حكم بيوع الفوركس
الاستثمار في المضاربة على أسعار العملات (الفوركس)، من أخطر أنواع الاستثمار، بل إن المخاطرة في التعامل به تفوق كثيرًا المخاطر التي تنطوي عليها التجارة الحقيقية، وهذا باعتراف رجال السياسة المالية (^١)، وذلك للتذبذب الشديد، فأسعار العملات تتقلب باستمرار، وهي شديدة التأثر بالمتغيرات الاقتصادية، والسياسية، بشكل غير متوقع أحيانًا، مما يجعل توقع اتجاه السعر ليس سهلًا، ولأن المضاربة تقوم على التخمين والمجازفة، بناءً على ما يتوقع من نتائج في المستقبل، وذلك محاط بقدر من الكذب والدعاية التي توقع بصغار المستثمرين، ولذا فإن بعض الدول، والهيئات المالية والمتخصصين في أسواق المال يحذرون من الدخول فيه. لما ينطوي عليه من مخاطر كبيرة، قد تتسبب بفقدان كامل رأس المال في يوم واحد.
وقد منعته المملكة العربية السعودية ومصر وغيرهما، حماية لمواطنيها.
وحيث إن واقع الاتجار بالعملات في سوق الفوركس ليس فيه قبضٌ، لا حقيقي ولا حكمي، لأن العملة غير مقصودة، وإنما المقصود فرق السعر، لذلك ليس فيه تسلم ولا تسليم في الغالب، وإنما يكتفى بتسليم فرق السعر لمن كان في صالحه، إلا في أحوال نادرة، لا تبلغ نسبتها ١% (^٢). وقد يظن البعض أن تسجيل العملية في قيد المتعامل لدى شركة الوساطة المالية هو قبض حكمي، وهذا ظنٌ خاطئٌ، لأن الذي يوجد هو تسجيلها في حسابه فقط، فالواقع أن القيد في المضاربة بالعملات يسبق تحصيل العملة، وإيداعها في الحساب بيومي عمل فأكثر، هذا في البيوع الحاضرة والآجلة والتبادلية، أما غيرها فإنه لا توجد النقود
_________________
(١) بورصة الأوراق المالية والضرائب ص ١٧٩، للشيخ عبد الرزاق عفيفي.
(٢) المصدر السابق ص ١٨٠.
[ ٦٧ ]
وإنما هي قيود فقط، وحينئذ يكون القيد مخالفًا للواقع. وأرى أنه لا يعتد به، ولا يكون قبضًا حقيقيًا أو حكميًا (^١).
والقيد في حسابه دون دخول الثمن في حسابه إنما هو مجرد توثيق لحقه، واعتباره قبضًا لا يستقيم من جهتين:
أولاهما: أنه خلاف الواقع، حيث يُقيَّد في حساب العميل مبلغ من المال غير موجود فيه.
ثانيهما: أنه يترتب عليه تأخير التقابض، وهو محرم شرعا، فما كان للمتصارفين أن يتعاملا مع عدم تسلم النقد لولا هذا القيد، ولما كان إيداع العملة لدى المصرف، متعذرًا قبل يومي عمل استغني عنه بالقيد، فلزم بهذا القيد تخلف الأصل وهو (القبض) فيكون العقد باطلًا.
ويلاحظ أن القبض الحكمي قد اتخذ سلمًا لكثير من العمليات التي لا تقابض فيها، بل لا وجود لها، كالبيع على المكشوف، ولذا تجد كمية النقود، والأسهم المعروضة في السوق تفوق كميتها الموجودة حقيقة، وسببه عدم القبض.
فهناك فرق بين إجراء البيع والشراء وبين التسوية، فإجراء العقد يتم في ثوان، أما التسوية أي دخول المبلغ في حساب المشتري، ودخول العوض في حساب البائع، بحيث يمكن لكل طرف أن يتصرف في المبلغ لمصلحته الخاصة بالسحب وغيره، التي بها يتحقق التقابض، فإنه لا يوجد حتى الآن في سوق العملات الدولية تقابض أو تسوية فورية، تتم أثناء مجلس العقد، بل يتأخر التقابض كما بينا.
وفي بعض الحالات يمكن للمتعامل اشتراط أن تتم التسوية في نفس اليوم (T+٠) لكن الأصل هو التأخر. إن من يشتري عملة لا يستطيع سحبها من
_________________
(١) قد تم إيضاح القبض الحكمي في الفصل الأول.
[ ٦٨ ]
حسابه قبل عملية التسوية، أي لا يستطيع قبضها، وإن كانت قد سجلت في قيده لدى شركة الوساطة، وبالتالي لا يحق له بيعها إلا بعد عملية التسوية.
فبيوع الفوركس لا تجوز شرعًا، سواء سمي فوركسًا إسلاميًا أو غيره، لأن ما يسمى بالفوركس الإسلامي، يتضمن مخالفاتٍ كثيرة، وإن حاولت بعض الشركات المتعاملة به أن تظهره متوافقًا مع الأحكام الشرعية.
[ ٦٩ ]