اعلم أخي أن ما ترجح من خلال النصوص من كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - أن ترك الصلاة كفر أكبر مخرج من الملة (١).
ويفهم من كلام شيخ الإسلام أنه إذا ترك أحيانًا وصلى أحيانًا، أنه تجري عليه أحكام الإسلام الظاهرة في المواريث ونحوها من الأحكام، وقال: إن النبي
_________________
(١) أنظر الرسالة المفردة للشيخ ابن عثيمين حفظه الله في الموضوع، فهي مليئة- على صغر حجمها- بالتحقيق المتين، ورجح فيها كفر تارك الصلاة، ولم أود إعادة ما ذكر الشيخ، وانظر فتوى الشيخ محمد بن ابراهيم في الموضوع (٢/ ١٠٧) من فتاويه ورسائله حيث نقل عن ابن حزم وابن حجر الهيثمي: أن جمهور الصحابة على كفر تارك الصلاة كفر ردة وفي تعظيم قدر الصلاة (٢/ ٩٣٦) أنه مذهب جمهور أهل الحديث وانظر بسط الأدلة في المصدر السابق (٢/ ٨٧٣) والشريعة للأجري (ص: ١٣٣) وكتاب الصلاة لابن القيم.
[ ٣٨ ]
- ﷺ - أدخل تحت المشيئة من لم يحافظ لا من ترك (١) "، وكذلك قال: إن الأئمة كانوا يؤخرون الصلاة عن وقتها، وذلك ترك المحافظة عليها لا تركها.
وقال شيخ الإسلام في منهاج السنة النبوية (٥/ ٢١٠ - ٢١١): " وقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: في الأمراء الذي يؤخرون الصلاة عن وقتها: " صلوا الصلاة لوقتها، واجعلوا صلاتكم معهم نافلة"، وهم إنما كانوا يؤخرون الظهر إلى وقت العصر (٢)
، والعصر إلى وقت الإصفرار، وذلك مما هم مذمومون عليه، ولكن ليسوا كمن تركها أو فوتها حتى غابت الشمس، فإن هؤلاء أمر النبي - ﷺ - بقتالهم، ونهى عن قتال أولئك، فإنه لما ذكر أنه سيكون أمراء يفعلون ويفعلون، قالوا:
_________________
(١) ومثله قال شيخنا الجليل ابن باز -حفظه الله-.
(٢) فسر بعضهم التأخير بأنه مع بقاء الوقت وليس بشيء. انظر تضعيف الحافظ لمن ذكر مثل هذا في الفتح (٢/ ١٣) حيث ذكر آثارًا جيادًا في تأخير الأئمة الصلاة حتى يخرج وقتها الخاص ورجحه شيخ الإسلام (٢٢/ ٦١) وقال: إن تأخيرها فسق، والأئمة لا يقاتلون بمجرد الفسق.
[ ٣٩ ]
أفلا نقاتلهم؟
قال: لا ما صلوا" (١)، وقد أخبر عن هذه الصلاة التي يؤخرونها، وأمر أن تصلى في الوقت، وتعاد معهم النافلة، فدل على صحة صلاتهم، ولو كانوا لم يصلوا لأمر بقتالهم".
وقال (٥/ ٢١٠):" ولهذا كان الذي اتفق عليه العلماء أنه يمكن إعادة الصلاة في الوقت الخاص والمشترك كما يصلي الظهر بعد دخول العصر، ويؤخر العصر إلى الاصفرار فهذا تصح صلاته وعليه إثم التأخير، وهو من المذمومين في قوله تعالى ﴿: فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون﴾ [سورة الماعون: ٤ - ٥] وقوله ﴿: فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات﴾ [سورة مريم: ٥٩] فإن تأخيرها عن الوقت الذي يجب فعلها فيه هو
_________________
(١) تقدم تخريجه، وفي رواية لأحمد (٥/ ٢٨ - ١٩٥): "ما صلوا لكم الخمس" وهي صريحة في عدم الترك الدائم، والخمس هي صلاة يوم واحد.
