آراء الفقهاء في الاتجار بالعملات
إن تداول العملة قد يكون للمصارفة، وقد يكون للمضاربة، أي الاتجار في العملة. وبيان كل منهما فيما يلي:
المتاجر بالعملات أو المضارب فيها، هو الذي يشتري ويبيع في عملة أو عملات معينة، وهدفه هو تقليبها بالبيع والشراء، للحصول على الربح، وعندما يحصل عليها يحتفظ بها -غالبًا- لحين ارتفاع سعرها. وشراؤه لا يكون إلا عند رخص العملة، وبيعه لا يكون إلا عند ارتفاعها، وقد يبيع إذا أخذت في الانخفاض الشديد خشية الخسارة. فهو لا يراعي سعر السوق في عملياته، بل يراعي تحقيق المزيد من الربح.
والمتاجر أو المضارب بالعملة لا يتخذ الصرافة مهنة له.
أما من يتخذ الصرافة مهنة له، فإنه يشتري - غالبًا- أنواعًا متعددة من العملات التي ليست عنده بسعر السوق، سواء أكان سعر تلك العملة منخفضًا أم مرتفعًا، ويبيع العملات التي عنده إلى من يطلبها في أي وقت، وبسعر السوق أيضًا، ومن جهة أخرى هو وسيط تجاري يشتري العملات المختلفة ممن هي لديهم، ويبيعها إلى المحتاجين إليها.
وصرف النقود أو شراء وبيع غيرها من الأثمان لا خلاف في جوازه، إذا استوفيت شروطه.
أما الاتجار في النقود فللعلماء فيه قولان:
القول الأول: جواز التجارة في النقود، إذا توافرت في عقدها شروط صحتها؛ وهو رأي جماهير العلماء من السلف والخلف.
[ ١١ ]
أدلة هذا الرأي ما يلي:
أولًا: قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (البقرة: ٢٧٥)، فالتجارة في النقود نوع من أنواع البيوع، والآية دالة بعمومها على جواز بيع الأثمان بعضها ببعض، سواء أكانت للمصارفة، أم للمتاجرة فيها؛ إذ لم يرد ما يخصصها.
ثانيًا: من السنة، ورد عن رسول الله ﷺ جوازها بأحاديث صحيحة وكثيرة، نقتصر منها على ما يلي:
١ - عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، سواء بسواء، يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد» (^١).
٢ - قال أبو المنهال: «سألت البراء بن عازب وزيد بن أرقم ﵄ عن الصرف، فكل واحد منهما يقول: هذا خير مني، فكلاهما يقول: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الذهب بالورق دينًا» (^٢).
٣ - عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «الدينار بالدينار لا فضل بينهما، والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما» (^٣).
٤ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل، ولا تُشِفُّوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلًا بمثل، ولا تُشِفُّوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائبًا بناجز» (^٤).
وفي لفظ: «إلا يدًا بيد» وفي لفظ «إلا وزنًا بوزن مثلًا بمثل سواءً بسواء».
_________________
(١) صحيح مسلم بشرح النووي ٤/ ٩٨، ورواه الجماعة إلا البخاري.
(٢) صحيح البخاري بشرحه ٤/ ٣٨٢ واللفظ له، وانظر: صحيح مسلم ٤/ ١٠٠.
(٣) صحيح مسلم ٤/ ١٠٠.
(٤) صحيح البخاري بشرحه فتح الباري ٤/ ٣٧٩ و٣٨٠، صحيح مسلم بشرح النووي ٤/ ٩٦.
[ ١٢ ]
٥ - ما رواه عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال: نهى رسول الله ﷺ، عن الفضة بالفضة، والذهب بالذهب، إلا سواءً بسواء، وأمرنا أن نشتري الفضة بالذهب كيف شئنا، ونشتري الذهب بالفضة كيف شئنا، قال: فسأله رجل فقال: يدًا بيد؟ فقال: هكذا سمعت (^١).
٦ - عن أبي المنهال قال: باع شريك لي ورقًا بنسيئة إلى الموسم أو إلى الحج فجاء إليّ فأخبرني فقلت: هذا أمر لا يصلح قال: قد بعته في السوق فلم ينكر ذلك عليّ أحد. فأتيت البراء بن عازب فسألته فقال: قدم النبي ﷺ المدينة ونحن نبيع هذا البيع، فقال: «ما كان يدًا بيد فلا بأس به، وما كان نسيئة فهو ربا» وائت زيد بن أرقم فإنه أعظم تجارة مني، فأتيته فسألته فقال مثل ذلك (^٢).
وجه الدلالة: جاءت هذه الأحاديث بلفظ البيع والشراء، وهي ألفاظ عامة شاملة بعمومها حالتي المصارفة والتجارة، كما أن حديث أبي المنهال قد جاء فيه لفظ التجارة صريحًا؛ إذ قال: (وائت زيد بن أرقم فإنه أعظم تجارة مني)، والحديث وارد في بيع وشراء الذهب والفضة، فدل على أنهما يتاجران فيها. فتجوز التجارة في العملات.
