القبض الحقيقي:
اتفق فقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة على أن التقابض في الصرف يكون بتناول النقود أو السبائك أو نحوها باليد، ويطلقون «يدًا بيد» على تقابض البدلين في مجلس العقد (^١). أي بالتعجيل والنقد (^٢). جاء في المصباح المنير «بعته يدًا بيد» أي حاضرًا بحاضر. والتقدير: في حال كونه مادًا يده بالعوض، وفي حال كوني مادًا يدي بالمعوض، فكأنه قال: بعته في حال كون اليدين ممدودتين بالعوضين (^٣).
وقال الحنفية: إن معنى «يدًا بيد»، إنما هو التعيين دون التقابض. وقوله ﷺ: «يدًا بيد» أي عينًا بعين. ولكن نظرًا لكون النقدين لا يتعينان بالتعيين، ولا يتحقق التعيين فيهما قبل التقابض، اعتبر التعيين دون التقابض في غير الصرف من بيع الأموال الربوية ببعضها، وذلك لحصول المقصود، وهو التمكن من التصرف بالتعيين فيها؛ بخلاف النقدين؛ فحيث إنهما لا يتعينان إلا بالقبض، اشترط في الصرف التقابض (^٤).
والراجح قول الجمهور لأن قوله ﷺ: (يدًا بيد) حقيقة في يد الإنسان، فلا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا بدليل، يؤيد ذلك قوله ﷺ: (إلا هاء وهاء).
_________________
(١) فتح الباري ٤/ ٣٧٨، شرح السنة، للبغوي ٨/ ٦٠، رد المحتار ٤/ ٢٣٩، مواهب الجليل ٤/ ٣١٠، المجموع ١٠/ ٩٢، المغني ٦/ ١١٢، اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية ٦/ ٤٧٢.
(٢) المغرب، للمطرزي ص ٥١٠، مادة: اليد، شرح الأبي على صحيح مسلم ٥/ ٤٧٢.
(٣) مادة اليد.
(٤) رد المحتار ٤/ ١٨٢ و١٨٣، تبيين الحقائق للزيلعي ٤/ ٨٩.
[ ٢٣ ]
وقوله (هاء) إنما هو قول الرجل لصاحبه إذا ناوله الشيء (هاك) أي خذ. فأسقطوا الكاف منه وعوضوه المد بدلًا من الكاف.
وقول الرسول ﷺ: «الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء» أي إن هذه البياعات لا تجوز إلا إذا قال كل واحد منهما لصاحبه «هاء» أي خذ وهات، والمراد به القبض (^١).
فيشترط القبض الحقيقي (^٢)، أو الحكمي (^٣) في بيع الأثمان، بعضها ببعض، وما يأخذ حكمها من العملات (^٤)، ويتحقق القبض شرعًا في العقود المبرمة بالإنترنت بكل الوسائل المتعارف عليها في القبض الحقيقي أو الحكمي (^٥).
ومن صور القبض الحقيقي، أن يسلم البائع المبيع إلى المشتري، ويسلم المشتري الثمن إلى البائع في مجلس العقد، قبل افتراقهما، وإن طالت مدة المجلس.
ومن صوره تطارح الدينين، أو اقتضاء أحد النقدين من الآخر، فإن الدائن أو المدين بنوع من النقود له أن يصرفها من دائنه بنقد آخر، وفي هذه الحال يجب على المدين أن يدفع له البدل من النقد الآخر في مجلس العقد، بخلاف الدائن فإنه لا يلزمه أن يسلم النقد المبدل منه، ويكون صرفًا بعين وذمة في قول أكثر أهل العلم (^٦)، أو المقاصة من دين سابق، فإذا انشغلت ذمة الدائن بمثل ماله على المدين في الجنس والصفة ووقت الأداء، برئت ذمة المدين مقابلة بالمثل، فيسقط الدينان إذا تساويا في المقدار، وهذا تطارح للدينين. أما إن تفاوتا في القدر سقط من الأكثر
_________________
(١) تبيين الحقائق ٤/ ٨٩.
