المبحث الثاني: الإفادة من ماله في عقود التبرعات
وفيه مطالب:
المطلب الأول: قرض ماله
وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: ملك ذلك.
اختلف العلماء ﵏ في ملك الولي لقرض مال اليتيم على قولين:
القول الأول: أنه يجوز قرضه للمصلحة مطلقًا.
مثل: أن يخاف عليه الهلاك من نهب، أو غرق، أو غيرهما، أو يكون مما يتلف بتطاول مدته، أو حديثه خير من قديمه كالحنطة ونحوها، فيقرضه خوفًا من السوس، أو نقص قيمته، وأشباه هذا.
وهو قول جمهور أهل العلم١. واستثنى الحنفية، وبعض الشافعية القاضي: فله قرضه مطلقا.
وحجة هذا القول:
١- ما تقدم من الأدلة على عدم قربان مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن٢، وإقراضه عند المصلحة قربان له بالتي هي أحسن.
٢- ما ورد أن ابن عمر ﵄ “كان يستقرض مال اليتيم” ٣.
_________________
(١) ١ بدائع الصنائع ٥/١٥٣، وحاشية الطحطاوي ٤/٣٤٢، والفروق ٤/٣٩، والقوانين ص ٣٢٧، والمهذب مع تكملة المجموع الثانية ١٣/٣٥٣، والمحرر ١/٣٤٧، والفروع ٤/٣١٩. ٢ ينظر: ص (٢٩٠) . ٣ سبق تخريجه (ص: ٢٩٣) .
[ ٣١١ ]
قال الإمام أحمد: “إنما استقرض نظرًا لليتيم، واحتياطا له إن أصابه شيء غرمه”. ١
٣- أن لليتيم في إقراض ماله للمصلحة حظًا، فجاز كالتجارة به.
٤- أنه إذا لم يكن في إقراض ماله حظ لم يجز؛ لأنه تبرع بمال اليتيم فلم يجز كهبته٢.
واحتج من استثنى القاضي فله قرض ماله مطلقا:
١- أن إقراض القاضي من باب حفظ الدين، إذ الظاهر أن القاضي يختار أملى النّاس وأوثقهم، وله ولاية التّفحّص عن أحوالهم؛ فيختار مَن لا يتحقّق إفلاسه ظاهرًا وغالبًا٣.
٢- أن القاضي ينشغل عن مال اليتيم؛ لكثرة أشغاله، فيملك إقراضه ٤.
القول الثاني: عدم جواز قرض مال اليتيم مطلقًا.
وهو وجه عند الشافعية ٥، ورواية عن الإمام أحمد ٦.
وحجة هذا القول:
١- ما ورد عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: “لا تشتر شيئًا من ماله - أي اليتيم - ولا تستقرض شيئًا من ماله ٧.
ونوقش هذا الاستدلال: بأنه محمول على عدم المصلحة، كما أنه مخالف
_________________
(١) ١ المغني ٦/٣٤٤، والشرح الكبير مع الإنصاف ١٣/٣٧٨. ٢ المصدر السابق، وكشاف القناع ٤/٤٤٩. ٣ بدائع الصّنائع ٥/١٥٣. ٤ مغني المحتاج ٢/١٧٥. ٥ روضة الطالبين ٤/١٩١. ٦ الإنصاف مع الشرح الكبير ١٣/٣٧٨. ٧ سبق تخريجه (٢٩٣) .
[ ٣١٢ ]
لما ورد عن ابن عمر رضي الله عنهما١.
٢- أن القرض إزالة الملك من غير عوض للحال، وهو معنى قولهم: القرض تبرع، وهو لا يملك سائر التبرعات ٢.
ولعله يناقش: بعدم التسليم، فالقرض ليس تبرعًا من كل وجهٍ، بل يثبت بدله، وما فيه من شائبة التبرع مقرون بالمصلحة.
الترجيح:
يترجح - والله أعلم - جواز قرض مال اليتيم للمصلحة، لقوة دليله، والإجابة عن دليل المخالف.
المسألة الثانية: شرط القرض عند من أجازه.
الأول: شرط الرهن.