القول الثاني: ذكر بعض العلماء أقوالًا، ربما فهم البعض منها المنع، أو الكراهة، أذكر بعضًا منها، ثم أجيب عليها إن شاء الله.
جاء في حاشية الرهوني والمدني: «وحكمه الأصلي الجواز، قال ابن عرفة: وهو ظاهر الأقوال والروايات، قال العتبي: وكره مالك العمل به إلا لمتقٍ …، وقيل: يكره أن يستظل بظل صيرفي» (^٣).
وقال ابن رشد: «وباب الصرف من أضيق أبواب الربا، فالتخلص من الربا على من كان عمله الصرف عسير، إلا لمن كان من أهل الورع، والمعرفة بما يحل فيه
_________________
(١) صحيح مسلم بشرحه ٤/ ١٠١، وانظر: صحيح البخاري بشرحه ٤/ ٣٧٩.
(٢) صحيح البخاري ٣/ ٣١ برقم ٢١٨٠ و٢١٨١، ومسلم ٣/ ١٢١٢ برقم ١٥٨٩.
(٣) / ٩١، المطبعة الأميرية، مصر، سنة ١٣٠٦ هـ.
[ ١٣ ]
ويحرم منه، وقليل ما هم؛ ولذلك كان الحسن يقول: إذا استسقيت ماءً فسقيت من بيت صراف فلا تشربه، وكان أصبغ يكره أن يستظل بظل الصيرفي، قال ابن حبيب: لأن الغالب عليهم الربا؛ وقيل لمالك ﵀ أتكره أن يعمل الرجل بالصرف؟ قال نعم، إلا أن يكون يتقي الله في ذلك» (^١).
وقال أبو حامد الغزالي: «خلق الله تعالى الدنانير والدراهم حاكمين ومتوسطين بين سائر الأموال حتى تقدر الأموال بهما إذ لا غرض في أعيانهما، فإذن خلقهما الله لتتداولهما الأيدي، ويكونا حاكمين بين الأموال بالعدل، ولحكمة أخرى، وهي التوسل بهما إلى سائر الأشياء؛ لأنهما عزيزان في أنفسهما، ولا غرض في أعيانهما، ونسبتهما إلى سائر الأموال نسبة واحدة، فمن ملكهما فكأنه ملك كل شيء … فكذلك النقد لا غرض فيه، وهو وسيلة إلى كل غرض.
«فإذا اتجر في أعيانهما فقد اتخذهما مقصودًا، على خلاف وضع الحكمة؛ إذ طلب النقد لغير ما وضع له ظلم … فأما من معه نقد، فلو جاز له أن يبيعه بالنقد، فيتخذ التعامل على النقد غاية عمله، فيبقى النقد مقيدًا عنده، وينزل منزلة المكنوز، … فلا معنى لبيع النقد بالنقد إلا اتخاذ النقد مقصودًا للادخار، وهو ظلم (^٢)».
«فإن قلت: لم جاز بيع أحد النقدين بالآخر؛ ولم جاز بيع الدرهم بمثله؟ فاعلم أن أحد النقدين يخالف الآخر في مقصود التوصل؛ إذ قد يتيسر التوصل بأحدهما من حيث كثرته؛ كالدراهم تتفرق في الحاجات قليلًا قليلًا، ففي المنع منه تشويش المقصود الخاص به؛ وهو تيسير التوصل به إلى غيره، أما بيع الدرهم بدرهم يماثله فجائز من حيث إن ذلك لا يرغب فيه عاقل مهما تساويا، ولا يشتغل به تاجر، فإنه عبث» (^٣).
_________________
(١) المقدمات ٢/ ١٤.
(٢) إحياء علوم الدين، ٤/ ١٤٢ و١٤٣ و١٤٤.
(٣) المصدر السابق.
[ ١٤ ]
وقال ابن القيم: «وحاجة الناس إلى ثمن يعتبرون به المبيعات حاجة ضرورية عامة، … وذلك لا يكون إلا بثمن تقوَّم به الأشياء، ويستمر على حالة واحدة، ولا يقوَّم هو بغيره؛ إذ يصير سلعة يرتفع وينخفض، فتفسد معاملات الناس، ويقع الخلف ويشتد الضرر، كما رأيت من فساد معاملاتهم، والضرر اللاحق بهم، حين اتخذت الفلوس سلعة تعد للربح، فعم الضرر وحصل الظلم» (^١).
مناقشة ما يستوجب المناقشة:
كلام الإمام مالك وأصبغ وابن رشد، لا يدل على عدم جواز عقد الصرف، أو المنع من الاتجار في العملات، وإنما يدل على أن كثيرًا ممن يعملون في هذا المجال ينقصهم العلم بأحكامه، أو لا يتورعون فيه، مما يؤدي إلى انزلاقهم في الحرام.
لكن مثل هاتين الحالتين لا تعودان على الاتجار في العملات بالحرمة، أو الكراهة، وإنما تلحق الحرمة والبطلان العقد إذا لم يستوف شروط الاتجار فيها. ويجب ألا يمارس التجارة فيها إلا من عرف أحكام الصرف، واستوفى شروطه، عند تطبيق عقوده، وحينئذ فإنه لا منع ولا كراهة.
