الحمد لله فعّال لما يريد، بيده الخير، وهو على كل شيء شهيد. والصلاة والسلام على القائل: "من يُرِد اللهُ بهِ خَيرًا، يُفقِهه في الدين"١.
أما بعد: فقد كنت في زيارة أحد أقاربي، المقربين إلى نفسي في مدينة الرياض، وتناول الحديث معه تعلقه الشديد بأرض الحرم، ورغبته الصادقة في سكناها، والعيش فيها.
وكأني أسخر منه، حين سألته: ولمَ لمْ تفعل؟ فالسبيل ميسر، والوسيلة سائرة، وقد منَّ الله عليك بالتبعية لهذا الكيان الكبير، فلا حدود ولا قيود، وأنت اليوم أصبحت خِلْوًا من التزاماتك نحو عملك في الجامعة.!!!
فتبسم ضاحكًا من قولي، وصوّب نحوي نظرة شفقةٍ، وحنان، وقال: هو كما قُلْتَ، ولولا آية في كتاب الله لفعلت.
ووجمت مندهشًا وقد أخذ مني الفضول مأخذًا، نظرت إليه بلهفة، وفي عيني سؤال: وما تلك الآية، يرحمك الله؟!
فتلا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج /٢٥] . فكأنه أيقظني من سبات عميق في وادٍ سحيق، فأخذت أردد تلاوة الآية الكريمة في نفسي، ورفعت إليه بصري، وسألته متغابيًا: وما الذي في الآية من معنى يحول بينك وبين تحقيق حلمك الجميل؟ فردَّ قائلًا:
الإنسان منَّا عرضة للخطأ، والنسيان، فيما يقول، ويفعل، ولا يزال تحيط
_________________
(١) ١ رواه البخاري في صحيحه من كتاب العلم، باب من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين.
[ ١٢٤ ]
به الملذَّات، والشهوات، والرغبات في نيلها، فيريد أن يحقق لنفسه شيئًا منها، إرواءً لغرائزه، فيَهُمُّ بفعلِ معصية، فلا يقع منه في الواقع فعلها، فيصبح موعودًا من الله بعذاب أليم، لمجرد أنه همّ بفعلها في المسجد الحرام. بينما الأمر بخلافه في أي مكان آخر من المعمورة. فالسلامة أن نقتصر على زيارتها - شرَّفها الله - بين الحين والآخر للحج أو العُمرة، فلا يطول بنا المقام إلاّ بقدر تأديتهما والإنتهاء منهما، فنسلم إن شاء الله تعالى من التعرُّض لسخط الله وغضبه.
هذه المحادثة الصغيرة شدَّتْنّي إلى طلب العلم حول هذه القضية، التي كثر الغافلون عنها ممن سكن مكة المكرمة، وجاور المسجد الحرام.
[ ١٢٥ ]