[ ٤٠ ]
إضاعة لها، وسهو عنها بلا نزاع أعلمه بين العلماء، وقد جاءت الآثار بذلك عن الصحابة والتابعين.
وقال أيضًا (٥/ ٢١٨):" والوقت المشترك بين الظهر، والعصر،والمغرب،والعشاء وقت لجواز فعلهما جميعًا عند العذر، وإن فعلتا لغير عذر ففاعلهما آثم، لكن هذه قد فعلت في وقت هو وقتها في الجملة .
وقد أمر النبي - ﷺ - بالصلاة خلف الأمراء الذين يؤخرون الصلاة، ونهى عن قتالهم، مع ذمهم وظلمهم. وأولئك كانوا يؤخرون الظهر إلى العصر، فجاءت طائفة من الشيعة،فصاروا يجمعون بين الصلاتين في وقت الأولى دائما من غير عذر، فدخل في الوقت المشترك من جواز الجمع للعذر، من تأويل الولاة وتصحيح الصلاة مع إثم التفويت، ما لم يدخل في التفويت المطلق، كمن يفطر شهر رمضان عمدًا ويقول: أنا أصوم في شوال، أو يؤخر الظهر والعصر عمدًا، ويقول: أُصليهما بعد المغرب، ويؤخر المغرب
[ ٤١ ]
والعشاء ويقول: أصليهما بعد الفجر، أو يؤخر الفجر ويقول: أصليها بعد طلوع الشمس، فهذا تفويت محض بلا عذر أ. هـ.
والذي يظهر لي الفرق بين التأخير في الوقت المشترك (١) والتأخير المحض أو الترك فقد ذكر عن أصحاب القسم الثاني أن النبي - ﷺ - أمر بقتالهم كما تقدم عنه قريبًا، وقد ذكر شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (٢٢/ ٦١) أن مؤخرها عن وقتها (٢) فاسق، والأئمة لا يقاتلون بمجرد الفسق.
فهذا تصريح منه باختلاف حكم من أخر الصلاة حتى خرج وقتها المشترك. كالظهرين والعشاءين، أو فوّت الفجر حتى طلعت الشمس بأن هذا تفويت محض، ولذلك قال في المنهاج (٥/ ٢٣٠): "وكثير من
_________________
(١) انظر لزامًا تعظيم قدر الصلاة للمروزي (٢/ ٩٦٣).
(٢) يعني الوقت الخاص.
[ ٤٢ ]
العامة والجهال يعتقدون جواز تأخيرها إلى الليل بأدنى شغل، ويرى أن صلاتها بالليل خير من أن يصليها بالنهار مع الشغل، وهذا باطل بإجماع المسلمين، بل هذا كفر .. " وقال بعد ذلك: "وقول القائل: إنها تصح وتقبل وإن أثم بالتأخير، فجعلوا فعلها بعد الغروب كفعل العصر بعد الاصفرار، وذلك جمع بين ما فرق الله ورسوله بينه .. "أ. هـ. وأقول: وإذا كان الرسول - ﷺ - أخبر عن الأمراء أنهم يميتون الصلاة ويخنقونها، وهم إنما كانوا يؤخرون الظهر إلى وقت العصر، والعصر إلى الاصفرار (١)، فليت شعري! ما حال من أخرهما إلى غروب الشمس أو لم يصلهما؟!
وأما شيخ الإسلام فغاية ما نقل عنه أن من يصلي أحيانًا ويترك أحيانًا تجري عليهم أحكام الإسلام الظاهرة - وأنا أقول بذلك- لأن أمر مثل هذا لا ينضبط، وأما أن الشيخ يحكم بأنه مسلم أو ناج في
_________________
(١) انظر مصنف عبد الرزاق (٢/ ٣٧٩ - ٣٨٧) وابن شيبة (١/ ٤٧٤).
