قال شيخ الإسلام - ﵀- (٧/ ٦٠٩):
" تنازع العلماء في تكفير من يترك شيئا من هذه الفرائض الأربع بعد الاقرار بوجوبها، فأما الشهادتان إذا لم يتكلم بهما مع القدرة فهو كافر باتفاق المسلمين، وهو كافر ظاهرًا وباطنًا عند سلف الأمة وأئمتها، وجماهير علمائها، وذهبت طائفة من المرجئة، وهم جهمية المرجئة: كجهم، والصالحى، وأتباعهما إلى أنه إذا كان مصدقًا بقلبه كان كافرا في الظاهر دون الباطن، وقد تقدم التنبيه على أصل هذا القول، وهو قول مبتدع في الإسلام لم يقله أحد من الأئمة، وقد تقدم أن الإيمان الباطن يستلزم الإقرار الظاهر بل وغيره، وأن وجود الايمان الباطن تصديقًا وحُبًا وانقيادًا بدون الإِقرار الظاهر ممتنع (١).
_________________
(١) أنظر مجموع الفتاوى (٧/ ٥٤١)، وكذلك (٧/ ٥٢٥ - ٥٢٦).
[ ١١ ]
وأما الفرائض الأربع فإذا جحد وجوب شيء منها بعد بلوغ الحجة فهو كافر، وكذلك من جحد تحريم شيء من المحرمات الظاهرة المتواتر تحريمها، كالفواحش والظلم والكذب والخمر ونحو ذلك.
وأما من لم تقم عليه الحجة مثل: أن يكون حديث عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة لم تبلغه فيها شرائع الاسلام ونحو ذلك (١)، أو غلط فظن أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يستثنون من تحريم الخمر، كما غلط في ذلك الذين استتابهم عمر، وأمثال ذلك، فإنهم يستتابون وتقام الحجة عليهم، فإن أصروا كفروا
_________________
(١) ومنه ماروى ابن ماجه (٢/ ١٣٤٤): "يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب .. " الحديث، وفيه: "تبقى طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز، يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة لا إله إلا الله فنحن نقولها" فهؤلاء أنجتهم الكلمة من النار؛ لأنهم معذورون بترك الإسلام، لأنهم لا يدرون عنها، ولم تبلغهم.
[ ١٢ ]
حينئذٍ ولا يحكم بكفرهم قبل ذلك، كما لم يحكم الصحابة بكفر قدامة بن مظعون وأصحابه لما غلطوا فيما غلطوا فيه من التأويل (١).
وأما مع الإقرار بالوجوب إذا ترك شيئًا من هذه الأركان الأربعة ففي التكفير أقوال للعلماء هي روايات عن أحمد :
أحدها: أنه يكفر بترك واحد من الأربعة حتى الحج-وإن كان في جواز تأخيره نزاع بين العلماء- فمتى عزم على تركه بالكلية كفر، وهذا قول طائفة من السلف، وهي إحدى الروايات عن أحمد اختارها أبو بكر.
الثاني: أنه لا يكفر بترك شيء من ذلك مع الاقرار بالوجوب، وهذا هو المشهور عند كثير من
_________________
(١) أنظر ما ذكره شيخ الإسلام (١١/ ٤٠٣). والقصة أخرجها عبدالرزاق (٩/ ٢٤٠ - ٢٤٣) والبيهقي (٨/ ٣١٥).
[ ١٣ ]
الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وهو إحدى الروايات عن أحمد اختارها ابن بطة (١).
والثالث: لا يكفر إلا بترك الصلاة، وهي الرواية الثالثة عن أحمد وقول كثير من
السلف، وطائفة من أصحاب مالك، والشافعى، وطائفة من أصحاب أحمد.
والرابع: يكفر بتركها، وترك الزكاة فقط .
والخامس: بتركها، وترك الزكاة إذا قاتل الإمام عليها دون ترك الصيام والحج وهذه المسألة لها طرفان :
أحدهما: في إثبات الكفر الظاهر .
