استدل بعضهم (١) بألفاظ وردت في بعض الأحاديث، كقوله - ﷺ -:"إذا خلص المؤمنون من النار وأمنوا فوالَّذي نفسي بيدِه ما مجادَلةُ أحدِكم لصاحبِه في الحقِّ يكونُ له في الدُّنيا بأشدَّ من مجادلةِ المؤمنين لربَّهم في إخوانِهم الَّذين أُدخِلوا النَّارَ".
قال: يقولون: ربَّنا! إخوانُنا كانوا يُصلُّون معنا، ويصومون معنا، ويحُجُّون معنا، ويجاهدون معنا فأدخلتهم النَّارَ! قال: فيقولُ: اذهبوا، فأخرِجوا من عرفتم منهم.
وقال بعد ذلك: فيقولون: ربَّنا! قد أخرجنا من أمرتَنا. قال: ثمَّ يعودون فيتكلَّمون، فيقولُ: أخرِجوا من كان في قلبِه مثقالُ دينارٍ من إيمانِ،فيُخرِجون خلقًا كثيرًا .. الحديث (٢).
_________________
(١) هو المحدث العلامة الألباني.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١١/ ٤٠٩ - ٤١١) برقم (٢٠٨٥٧) وأحمد (٣/ ٩٤) وانظر مسلم (١/ ١٦٩).
[ ٣١ ]
قال: إن المؤمنين لما شفعهم الله في إخوانهم المصلين، والصائمين، وغيرهم في المرة الأولى، فأخرجهم من النار بالعلامة، فلما شفعوا في المرات الأخرى، وأخرجوا بشرًا كثيرًا، لم يكن فيهم مصلون بداهة، وإنما فيهم من الخير كل حسب إيمانهم .. الخ
والجواب أولًا عن هذا أن يقال: " ليس في الحديث أن الآخرين لا يصلون، فقوله: لم يكن فيهم مصلون بداهة، إنما هو تحميل للنص مالا يحتمل، وتعلق بما لا متعلق فيه.
ثانيًا: يقال: إن الأولين كانوا يصلون، ويصومون، فهم عندهم محافظة في الجملة، وهذا ظاهر فإنه عبّر عنهم بلفظة: "كان" وبعدها صيغة المضارع.
قال الشنقيطي -العلامة الأصولي-في أضواء البيان (٢/ ٢٤٣): "وقد تقرر في الأصول أن صيغة
[ ٣٢ ]
المضارع بعد لفظة كان في نحو يفعل كذا، تدل على كثرة التكرار، والمداومة على ذلك الفعل" (١)
وأما من بعد هؤلاء، فليسوا كذلك فعندهم تقصير ونقص وإخلال بالفروض المذكورة، أما أنهم لا يصلون أبدًا فهذا لا يفيده النص بوجه.
ويقال كذلك: هذا مفهوم - لو فهم منه ترك الصلاة، وقد عرفت أن ذلك لا يفهم منه- وهو معارض بمنطوق الأحاديث المصرحة بالكفر، والمنطوق مقدم على المفهوم، وقد ذكر أهل العلم أن مثل هذه النصوص من العام المخصوص بالنصوص الدالة على الكفر.
وكذلك استدلاله برواية أحمد عن عائشة -﵂- مرفوعًا بلفظ: "الدواوين عند الله ﷿ ثلاثة " الحديث وفيه:" وأما الديوان الذي لا يعبأ
_________________
(١) وانظر كذلك (٣/ ٢٩٩ - ٣٠٠) من الأضواء.
[ ٣٣ ]
الله به شيئًا، فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه من صوم يوم تركه، أو صلاة تركها، فإن الله - ﷿- يغفر ذلك، ويتجاوز إن شاء الله " (١)
وذكر الشيخ أنه يشهد لحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - (٢)، وقد رجعت للحديث المذكور - أَعني حديث عائشة -فوجدته ضعيفًا كما قال الشيخ في حاشية الطحاوية [ص:٣٢٦ - حديث رقم: (٣٨٤)]، وهو إنما ذكره هنا كشاهد لحديث أبي سعيد في المعنى، وقد علمت التحقيق في حديث أبي سعيد، وأنه لا دلالة فيه، فعلى أي شيء يشهد حديث عائشة﵂-؟! وهو لا يقوم بنفسه! فسقط التمسك به بالكلية، والحمد لله.
وأما قوله: يجب أن تحمل كل أدلة الفريق المكفر
_________________
(١) رواه أحمد (٦/ ٢٤٠) والحاكم (٤/ ٥٧٥).
(٢) هو الحديث المتقدم في ذكر الشفاعة.
[ ٣٤ ]
للتارك للصلاة، يعني على المصر والممتنع مع تهديد الحاكم له بالقتل. (١)
أقول: هم يأبون ذلك، وهم أغنياء بالنصوص الشرعية، وما فيها من تعليلات وأوصاف، وحملها -أعني أدلة المكفر للتارك للصلاة- على الإصرار والإمتناع .. الخ، إلغاء لوصف الشارع الذي علق الحكم به، واعتبار وصف لم يجعله الشارع مناطًا للحكم.
فنصوص الشرع: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر" (٢) فعبر بالترك وهو يقولون: فمن أصر.
_________________
(١) وهل يمكن وقوع هذا؟ والشيخ وفقه الله نفى هذا فما باله يثبته؟! انظر السلسلة الصحيحة (١/ ١٣٢).
(٢) تقدم تخريجه ص:١١.
[ ٣٥ ]
وقوله: " بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة" (١) وهم يقولون: الإصرار على الترك، وهذا عمر بن الخطاب - ﵁ - يقول: "لاحظ في الإسلام لمن ترك الصلاة " (٢)، وهذا عبدالله بن شقيق يقول: "كان أصحاب رسول الله - ﷺ - لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة " (٣).
والقول بأنه لا يكفر إلا إذا امتنع عن الصلاة وأصر على تركها؟ ليس بشيء، لأنه يقال: هذا فيه دلالة على غلط كفره واسكتباره، ولا يقال إنه لم يكفر حتى
_________________
(١) رواه مسلم (١/ ٨٨)، وقد ذكر شيخ الإسلام -﵀- الفرق بين الكفر المعرف بأل والكفر المنكر في الاقتضاء (ص:٢٠٧) قلت: الكفر المعرف هو الأكبر، وهو المعهود في ألفاظ الشارع وألسنة الصحابة.
(٢) رواه مالك في الموطأ (١/ ٣٩) وعبدالرزاق (٣/ ١٢٥) وغيرهم. وحظ: نكرة في سياق النفي، فلاحظ قليل ولا كثير في الإسلام لمن ترك الصلاة.
(٣) رواه الترمذي (٧/ ٣٧٠) وغيره.
[ ٣٦ ]
أصر، بل هو كافر بالترك، وإن أصر وامتنع فهذا كفر آخر أقبح (١) وهذا أوضح.
قال ابن رجب: "ظاهر كلام أحمد وغيره من الأئمة الذين يرون كفر تارك الصلاة: أن من تركها كفر بخروج الوقت عليه، ولم يعتبروا أن يستتاب، ولا أن يُدعى إليها وعليه يدل كلام المتقدمين من أصحابنا، لقوله - ﷺ -: " بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة" (٢).
_________________
(١) وهذا من باب التنزيل وإلا مثل هذا لا يقع.
(٢) حاشية العنقري على الروض المربع (١/ ١٢٢) وحاشية ابن قاسم على الروض أيضًا (١/ ٤٢٥).
[ ٣٧ ]