الموقف الشرعي من إبرام العقد بوسائل الاتصال الحديثة
إبرام العقد عبر الإنترنت أو أي من الوسائل التي سبق ذكرها، يأخذ أحكام التعاقد بين حاضرين. وتسري عليه جميع أحكامه، كاشتراط اتحاد المجلس، وعدم صدور ما يدل على إعراض أحد العاقدين عن التعاقد، والموالاة بين الإيجاب والقبول بحسب العرف الشرعي، وما إلى ذلك من أحكام.
فإذا صدر القبول من الطرف الآخر، مستوفيًا ما ذكرنا من الشروط، ينعقد العقد، لأن من المقرر فقهًا، أنه متى أعلن القابل عن رضاه بالإيجاب توافقت الإرادتان وتم العقد. وقد صدر بهذا قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي ونصه: «إذا تم التعاقد بين غائبين لا يجمعهما مكان واحد، ولا يرى أحدهما الآخر معاينة، ولا يسمع كلامه، وكانت وسيلة الاتصال بينهما هي الكتابة أو الرسالة أو السفارة (الرسول)، وينطبق هذا على البرق والتلكس والفاكس وشاشات الحاسب الآلي (الحاسوب)، ففي هذه الحالة ينعقد العقد عند وصول الإيجاب إلى الموجّه إليه وقبوله» (^١).
ومن حق الطرف الراغب في التعاقد أن يتأمل الأمر المعروض عليه، ما داما في مجلس العقد، ولا يلزمه القبول فورًا خلافًا للشافعية.
والتعاقد يعد في هذه الحالات -من حيث الأصل- تعاقدًا بين حاضرين من حيث الزمان، وغائبين من حيث المكان، ما لم يتفرقا من المجلس. أما إذا تفرقا من المجلس وقد جعل الموجب للطرف الثاني، مدة من الزمن، أكثر من فترة مجلس
_________________
(١) قرار رقم ٥٢/ ٣/ ٦.
[ ٢٩ ]
العقد -في غير الصرف-، فإن التعاقد يكون حينئذ بين غائبين زمانًا ومكانًا، والمعتبر في المجلس هو الاتحاد الزماني (^١)، أما التعاقد بين الطرفين بواسطة الكتابة عبر الإنترنت، أو بالمراسلة عبر البريد الإلكتروني، أو عبر الموقع، فإنه يأخذ حكم التعاقد بين غائبين. ويرى بعض الفقهاء انعقاد العقد عند وصول الإيجاب إلى الموجه إليه وقبوله ولا يشترط علم الموجب بالقبول.
وأرى أن اشتراط علم الموجب بالقبول في هذه المعاملات، هو الذي يوافق مقاصد الشريعة في حفظ المال، نظرًا لطبيعة التعاقد عبر هذه الوسائل في هذا العصر، وللحاجة الماسة إلى التثبت، تلافيًا لاحتمال الاستغلال من بعض المتعاملين.
وقد اشترط ذلك المعيار الشرعي للمعاملات المالية بالإنترنت؛ إذ جاء فيه ينعقد العقد باستخدام الإنترنت -أيًا كانت طريقة التعاقد- عند علم الموجب بقبول الطرف الآخر، ولا يكفي لانعقاد العقد مجرد صدور القبول (^٢).
وفي بيع العملات بوسائل الاتصال الحديثة، يبدأ مجلس العقد من دخول الراغب في التعاقد إلى الموقع، وإصدار الإيجاب للطرف الثاني، ويستمر مجلس العقد حتى قبول القابل أو خروجه من الموقع. أو انقطاع التواصل، ما دام أنه لم يخرج أي منهما من مجلسه.
أما الرسالة الإلكترونية الموجهة عبر الموقع على الشبكة، أو عبر البريد الإلكتروني، المتعلقة بالعقد المزمع إبرامه، فإنها لا تعتبر إيجابًا، إذا كانت لا تتضمن بيان جميع الحقوق والالتزامات الجوهرية، أو كان مرسلها قد اشترط لنفسه الحق في رفض العقد، ولو قبل الطرف الآخر، إذ إن من شروط الإيجاب شرعًا أن يكون باتًّا منجزًا لا يحتمل أمرًا آخر (^٣).
_________________
(١) فتح القدير ٣/ ١٩٠ - ١٩٢، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٣/ ٥، ومغني المحتاج ٢/ ٥، والمغني ٣/ ٤٨١، وينظر أيضًا: المدخل الفقهي العام ١/ ٣٤٨.
(٢) بند ٦/ ١.
(٣) فتح القدير ٣/ ١٩٠ - ١٩٢، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٣/ ٥، ومغني المحتاج ٢/ ٥، والمغني ٣/ ٤٨١.
[ ٣٠ ]
ولما بيناه فيما سبق فإن التعاقد بوسائل الاتصال الحديثة -ومنها الإنترنت- بين عاقدين في مكانين متباعدين، جائز شرعًا؛ من حيث صحة صيغة العقد، وتنشأ عنه ذات الآثار المترتبة على إجراء العقد في مكان واحد.
والإيجاب المحدد المدة، الصادر بإحدى الوسائل المشار إليها، يظل ملزمًا لمن أصدره أثناء تلك المدة، ما داما في المجلس. ولا يتم العقد إلا عند القبول والتقابض الحقيقي، أو الحكمي، كما بيناه.
[ ٣١ ]