اختلف الفقهاء ﵏ في اشتراط الرهن لإقراض مال اليتيم على قولين:
القول الأول: أنه إن رأى الولي المصلحة في أخذ الرهن أخذه، وإن رأى المصلحة في تركه تركه.
وهذا مذهب الشافعية٣، وعند الحنابلة٤، عدم اشتراط الرهن، ولعل هذا فيما إذا كانت المصلحة في تركه، فإن كانت المصلحة في أخذه اشترط، إذ تصرفات الولي عند الحنابلة منوطة بالمصلحة.
وحجته:
١- ما تقدم من الأدلة على عدم قربان مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن٥.
_________________
(١) ١ سبق تخريجه (٢٩٢) . ٢ بدائع الصنائع ٥/١٥٣. ٣ المهذب مع تكملة المجموع الثانية ١٣/٣٥٤، وأسنى المطالب ٢/٢١٤. ٤ الإنصاف مع الشرح الكبير ١٣/ ٣٧٩ والمبدع ٤/٣٣٩. ٥ ينظر: ص (٢٩٠) .
[ ٣١٣ ]
وجه الدلالة: أن إقراض ماله للمصلحة قربان له بالتي هي أحسن وإن لم يكن رهن، إذ قد يمتنع أخذ الرهن.
٢- أن الظاهر أن من يستقرض مال اليتيم لمصلحة اليتيم لا يبذل رهنًا، فاشتراط الرهن يفوت هذا الحظ ١.
القول الثاني: اشتراط الرهن لإقراض مال اليتيم.
وهو وجه في مذهب الحنابلة ٢.
وحجته: الاحتياط لماله.
ونوقش: بأن الأحوط لماله إقراضه إذا كان فيه حظ له.
الترجيح:
يترجح - والله أعلم - القول الأول.
فرع: فإن أمكن أخذ الرهن، فهل يجب على الولي أخذه؟
لا شك أن الأولى أخذه احتياطًا؛ لكن إن ترك الولي أخذه ففي ضمانه عند الحنابلة احتمالان.
الاحتمال الأول: أنه لا يجب على الولي أخذ الرهن، فلا يضمن؛ لأن الظاهر السلامة.
الاحتمال الثاني: أنه يجب على الولي أخذ الرهن، فإن لم يفعل ضمن لتفريطه ٣.
الشرط الثاني: أن يكون المقترض مليئا ثقة.
_________________
(١) ١ المبدع ٤/٣٣٩. ٢ الشرح الكبير مع الإنصاف ١٣/٣٧٩. ٣ المغني ٦/٣٤٤، والمصدر السابق.
[ ٣١٤ ]
وهو قول جمهور أهل العلم ١.
وحجته:
١- أن غير الملئ لا يمكن أخذ البدل منه، فيؤدي ذلك إلى تأخر استرداد مال اليتيم ٢.
٢- أن غير الثقة قد يجحد مال اليتيم، أو يماطل في إيفائه ٣.
الشرط الثالث: أن يشهد على ذلك.
وهو مذهب الشافعية ٤.
ولعل مأخذه الاحتياط لمال اليتيم.
الشرط الرابع: أن لا يقرض ماله بقصد مصلحة الغير كنفعه، أو مكافأته ونحو ذلك، نص عليه الإمام أحمد ٥.
لأنه لاحظ لليتيم في ذلك ٦.
الشرط الخامس: أن لا يكون المقترض الولي، أو الحاكم.
وبه قال بعض الحنابلة ٧.
ولعل الأقرب: عدم الاشتراط، إذ القرض منوط بالمصلحة، وحينئذٍ لا تهمة للولي أو الحاكم.
_________________
(١) ١ بدائع الصنائع ٥/١٥٣، والمهذب مع تكملة الثانية ١٣/٣٥٤، والمبدع ٤/٣٣٩. ٢ المبدع ٤/٣٣٩. ٣ المهذب مع تكملة المجموع الثانية ١٣/٣٥٤.. ٤ تكملة المجموع الثانية ١٣/٣٥٤. ٥ تقدم ص (٣١٢) ٦ كشاف القناع ٣/٤٥٠. ٧ الإنصاف مع الشرح الكبير ١٣/٣٨١.
[ ٣١٥ ]