والثاني: في إثبات الكفر الباطن .
_________________
(١) صّرح بذلك في الشرح والإنابة على أصول الديانة (الإبانة الصغرى) ص: ١٨٣. والذي ذكر في الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة (الإبانة الكبرى) ص:٦٦٩ الجزم بكفره.
[ ١٤ ]
فأما الطرف الثاني فهو مبنى على مسألة كون الإيمان قولًا وعملًا كما تقدم، ومن الممتنع أن يكون الرجل مؤمنًا إيمانًا ثابتًا في قلبه بأن الله فرض عليه الصلاة والزكاة والصيام والحج ويعيش دهره لا يسجد لله سجدة، ولا يصوم رمضان، ولا يؤدي لله زكاة، ولا يحج إلى بيته، فهذا ممتنع، ولا يصدر هذا إلا مع نفاق في القلب وزندقة لا مع إيمان صحيح، ولهذا إنما يصف سبحانه بالامتناع عن السجود الكفار كقوله:
﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٢، ٤٣].
وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما، من حديث أبي هريرة وأبي سعيد وغيرهما في الحديث الطويل-حديث التجلي-: (أنه إذا تجلى تعالى لعباده يوم القيامة سجد له المؤمنون، وبقي ظهر من كان يسجد في الدنيا رياء
[ ١٥ ]
وسمعة مثل الطبق لا يستطيع السجود ) (١).
فإذا كان هذا حال من سجد رياء، فكيف حال من لم يسجد قط؟
وثبت أيضًا: (أن النار تأكل من ابن آدم كل شيء إلا موضع السجود، فان الله حرم على النار أن تأكله) (٢) فعلم أن من لم يكن يسجد لله تأكله النار كله، وكذلك ثبت في الصحيح:" أن النبي - ﷺ - يعرف أمته يوم القيامة غرًا محجلين من آثار الوضوء" (٣)
،
فدل على أن من لم يكن غرًا محجلًا لم يعرفه النبى - ﷺ -، فلا يكون من أمته.
وقوله تعالى: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُم مُّجْرِمُونَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا
_________________
(١) البخاري (١٣/ ٤٢٩ - ٤٢١) ومسلم (١/ ١٦٧).
(٢) البخاري (١٣/ ٤١٩ - ٤٢٠) ومسلم (١/ ٤)، (١/ ١٦٣).
(٣) البخاري (١/ ٢٣٥ - فتح) ومسلم (١/ ٢١٧).
[ ١٦ ]
يَرْكَعُونَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٤٦ - ٤٩]
وقوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢٠ - ٢٣]، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [القيامة: ٣١ - ٣٢]،وكذلك قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٧]، فوصفه بترك الصلاة، كما وصفه بترك التصديق، ووصفه بالتكذيب والتولي والمتولي هو: العاصي الممتنع من الطاعة، كما قال تعالى: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَاسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ١٦]
[ ١٧ ]
وكذلك وصف أهل سقر بأنهم لم يكونوا من المصلين، وكذلك قرن التكذيب بالتولي في قوله: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إِذَا صَلَّى أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ [العلق: ٩: ١٦]، وأيضًا في القرآن علق الأخوة في الدين على نفس إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، كما علق ذلك على التوبة من الكفر، فاذا انتفي انتفت الأخوة (١)
، وأيضا فقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: (العهد الذي بيننا وبينهم
_________________
(١) يشير إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١] .. والأخوة الدينية لا تنتفي بالمعاصي ولو عظمت وإنما تنتفي بالكفر والله جعل القاتل عمدًا أخًا للمقتول قال تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨].
[ ١٨ ]
الصلاة فمن تركها فقد كفر) (١)، وفي المسند:" من ترك الصلاة متعمدًا فقد برئت منه الذمة" (٢).