(٢) فتح القدير ٧/ ١٣٥، رد المحتار ٤/ ٢٣٤، الدر المختار للحصكفي ٤/ ١٨٢ و١٨٣، تبيين الحقائق ٤/ ١٣٥، الفتاوي الهندية ٣/ ٢١٧. القبض في العقود المالية في الفقه الحنفي، للدكتور محمد زكي عبد البر، نشر مجلة البحوث الفقهية المعاصرة، العدد الخامس ص ٧٤، الذخيرة ٥/ ١٢٠، شرح تنقيح الفصول ص ٤٥٦، المجموع ١٠/ ٩١، مغني المحتاج ٢/ ٧٢، المغني ٦/ ١٨٧، شرح منتهى الإرادات ٢/ ١٩٢، كشاف القناع ٣/ ٢٤٧، المحرر في الفقه ١/ ٣٢٣، مجلة الأحكام الشرعية على مذهب الإمام أحمد م ٣٣٣.
(٣) سيأتي بيانه في المطلب التالي، إن شاء الله.
(٤) أعني به الذهب والفضة غير المسكوكين نقودًا.
(٥) ينظر المعيار الشرعي رقم (١٨) بشأن القبض، الفقرة ٣ والفقرة ٥.
(٦) مواهب الجليل ٤/ ٣١٠، شرح النووي على صحيح مسلم ٤/ ١٠٠، المغني ٤/ ٣ مطبعة الإمام القاهرة، التقابض في الفقه الإسلامي ص ٦٢ لعلاء بن عبد الرزاق الجكنو
[ ٢٤ ]
بقدر الأقل، وبقيت الزيادة، فتقع المقاصة في القدر المشترك، ويبقى أحدهما مدينًا للآخر بما زاد (^١) لحديث ابن عمر ﵄ قلت: يا رسول الله إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير وآخذ هذه من هذه، وأعطي هذه من هذه، فقال رسول الله ﷺ: لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء (^٢). قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي (^٣) وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح.
والقول بأن تطارح الدينين ونحوه قبض حكمي (٤) غير مسلم، لأنه قد تم قبض النقود قبضًا فعليًا، يدًا بيد، من مُتطارحي الدين، أو المتقاصين، وكون هذا القبض سابقًا للعقد، لا يؤثر في اختلاف الوصف.
ومثل أن يعقد العميل عقد صرف ناجز بينه وبين المؤسسة، في حال شراء عملة بعملة أخرى، ثم يودع المشتري في حساب البائع الثمن مباشرة، فهذا قبض حقيقي.
أما إذا كان بحوالة مصرفية تدخل في حساب البائع، قبل افتراقهما من مجلس العقد (^٤)، فيرى البعض أنه قبض حكمي.
ونظرًا لتطور استخدام وسائل التقنية مما أدى لسرعة تنفيذ الحوالة في هذا الزمن بواسطة الجوال والمحيل في بيته أو مكتبه أو في أي مكان، ودخولها في حساب المحال إليه في أقل من دقيقة وتمكنه من التصرف فيها فإني أرى أن هذا قبض حقيقي.
_________________
(١) مواهب الجليل ٤/ ٣١٠، إعلام الموقعين ١/ ٣٢١، الموسوعة الفقهية الكويتية ٣/ ٠٢٦٤.
(٢) سنن أبي داود، تحقيق عزت عبيد الدعاس وعادل السيد ٣/ ٦٥٠، مسند الإمام أحمد ٣٢/ ٠٢٦٤، تحقيق أحمد شاكر ٩/ ٨٥، رقم الحديث ٦٢٣٩.
(٣) مسند الإمام أحمد، تحقيق أحمد شاكر مصدر سابق.
(٤) الموسوعة الفقهية الكويتية ٣٢/ ٢٦٤.
(٥) القرار السابع للمجمع الفقهي الإسلامي بالرابطة، الدورة الحادية عشرة، قرار مجمع المنظمة ٥٣/ ٤/ ٦، فتاوى اللجنة الدائمة ١٣/ ٥٠٣، المعايير الشرعية ص ٥.
[ ٢٥ ]