قال في اللسان: وأراد الشيء: أحبه، وعُنِيَ به.
وقال الجوهري وغيره: والإرادة (المشيئة) ١.
وقال الجرجاني: في تعريفاته - الإرادة: ميلٌ يعقبه اعتقاد النفع٢.
وقال الألوسي: "الإرادة في الأصل قوة مركبة من: شهوة، وخاطر، وأمل، وبين الإرادة والشهوة عموم من وجه، لأنّها قد تتعلق بنفسها، بخلاف الشهوة فإنها إنما تتعلق باللذّات، والإنسان قد يريد الدواء البشع، ولا يشتهيه. ويشتهي اللَّذيذ ولا يريده إذا علم فيه هلاكه، وقد يشتهي ويريد٣. وإن صحَّ أن نقسم الإرادة إلى أطوار، أو مراحل تسبق التنفيذ من الإنسان للفعل، صح أن نقول هي خمسة:
١- الهاجس: ويعبرون به عن الخاطر الأول، فإذا تحقق في النفس سمَّوه
_________________
(١) ١ الصحاح، واللسان: مادة (رود) . ٢ انظر كتابه التعريفات (ص٢٦) . ٣ انظر تفسيره روح المعاني (١/٢٠٨) .
[ ١٦٠ ]
إرادة، فإذا تردد الثالث سمّوه، هِمّةً. وفي الرابعة سمّوه عزمًا، وعند التوجه إلى القلب - إن كان خاطرَ فعلٍ - سمّوه قصدًا، ومع الشروع في الفعل سمّوه: نيَّة١.
٢- الخاطر: هو ما يَرِد على القلب من الخطاب، أو الوارد الذي لا عمل للعبد فيه٢.
٣- حديث النفس: ويسمى وسواسًا، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق/١٦] . أي: ما تحدثه به وهو ما يخطر بالبال، والوسوسة الصوت الخفي٣.
وفي الحديث: "إن الله تجاوز لأمتي عما وسوست - أو حدثت - به أنفسها، مالم تعمل به أو تكلَّم" ٤.
٤ - الهمُّ: بمعنى القصد والإرادة مطلقًا، أو بمعنى القصد الجازم والعقد الثابت٥. وفي الحديث القدسي: "إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بيَّن ذلك، فمن همّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة فإن هو همَّ بها فعملها كتبها الله له عنده عشر حسنات إلى سبع مائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومن همَّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو همّ بها فعملها كتبها الله له سيئة واحدة" ٦.
_________________
(١) ١ انظر تعريفات الجرجاني (٢٨٤) . ٢ المصدر السابق (١٠٧) ٣ انظر تفسير روح المعاني للألوسي (٢٦/١٧٨) . ٤ أخرجه البخاري في صحيحه من كتاب الأيمان والنذور باب إذا حنِثت ناسيًا في الأيمان، حديث رقم (٦٦٦٤)، ومسلم في كتاب الإيمان (٢٠١-٢٠٢) . ٥ انظر تفسير روح المعاني (١٢/٢١٣) . ٦ أخرجه البخاري في صحيحه من كتاب الرقاق باب من همّ بحسنة أو بسيئةٍ، حديث رقم (٦٤٩١) .
[ ١٦١ ]
قال ابن حجر: الهمُّ ترجيح قصد الفعل، تقول: هممت بكذا أي: قصدته بهمتي، وهو فوق مجرد خطور الشيء بالقلب.
قال: وقد وجدت عن الشافعي أن المؤاخذة إنما تقع لمن همّ على الشيء فشرع فيه، لا من همَّ به ولم يتصل به العمل.
قال: استثنى جماعة ممن ذهب إلى عدم مؤاخذة من وقع منه الهمُّ بالمعصية، ما يقع في الحرم المكي، ولو لم يصمم، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج/٢٥] .
أخرج الثوري في تفسيره١ عن السدي عن مرة عن ابن مسعود قال: "ما من رجل يَهمُّ بسيئة فتكتب عليه، إلاّ أن رجلًا لو همَّ بِعَدَنِ أَبْيَنَ٢ أن يقتل رجلًا بالبيت الحرام إلًاّ أذاقه الله من عذاب أليم" ٣.