وأيضا فإن شعار المسلمين الصلاة، ولهذا يعبر عنهم بها فيقال: اختلف أهل الصلاة، واختلف أهل القبلة، والمصنفون لمقالات المسلمين يقولون: مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين وفي الصحيح: (من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم له ما لنا، وعليه ما علينا) (٣)، وأمثال هذه النصوص كثيرة في الكتاب والسنة.
وأما الذين لم يُكفِّروا بترك الصلاة ونحوها، فليست لهم حجة إلا وهي متناولة للجاحد كتناولها
_________________
(١) أخرجه النسائي (١/ ٢٣١) والترمذي (٧/ ٣٦٨ - تحفة) وابن ماجه (١٠٧٩) عن بريدة - ﵁ -.
(٢) أخرجه أحمد (٥/ ٢٣٨) وابن ماجه (٢/ ١٣٣٩)، وأنظر: التلخيص الحبير (٢/ ١٤٨).
(٣) أخرجه البخاري (١/ ٤٩٧).
[ ١٩ ]
للتارك، فما كان جوابهم عن الجاحد كان جوابًا لهم عن التارك؛ مع أن النصوص علقت الكفر بالتولي كما تقدم، وهذا مثل استدلالهم بالعمومات التي يحتج بها المرجئة كقوله: (من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه. . . أدخله الله الجنة) (١) ونحو ذلك من النصوص.
وأجود ما اعتمدوا (٢) عليه قوله - ﷺ -: (خمس صلوات كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة فمن حافظ عليهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة) (٣)
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦/ ٤٧٤) ومسلم (١/ ٥٧).
(٢) أنظر أضواء البيان (٤/ ٣١٦) والعواصم والقواصم لابن الوزير (٩/ ٧٩) والمجموع للنووي (٣/ ٢٠) والمغني ط. الحلو (٣/ ٣٥٧).
(٣) أخرجه أبو داود (٢/ ٩٣ - عون) والنسائي (١/ ٢٣٠) وغيرهما.
[ ٢٠ ]
قالوا: فقد جعل غير المحافظ تحت المشيئة، والكافر لا يكون تحت المشيئة، ولا دلالة في هذا، فإن الوعد بالمحافظة عليها (١)، والمحافظة فعلها في أوقاتها كما أمر وكما قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] وعدم المحافظة يكون مع فعلها بعد الوقت، كما أخر النبي - ﷺ - صلاة العصر يوم الخندق، فأنزل الله آية الأمر بالمحافظة عليها، وعلى غيرها من الصلوات، وقد قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩] فقيل لابن مسعود وغيره: ما إضاعتها؟ فقال: تأخيرها عن وقتها. فقالوا: ما كنا نظن ذلك إلا تركها. فقال: لو تركوها لكانوا كفارًا (٢).
_________________
(١) تعظيم قدرة الصلاة للمروزي (٢/ ٩٦٧).
(٢) ابن جرير عند تفسير الآية المذكورة بمعناه وفيه الشاهد من كلام ابن مسعود والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (١/ ٣٦).
[ ٢١ ]
وكذلك قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٥] ذمهم مع أنهم يصلون، لأنهم سهوا عن حقوقها الواجبة، مِن فعلها في الوقت، وإتمام أفعالها المفروضة، كما ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى - ﷺ - أنه قال: (تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام فنقرها أربعًا لا يذكر الله فيها إلا قليلًا) (١) فجعل هذه صلاة المنافقين لكونه أخرها عن الوقت، ونقرها.
وقد ثبت في الصحيح عن النبي - ﷺ - أنه ذكر الأمراء بعده الذين يفعلون ما ينكر، وقالوا يا رسول الله أفلا نقاتلهم؟ قال: (لا ما صلوا) (٢) وثبت عنه أنه قال:
(سيكون أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها فصلوا الصلاة لوقتها ثم اجعلواصلاتكم معهم
_________________
(١) أخرجه مسلم (١/ ٤٣٤).
