرْفِ» (^٣).
وعن أبي نضرة قال: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ وَابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الصَّرْفِ، فَلَمْ يَرَيَا بِهِ بَأْسًا، فَإِنِّي لَقَاعِدٌ عِنْدَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فَسَأَلْتُهُ عَنِ الصَّرْفِ، فَقَالَ: مَا زَادَ فَهُوَ رِبًا.
_________________
(١) صحيح: أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (١٤٥٤٨).
(٢) أبو الجوزاء: أوس بن عبد الله الربعي البصري من ربيعة الأزد، روى عن عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو وعائشة وأبي هريرة ﵃.
(٣) صحيح: أخرجه أحمد في «مسنده» (٣/ ٤٨)، وابن ماجه في «سننه» (٢٢٥٨) من طريق سليمان بن علي الربعي.
[ ١٤٠ ]
فَأَنْكَرْتُ ذَلِكَ لِقَوْلِهِمَا، فَقَالَ: لَا أُحَدِّثُكَ إِلَّا مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-: جَاءَهُ صَاحِبُ نَخْلِهِ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ طَيِّبٍ، وَكَانَ تَمْرُ النَّبِيِّ -ﷺ- هَذَا اللَّوْنَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -ﷺ-: «أَنَّى لَكَ هَذَا؟» قَالَ: انْطَلَقْتُ بِصَاعَيْنِ فَاشْتَرَيْتُ بِهِ هَذَا الصَّاعَ، فَإِنَّ سِعْرَ هَذَا فِي السُّوقِ كَذَا، وَسِعْرَ هَذَا كَذَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «وَيْلَكَ، أَرْبَيْتَ، إِذَا أَرَدْتَ ذَلِكَ، فَبِعْ تَمْرَكَ بِسِلْعَةٍ، ثُمَّ اشْتَرِ بِسِلْعَتِكَ أَيَّ تَمْرٍ شِئْتَ»، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ أَحَقُّ أَنْ يَكُونَ رِبًا، أَمِ الْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ؟، قَالَ: فَأَتَيْتُ ابْنَ عُمَرَ بَعْدُ فَنَهَانِي، وَلَمْ آتِ ابْنَ عَبَّاسٍ. قَالَ: فَحَدَّثَنِي أَبُو الصَّهْبَاءِ، أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْهُ بِمَكَّةَ فَكَرِهَهُ (^١).
عن أبي الشعثاء جابر بن زيد قال: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: اللهُمَّ إِنِّي أَتُوبُ إِلَيْكَ مِنَ الصَّرْفِ، إِنَّمَا هَذَا مِنْ رَأْيِي وَهَذَا أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ يَرْوِيهِ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- (^٢).
حدثنا حيان بن عبيد الله العدوي، قال: سَأَلْتُ أَبَا مِجْلَزٍ عَنِ الصَّرْفِ، فَقَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَا يَرَى بِهِ بَأْسًا زَمَانًا مِنْ عُمْرِهِ، مَا كَانَ
_________________
(١) صحيح: أخرجه مسلم (٤١٧١).
(٢) صحيح: أخرجه الطبراني في «معجمه الكبير» (١/ ١٨٩)، و«الأوسط» (١٦٢٠)، والخطيب البغدادي في «الفقه والمتفقه» (٣٦٣)، والدولابي في «الكنى والأسماء» (٨٢٦)، وابن شاهين في «ناسخ الحديث ومنسوخه» (٤٩١)، وعزاه الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف للنسائي في الكنى.
[ ١٤١ ]
مِنْهُ عَيْنًا، يَعْنِي يَدًا بِيَدٍ، فَكَانَ يَقُولُ: إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ.
فَلَقِيَهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ فَقَالَ لَهُ: يَا بْنَ عَبَّاسٍ أَلَا تَتَّقِي اللّهَ؟ إِلَى مَتَى تُوَكِّلُ النَّاسَ الرِّبَا؟ أَمَا بَلَغَكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ وَهُوَ عِنْدَ زَوْجَتِهِ أُمِّ سَلَمَةَ: «إِنِّي لَأَشْتَهِي تَمْرَ عَجْوَةٍ» فَبَعَثَتْ صَاعَيْنِ مِنْ تَمْرٍ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَجَاءَ بَدَلَ صَاعَيْنِ صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ عَجْوَةٍ، فَقَامَتْ فَقَدَّمَتْهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَلَمَّا رَآهُ أَعْجَبَهُ، فَتَنَاوَلَ تَمْرَةً، ثُمَّ أَمْسَكَ، فَقَالَ: «مِنْ أَيْنَ لَكُمْ هَذَا؟» فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: بَعَثْتُ صَاعَيْنِ مِنْ تَمْرٍ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَأَتَانَا بَدَلَ صَاعَيْنِ هَذَا الصَّاعُ الْوَاحِدُ، وَهَا هُوَ كُلْ. فَأَلْقَى التَّمْرَةَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ: «رُدُّوهُ لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ، التَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، يَدًا بِيَدٍ، عَيْنًا بِعَيْنٍ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، فَمَنْ زَادَ فَهُوَ رِبًا» ثُمَّ قَالَ: «كَذَلِكَ مَا يُكَالُ وَيُوزَنُ أَيْضًا».
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: جَزَاكَ اللَّهُ يَا أَبَا سَعِيدٍ الْجَنَّةَ، فَإِنَّكَ ذَكَّرْتَنِي أَمْرًا كُنْتُ نَسِيتُهُ، أَسْتَغْفِرُ اللّه وَأَتُوبُ إِلَيْهِ. فَكَانَ يَنْهَى عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَشَدَّ النَّهْيِ (^١).
_________________
(١) ضعيف: أخرجه المروزي في «السنة» (١٧٧)، والحاكم في «مستدركه» (٢/ ٤٩)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٥/ ٢٨٦)، وحبان بن عبيد الله العدوي ذكره ابن عدي في الضعفاء، وقال: وعامة ما يرويه إفرادات ينفرد بها. وقال البخاري: ذكر الصلت منه الاختلاط، وقال الذهبي عنه في «المغني»: ليس بحجة وقال في تعليقه على المستدرك: فيه ضعف وليس بحجة. وقال البيهقي: تكلموا فيه. هذا وقد زعم ابن حزم ﵀ (المحلى ٨/ ١٢/ ٤) أن أبا مجلز لم يسمع من ابن عباس، وهذا مخالف للصواب فقد صرح البخاري في «التاريخ الكبير» (٢٩١٠) أن أبا مجلز سمع من ابن عباس وذكر هذا أيضًا الإمام مسلم في «الكنى والأسماء» (٣٣٦٢). وأبو مجلز هذا وثقه العلماء إلا أن ابن حجر قال عنه في تعريفه أهل التقديس (٢٧): أشار ابن أبي خيثمة عن ابن معين إلى أنه كان يدلس، وجزم بذلك الدارقطني.
[ ١٤٢ ]
هذا، وقد ورد أثر عن سعيد بن جبير أن ابن عباس لم يرجع عن قوله في الصرف، وهذا الأثر أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه»، قال: أخبرنا ابن عيينة عن فرات القزاز، قال: عُدْنَا سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ وَهُوَ مَرِيضٌ، فَلَمَّا أَرَدْنَا أَنْ نَخْرُجَ مِنْ عِنْدِهِ، قَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَيْسَرَةَ: أَرَجَعَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ الصَّرْفِ؟ فَقَالَ سَعِيدٌ: عَهْدِي بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسِتٍّ وَثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَمَا رَجَعَ عَنْهُ (^١).
وهذا الأثر الأخير يتعارض مع الأدلة المتقدمة والمُثِبْتة أن ابن عباس تراجع عن قوله. وقد يقال: هنا (إن القول المثبت يقدم على قول النافي)، وإن قيل: إن سعيدًا سمع هذا من ابن عباس قبل موته تعليل، فلعل هذا الفهم منه لقول ابن عباس كان عن مسألة خاصة، والله أعلى وأعلم.
_________________
(١) صحيح: أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (٨/ ١١٨)، والفاكهي في «أخبار مكة» (٣/ ٩٥).