ويؤكد ذلك أن الحرم يجب إعتقاد تعظيمه، فمن همَّ بالمعصية فيه خالف
_________________
(١) ١ رواية الثوري في تفسيره: من همَّ بخطيئة ولم يعملها لم تكتب عليه حتى يعملها، ولو أن رجلًا همَّ - وهو يقدر - أن يقتل رجلًا عند البيت لأذاقه الله عذابًا أليمًا، انظر تفسيره ص١٦٨. (أبين) موضع في جبل عدن، نسبت إليه مدينة (عدن) لشهرته (انظر معجم المعالم الجغرافية في السيرةالنبوية، لعاتق بن غيث البلادي، ص١٤، وص٢..) . ٣ قال ابن حجر في الفتح (١٢/٢١٠): إسناده صحيح، وقال: وقد ذكر شعبة أن السدي رفعه لهم، وكان شعبة يرويه عنه موقوفًا، وأخرجه أحمد (١/٤٢٨) عن يزيد بن هارون عن شعبة عن السدي عن مرة عند عبد الله، قال الحاكم في المستدرك (٢/٣٨٨): هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وأخرجه الطبري (١٧/٩٥) في تفسيره من طريق أسباط بن نصر عن السدي موقوفًا، والحاكم في المستدرك (٢/٣٨٧) عن الثوري عن زبيد عن مرة عن عبد الله بن مسعود، وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة، قال: "ما من عبدٍ يهمُّ بذنب فيؤاخذه الله بشيء حتى يعمله، إلاّ من همَّ بالبيت العتيق شرًا، فإنه من همّ به شراَ عجل الله له، (انظر الدر المنثور للسيوطي ٦/٢٩) وانظر علل الدارقطني (٥/٢٦٩) .
[ ١٦٢ ]
الواجب بانتهاك حرمته، وتعقب هذا المبحث بأن تعظيم الله آكد من تعظيم الحرم، ومع ذلك من همَّ بمعصيته لا يؤاخذه، فكيف يؤاخذ بما دونه؟!
ويمكن أن يجاب عن هذا بأن إنتهاك حرمة الحرم بالمعصية تستلزم إنتهاك حرمة الله، لأن تعظيم الحرم من تعظيم الله، فصارت المعصية في الحرم أشد من المعصية في غيره، وإن اشترك الجميع في ترك تعظيم الله تعالى.
نعم، من همَّ بالمعصية قاصدًا الإستخفاف بالحرم عصى، ومن همَّ بمعصية الله قاصدًا الإستخفاف بالله كفر، وإنما المعفو عنه، من همَّ بمعصية ذاهلًا عن قصد الإستخفاف١.
٥ - العزم: أو العزيمة، في اللغة: عبارة عن الإرادة المؤكدة.
قال القرطبي عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ وَلا يَسْتَثْنُونَ﴾ [القلم/١٧-١٨]، في هذه الآية دليل على أن العزم مما يؤاخذ به الإنسان، لأنهم عزموا على أن يفعلوا فعوقبوا قبل فعلهم٢.
وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار"، قيل: يا رسول الله هذا القاتل، فما بال المقتول؟!، قال: "إنَّه كان حريصًا على قتل صاحبه" ٣، فعلل بالحرص.
روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، قال: لمّا نزلت على رسول الله ﷺ: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
_________________
(١) ١ انظر كتابه فتح الباري (١١/٣٢٨) . ٢ انظر تفسيره (٢٨/٢٤١) . ٣ أخرجه البخاري في صحيحه في الإيمان باب: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا ﴾ حديث رقم (٣١)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفتن، باب إذا تواجه المسلمان بسيفيهما (١٤/٢٨٨٨) .
[ ١٦٣ ]
قال: فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ، فأتوا رسول الله ثم بركوا على الركب فقالوا: أي رسول الله، كلفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة، والصيام، والجهاد، والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها، قال رسول الله: "أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا، وعصينا؟، بل قولوا: سمعنا، وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير".
قالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير.
فلمّا اقترأها القوم ذلَّت بها ألسنتهم، فأنزل الله في أثرها: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ .
فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى، فأنزل ﷿: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ ١.
قال ابن حجر: المراد بالمحاسبة: ما يخفي الإنسان مما يصمّم عليه، ويشرع فيه، دون ما يخطر له، ولا يستمر عليه٢.