أما الغزالي فإنه لا يمنع جواز بيع أحد النقدين بالآخر؛ ولا بيع الدراهم بالدراهم، والدنانير بالدنانير، ويعلل لقوله بأن ذلك لا يرغب فيه عاقل. لكنه يرى أن الاتجار فيهما ينزل منزلة كنزهما، وهو كفر لنعمة الله التي جعلها فيهما، وأنه ظلم.
فيظهر من قوله (فيبقى النقد مقيدًا عنده وينزل منزلة المكنوز) أنهما يشبهان المكنوز في عدم تحريكهما لادخارهما ادخارًا سلبيًا غير منتج، فهذا خلاف الواقع في هذا العصر، إذ إن العملات أنواع متعددة، تتجاوز الآلاف، والتجارة فيها تحريك للأثمان وليست كنزًا لها. كما أن كنزها إذا وقع من بعض الأفراد، فإنه لا يؤثر في الغرض منهما؛ وهو توسطهما بين السلع؛ لأنه لا يمكن أن يدخر كل
_________________
(١) إعلام الموقعين عن رب العالمين، ٢/ ١٣٢، مطبعة السعادة، مصر، عام ١٣٨٩ هـ ١١٦٩ م.
[ ١٥ ]
الناس أو معظمهم، ما بأيديهم من نقود في وقت واحد، مع أن ادخارهما -ولو دفع زكاتهما- خلاف الأولى؛ لأن الأموال المعطلة إذا استغلت في التجارة، أو الزراعة، أو الصناعة ونحو ذلك، كثر الإنتاج، أو تحسن، وكثر تداول البضائع، وساهم في التخفيف من البطالة، أما إذا كان الادخار يؤدي إلى الاحتكار فإنه حينئذ يكون محرمًا.
وإن كان مراده بالكنز عدم إخراج زكاتهما -مع بعده- فهذا حرام بلا ريب؛ قال ابن كثير: «وأما الكنز فقال مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر هو المال الذي لا تؤدى زكاته» (^١).
وأما قوله: «فإذا اتجر في أعيانهما فقد اتخذهما مقصودًا على خلاف وضع الحكمة؛ إذ طلب النقد لغير ما وضع له ظلم». وكذلك قول ابن القيم: عم الضرر وحصل الظلم، فغير مسلّم لأن هذا القول لا دليل عليه.
الترجيح:
بعد عرض الأدلة والتعليلات التي علل بها البعض، ومناقشة ما استوجب المناقشة منها، فالراجح عندي جواز الاتجار في النقود، ولو كانت لتحصيل فروق الأسعار، لقوة أدلة هذا القول، فما دام أن الله ﷾ أجاز بيعهما وشراءهما على لسان رسوله ﷺ، كما سبق ذكره، وليس من الأدلة ما يخصصها، فليس لأحد أن يمنعه. فالأحاديث التي وردت في جواز ذلك كثيرة، وكلها صحيحة، وقد دلت على جواز التجارة في الذهب والفضة، وهذه الدلالة شاملة لجميع الأثمان؛ للاستفادة من تغيرات الأسعار، سواء أكانت سبائك، أم تبرًا، أم نقدًا؛ حيث جاء بعضها بلفظ: الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، بصيغة العموم، وبعضها بلفظ الدينار بالدينار لا فضل بينهما، والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما، وهي شاملة
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم ٣/ ٣٥٠، لابن كثير، روى هذا الأثر الإمام مالك موقوفًا. انظر: الموطأ ١/ ٢١٨، ورواه البخاري موصولًا عن أبي هريرة. انظر: صحيح البخاري بشرحه فتح الباري ٣/ ٢٦٨.
[ ١٦ ]
كذلك العملات الورقية، المتداولة في هذا العصر، وما قد يجد من نقود قائمة بنفسها في العصور القادمة. وهذا القول جاء عامًا، فهو شامل لحالتي المصارفة والمتاجرة، والقول بأنه ظلم تخصيص من غير مخصص، وهو زيادة على النص. وإن من لوازم القول بجواز الصرافة، وجود من يتخذها مقصودًا، لتتوافر لمن أرادها. وقد ازدادت هذه الحكمة وضوحًا في هذا العصر؛ إذ أصبح الذهب والفضة سلعة، ولم يعودا وسيطًا للتبادل، وحلت محلهما الأوراق النقدية، التي يتداولها الناس اليوم. وهذه هي الحكمة الربانية. وقولي هذا لا يعني تخلف علة الربا في الأثمان، وفي جنسها، بل هي باقية فيها.
لكن الحكم بالجواز في جميع الحالات، مقيد بالالتزام بشروط الصرف وما يأتي عرضه من صور وصلت فيها إلى القول بالتحريم، لا لأنها تجارة في العملات، وإنما لأنها لم تستوف شروط الاتجار في العملات.
[ ١٧ ]