[ ٤٣ ]
الآخرة، أو تحت المشيئة فأين ذلك من كلامه؟ (١) وهو قد قال: "إن هذه الأحكام إذا جرت على المنافق المحض كعبد الله بن أُبي وأمثاله من المنافقين فلأن تجري على هؤلاء أولى وأحرى".
وخلاصة ما تبين لي في ضبط ما يكفر به التارك أنه إن أخر الظهرين أو أحدهما حتى تغرب الشمس، أو العشاءين أو أحدهما حتى يطلع الفجر، أو الفجر حتى تطلع الشمس أنه يكفر بذلك (٢)، وأما تأخير الظهر إلى العصر، أو المغرب إلى العشاء فلا على ما
_________________
(١) وقد قال الشيخ -﵀فيما تقدم إن النبي - ﷺ - إنما أدخل تحت المشيئة من لم يحافظ عليها لا من ترك، وقال أيضًا (٢٢/ ٤٩) لكن أكثر الناس يصلون تارة ويتركونها تارة فهؤلاء ليسوا يحافظون عليها، وهؤلاء تحت الوعيد، وهم الذين جاء فيهم الحديث الذي في السنن حديث عبادة .. (وقال في نفس الموضع) فالمحافظ عليها الذي يصليها في مواقيتها كما أمر الله تعالى والذي يؤخرها أحيانًا عن وقتها أو يترك واجباتها، فهذا تحت مشيئة الله تعالى .. قلت: وهذا موافق لعبارته الحاصرة أولًا أعلم.
(٢) وقرره إسحاق بن راهوية بما لا مزيد عليه كما في تعظيم قدر الصلاة (٢/ ٩٢٩، ٩٣٣).وانظر التمهيد (٤/ ٢٢٦).
[ ٤٤ ]
تقدم، ولكن ذلك جريمة عظيمة، وذنب كبير نسأل الله العافية.
وأما قول من قال: لا يكفر إلا بترك دائم فإنما هو شيء زاده من عنده، وإلا فما الفرق بين ترك صلاة يوم أو أيام، أو ترك الصلاة شهرًا، أو شهورًا، أو كان يصلي في رمضان ويترك فيما سواه، فهل يقال أن مثل هذا لا يكفر، فليختر من يقول هذا القول بعدم كفر تارك الصلاة، وليرتح فإنه ما زاد عمّا قالوه، فإن الترك الدائم الذي لا يسجد معه المرء سجدةً واحدةً لا يكاد يكون مع إيمان وتصديق (١).
ثم يقال: ما عدد الصلوات التي بها يكون مسلمًا؟ وصدق الله ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْد غَيْر اللَّه لَوَجَدُوا فِيهِ اِخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] ..
ثم هذا الذي ترك
_________________
(١) تقدم تقرير مثل هذا.
[ ٤٥ ]
صلاة يوم، أو شهر هل حاله إلا مثل حال من لم يصل، فالذي لا يأبه بالصلاة، ولايهمه أن تفوته بلا عذر -كما قررنا- ما الذي يمنعه أن يستقل أو يستكثر من الترك؟ وفي التنزيل ﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة:٣٢]. (١)
_________________
(١) قال ابن عطية في تفسيره (٤/ ٤٢١): "والذي أقول أن الشبة بين قاتل النفس وقاتل الكل لا يطرد من جميع الجهات، لكن الشبه قد يحصل من ثلاث جهات، إحداها: القود فإنه واحد. والثانية: الوعيد فقد وعد الله قاتل النفس بالخلود في النار، وتلك غاية العذاب، فإن فرضناه يخرج من النار بعد بسبب التوحيد، فكذلك قاتل النفس إن لو اتفق ذلك. والثالثة: انتهاك الحرمة، فإن نفسًا واحدةً في ذلك وجميع الأنفس سواء، والمنتهك في واحدة ملحوظ بعين منتهك الجميع "
[ ٤٦ ]