قال الألوسي: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ﴾ أي: يجازيكم به يوم القيامة، وأما تصور المعاصي، والأخلاق الذميمة فهو لعدم إيجابه اتصاف النفس به، لا يعاقبه عليه ما لم يوجد في الأعيان، وإلى هذا الإشارة بقوله ﷺ: "إن الله تجاوز عن أمتي ما حدّثت به أنفسها ما لم تعمل أو تكلم"، أي: إن الله لا يعاقب أمتي على تصور المعصية، وإنما يعاقب على عملها، وقيل:
_________________
(١) ١ انظر صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب تجاوز الله عن حديث النفس والخواطر بالقلب إذا لم تستقر، وانظر شرح النووي عليه (٢/١٤٤) . ٢ انظر كتابه فتح الباري (٨/٢٠٦ - ٢٠٧) .
[ ١٦٤ ]
إذا وصل التصور إلى حدّ التصميم والعزم، يؤاخذ به، لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة/٢٢٥] .
لأنا نقول: المؤاخذة بالحقيقة على التصميم والعزم على إيقاع المعصية في الأعيان، وهي أيضًا من الكيفيات النفسانية التي تلحق بالملكات، ولا كذلك سائر ما يحدث في النفس١.
قال ابن حجر:
المؤاخذة على أعمال القلوب المستقلة بالمعصية لا تستلزم المؤاخذة على عمل القلب بقصد معصية الجارحة إذا لم يعمل المقصود.
وقسَّم بعضهم ما يقع في النفس أقسامًا:
أضعفها أن يخطر له، ثم يذهب في الحال، وهذا من الوسوسة وهو معفوٌّ عنه، وهو دون التردد.
وفوقه أن يتردد فيهمُّ به، ثم ينفر عنه، فيتركه، ثم يهمُّ به ثم يتركه، ولايستمر على قصده، وهذا هو التردد فيعفى عنه، وفوقه، أن يميل إليه، ولاينفر منه، بل يُصمم على فعله، فهذا هو العزم، وهو منتهى الهمُّ وينقسم إلى قسمين: أن يكون من أعمال القلوب صرفًا، كالشك في الوحدانية، أو النبوة، أو البعث، فهذا كفر، ويعاقب عليه جزمًا.
ودونه المعصية التي لا تصل إلى الكفر، كمن يحب ما يبغض الله، ويبغض ما يحبه الله، ويحب للمسلم الأذى بغير موجب لذلك، فهذا إثم.
أن يكون من أعمال الجوارح، كالزنا، والسرقة، فهو الذي وقع فيه النزاع، فقيل: لا يؤاخذ بذلك أصلًا.
_________________
(١) ١ انظر تفسيره روح المعاني (٣/٦٤) .
[ ١٦٥ ]
أخرج مسلم عن طريق همّام عن أبي هريرة رفعه: "قالت الملائكة: رب ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة - وهو أبصر به - فقال: ارقبوه فإن عملها فاكتبوها"١.
وعند تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران/١٣٥] .
قال القرطبي قوله: " (ولم يصروا) قال القاضي أبو بكر بن الطيب: إن الإنسان يؤاخذ بما وَطَّنَ عليه بضميره، وعزم عليه بقلبه من المعصية، قال: وهذا الذي صار إليه القاضي هو الذي عليه عامة السلف، وأهل العلم من الفقهاء، والمحدِّثين، والمتكلِّمين.
ولا يلتفت إلى خلاف من زعم أن ما يهمُّ الإنسان به، وإن وطَّن عليه لايؤاخذ، ولاحجة له في قوله ﷺ: "من همَّ بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه، فإن عملها كتبت سيئة واحدة"، أي: أظهرها، أو عزم عليها٢.
وقيل: من فعل المعصية، ولم يتب منها ثم همَّ أن يعود إليها فإنه يعاقب على الإصرار، جزم به ابن المبارك، وغيره.
ويؤيده أن الإصرار معصية إتفاقًا، فمن عزم على المعصية وصمم عليها كتبت عليه سيئة، فإذا فعلها كتبت عليه معصية ثانية٣.
_________________
(١) ١ انظر صحيحه كتاب الإيمان، باب: إذا همَّ العبد بحسنة (٢٠٣ـ١٢٨)، وانظر فتح الباري لابن حجر، (١١/٣٢٧) . ٢ تفسير القرطبي (٤/٢١٥) . ٣ انظر فتح الباري، لابن حجر (١١/٣٢٧) .
[ ١٦٦ ]
قال في التعريفات:
الإصرار: الإقامة على الذنب، والعزم على فعل مثله١.
_________________
(١) ١ كتاب الجرجاني (ص٣٧) .
[ ١٦٧ ]