[ ١٤٣ ]
• معنى قول النبي -ﷺ-: «لا ربا إلا في النسيئة» (^١):
أردت أن أذكر أقوال أهل العلم في تفسير هذا الحديث لئلا يتوهم متوهم أنه معارض لحديث أبي سعيد: «لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ، وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ، إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ» (^٢)، والأمر ليس كذلك فليس هناك تعارض وإليك أقوال أهل العلم:
قال ابن حجر: اتفق العلماء على صحة حديث أسامة - يقصد: حديث «لا ربا إلا في النسيئة - واختلفوا في الجمع بينه، وبين حديث أبي سعيد، فقيل: منسوخ. ولكن النسخ لا يثبت بالاحتمال، وقيل: المعنى في قوله: «لا ربا» التحريم المتوعد عليه بالعقاب الشديد، كما تقول العرب: (لا عالم في البلد إلا زيد) مع أن فيها علماء غيره، وإنما القصد نفي الأكمل لا نفي الأصل، وأيضًا فنفي تحريم ربا الفضل من حديث أسامة إنما هو بالمفهوم، فيقدم عليه حديث أبي سعيد لأن دلالته بالمنطوق، ويحمل حديث أسامة على الربا الأكبر، كما تقدم والله أعلم، وقال الطبري: معنى حديث أسامة لا ربا إلا في النسيئة، إذا
_________________
(١) متفق عليه: أخرجه البخاري (٢١٧٩)، ومسلم (٤١٧٢)، وورد بعده ألفاظ معناها واحدة فورد بلفظ: «الربا في النسيئة» كما عند مسلم، وبلفظ: «إنما الربا في النسيئة» كما عند مسلم أيضًا، وورد أيضًا بلفظ: «لا ربا فيما كان يدًا بيد» وهو كذلك عند مسلم (٤١٧٤).
(٢) متفق عليه: وقد تقدم.
[ ١٤٤ ]
اختلفت أنواع البيع والفضل فيه يدًا بيد ربا جمعًا بينه وبين حديث أبي سعيد (^١).
قال النووي: وأما حديث أسامة: «لا ربا إلا في النسيئة»، فقد قال قائلون بأنه منسوخ بهذه الأحاديث، وقد أجمع المسلمون على ترك العمل بظاهره وهذا يدل على نسخه.
وتأوله آخرون جملة تأويلات:
أحدها: أنه محمول على غير الربويات، وهو كبيع الدين بالدين مؤجلًا، بأن يكون له عنده ثوب موصوف فيبيعه بعبد موصوف مؤجلًا، فإن باعه به حالًا جاز.
الثاني: أنه محمول على الأجناس المختلفة، فإنه لا ربا فيها من حيث التفاضل بل يجوز تفاضلها يدًا بيد (^٢).
الثالث: أنه مجمل وحديث عبادة بن الصامت وأبي سعيد
_________________
(١) «فتح الباري» (٤/ ٣٨٢).
(٢) وهذا قول الشافعي فلقد قال ﵀: قد يحتمل أن يكون سمع رسول الله -ﷺ- يُسأل عن الربا في صنفين مختلفين ذهب بفضة، وتمر بحنطة، فقال: إنما الربا في النسيئة. فحفظه، فأدى قول النبي -ﷺ- ولم يؤد مسألة السائل، فكان ما أدى منه عند سمعه أن لا ربا إلا في النسيئة. «اختلاف الحديث» للشافعي (٥٣١).
[ ١٤٥ ]
الخدري وغيرهما مبين، فوجب العمل بالمبين وتنزيل المجمل عليه (^١)، وهذا جواب الشافعي (^٢).
قال ابن الجوزي: هذا الحديث محمول على أن أسامة سمع بعض الحديث، كأن رسول الله -ﷺ- سُئل عن بعض الأعيان الربوية ببعض كالثمر بالشعير والذهب بالفضة متفاضلًا، فقال: إنما الربا في النسيئة. وإنما حملناه على هذا لإجماع الأمة على خلافه، وإلى هذا المعنى ذهب أبو بكر الأثرم، وقد زعم قوم أنه منسوخ، وليس بشيء، قال أبو سليمان: النسخ إنما يقع في أمر قد كان في الشريعة، فأما إذا لم يكن مشروعًا. فلا يطلق عليه اسم نسخ. قال: وقد يغلط قوم فيقولون: شرب الخمر منسوخ. وهذا ما كان في شريعة قط فينسخ، وإنما كانوا يشربونها على عادتهم فحرمت (^٣).