(الظلم) لغة: وضع الشيء في غير محله.
وشرعًا: عبارة عن التعدي عن الحق إلى الباطل.
وهو الجور، وقيل: هو التصرف في ملك الغير، ومجاوزة الحدِّ١.
قال ابن العربي: (الظلم) في الحقيقة، لغة، وشرعًا: وضع الشيء في غير موضعه، وذلك يكون بالذنوب المطلقة بين العبد ونفسه، وبالذنوب المتعدِّية إلى الخلق، وهو أعظم.
والجنايات تعظم على قدر عظم الزمان، كالأشهر الحرم، وعلى قدر عظم المكان، كالبلد الحرام.
فتكون المعصية معصيتين:
إحداهما: بنفس المخالفة.
والثانية: باسقاط حرمة الشهر الحرام، والبلد الحرام٢.
قال في اللسان: ومن أمثال العرب في الشَبَهِ: من أَشْبه أباه فما ظلم، قال الأصمعي: ما ظلم، أي: ما وضع الشبه في غير موضعه.
قال: وأصل الظلم: الجوْر، ومجاوزة الحدِّ٣.
_________________
(١) ١ انظر تعريفات الجرجاني (ص١٦٤) . ٢ انظر كتابه أحكام القرآن (٣/١٢٧٦) . ٣ اللسان، مادة / ظ / ل / م.
[ ١٧١ ]
روى البخاري في صحيحه عن عبد الله، لما نزلت هذه الآية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام/٨٢]، شقَّ ذلك على أصحاب النبي ﷺ، وقالوا: أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟.
فقال رسول الله ﷺ: "إنه ليس بذلك ألا تسمعون إلى قول لقمان: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ .
قال ابن حجر: وجه الدلالة منه أن الصحابة فهموا من قوله (بظلم) عموم أنواع المعاصي، ولم ينكر عليهم النبي ﷺ ذلك، وإنما بيَّن لهم أن المراد أعظم أنواع الظلم وهو الشرك. فدلّ على أن الظلم مراتب متفاوتة.
قال: قوله: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا﴾ أي: لم يخلطوا، وقال محمد بن اسماعيل التيمي في شرحه: خلطُ الإيمان بالشرك لا يُتصور، فالمراد أنهم لم تحصل لهم الصفتان، كفر متأخر عن إيمان متقدم، أي: لم يرتدوا.
ويحتمل أن يراد أنهم لم يجمعوا بينهما ظاهرًا وباطنًا، أي: لم ينافقوا١.
وقول الله تعالى فيما يتعلق بالمسجد الحرام: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ .
قال ابن العربي: المعنى: ومن يَهمُّ فيه (بميل) يكون ذلك (الميل) ظلمًا، لأن الإلحاد هو الميل في اللغة، إلاّ أنه قد صار في عُرف الشريعة ميلًا مذمومًا، فرفع الله الإشكال وبيَّن أن الميل بالظلم هو المراد هنا٢.
_________________
(١) ١ أنظركتابه فتح الباري (١/٨٧ / ٨٨) . ٢ انظر كتابه أحكام القرآن (٣/١٢٧٦) .
[ ١٧٢ ]
وقال ابن كثير: ضمَّن الفعل ههنا معنى (يَهِمُّ) ولهذا عدّاه (بالباء) فقال: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ أي: يَهِمُّ فيه بأمر فظيع من المعاصي الكبار، وقوله: ﴿بِظُلْمٍ﴾ أي: عامدًا، قاصدًا أنه ظلمٌ، ليس بمُتأولٍ١.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ﴾ الإرادة هنا إرادة تصميم، وإصرار من المريد على ما أراد فعله في المسجد الحرام من أنواع المعاصي والذنوب، وما كان سوى ذلك فهو حديث نفس وخواطر لا يتعلق عليها حكمٌ، وهي مما وضعه الله تعالى عن عباده، قال ﷺ: "إن الله تجاوز عن أمتي ما حدَّثت بها أنفسها ما لم تَعْمل أو تتكلم به" ٢.
ألا ترى أن من أكره على الكفر، فكفر، لا يكفر لأن قلبه مطمئن بالإيمان، وقد اختصَّ الباري جل وعلا بعلم ما تُخفي الصدور، وربط كل عمل للعباد بما علمه عنهم من نوايا حسنة، أو سيئة.
والنية تصحح القول والعمل، ما كان خالصًا لله، وما كان رياءً وسمعة، والثواب والعقاب يُقوَّمَانِ على هذه القاعدة الحكيمة، فلا يُظلم أحد مثقال ذرة، ولا دخل للأهواء والأغراض في القضاء، إذ لا يعلم حقيقة النية إلاَّ الله.
_________________
(١) ١ انظر تفسيره عند آية (٢٥) من سورة الحج. ٢ رواه مسلم في صحيحه كتاب الإيمان (٢٠٢ / ١٢٧) باب بيان تجاوز الله تعالى عن حديث النفس (شرح النووي ٢/١٤٧) .
[ ١٧٣ ]