(٢) أخرجه مسلم (٣/ ١٤٨٠).
[ ٢٢ ]
نافلة) (١) فنهى عن قتالهم إذا صلوا، وكان في ذلك دلالة على أنهم إذا لم يصلوا قوتلوا، وتبين أنهم يؤخرون الصلاة عن وقتها، وذلك ترك المحافظة عليها لا تركها، وإذا عرف الفرق بين الأمرين، فالنبى - ﷺ -، إنما أدخل تحت المشيئة من لم يحافظ عليها لا من ترك، ونفس المحافظة يقتضي أنهم صلوا، ولم يحافظوا عليها ولا يتناول من لم يحافظ، فإنه لو تناول ذلك قتلوا كفارًا مرتدين بلا ريب، ولا يتصور في العادة أن رجلًا يكون مؤمنًا بقلبه، مقرًا بأن الله أوجب عليه الصلاة، ملتزمًا لشريعة النبي - ﷺ - وما جاء به، يأمره ولي الأمر بالصلاة فيمتنع، حتى يقتل، ويكون مع ذلك مؤمنًا في الباطن قط لا يكون
_________________
(١) أخرجه مسلم (١/ ٤٤٨).
[ ٢٣ ]
إلا كافرًا، ولو قال: أنا مقر بوجوبها غير أني لا أفعلها، كان هذا القول مع هذه الحال كذبًا منه، كما لو أخذ يلقي المصحف في الحش ويقول: أشهد أن ما فيه كلام الله، أو جعل يقتل نبيًا من الأنبياء ويقول: أشهد أنه رسول الله، ونحو ذلك من الأفعال التي تنافي إيمان القلب، فإذا قال: أنا مؤمن بقلبي مع هذه الحال كان كاذبًا فيما أظهره من القول.
فهذا الموضع ينبغي تدبره فمن عرف ارتباط الظاهر بالباطن زالت عنه الشبهة في هذا الباب، وعلم أن من قال من الفقهاء: أنه إذا أقرّ بالوجوب وامتنع عن الفعل لا يقتل، أو يقتل مع إسلامه، فإنه دخلت عليه الشبهة التي دخلت على المرجئة والجهمية، والتي دخلت على من جعل الإرادة الجازمة مع القدرة التامة التي لا يكون بها شيء من الفعل، ولهذا كان الممتنعون من قتل هذا من الفقهاء بنوه على
[ ٢٤ ]
قولهم في [مسألة الإيمان] وأن الأعمال ليست من الإيمان وقد تقدم أن جنس الأعمال من لوازم إيمان القلب، وأن إيمان قلب التام بدون شيء من الأعمال الظاهرة ممتنع، سواء جعل الظاهر من لوازم الإيمان أو جزء من الإيمان كما تقدم بيانه.
وحينئذٍ فإذا كان العبد يفعل بعض المأمورات، ويترك بعضها، كان معه من الإيمان بحسب ما فعله، والإيمان يزيد وينقص، ويجتمع في العبد إيمان ونفاق؛ كما ثبت عنه في الصحيح أنه قال: (أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا حدّث كذب، وإذا ائتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر) (١).
_________________
(١) أخرجه البخاري (١/ ٨٩)، ومسلم (١/ ٧٨).
[ ٢٥ ]
وبهذا تزول الشبهة في هذا الباب، فإنّ كثيرًا من الناس بل أكثرهم في كثير من الأمصار لا يكونون محافظين على الصلوات الخمس، ولا هم تاركيها بالجملة بل يصلون أحيانًا، ويدعون أحيانًا، فهؤلاء فيهم إيمان ونفاق، وتجري عليهم أحكام الإسلام الظاهرة في المواريث ونحوها من الأحكام، فإن هذه الأحكام إذا جرت على المنافق المحض - كابن أُبي وأمثاله من المنافقين - فلأن تجرى على هؤلاء أولى وأحرى "أ. هـ.
[ ٢٦ ]