القبض الحكمي:
المراد بالقبض الحكمي هو: ما يقوم مقام القبض الحقيقي، ويأخذ حكمه. وقد قال الفقهاء بالقبض الحكمي في أحوال كثيرة، وأقاموه مقام القبض الحقيقي. وهو ما يستند فيه إلى شيء مادي مثل:
الشيك المصدق، إذا كان له رصيد قابل للسحب، بالعملة المكتوب بها عند استيفائه، وتم حجز المؤسسة له. أو سلمت دافعه إشعارًا بقبضه.
أو القيد المصرفي في حساب المشتري، فيكون له من الأحكام ما للقبض الحقيقي. وقد صدر بهذا قرار كل من المجمع الفقهي الإسلامي بمكة، (^١) ومجمع الفقه الإسلامي بجدة. وأرى اعتبار هذه الوسائل قبضًا؛ لاستنادها إلى شيء مادي، وهو ما أقصده عند قولي بجواز القبض الحكمي، في هذا الكتاب أو غيره. على أن يكون هذا القيد ممثلًا حقيقيًا لدخول كامل مبلغ الثمن في حساب العميل. أما إذا كان القيد لا يقابله دخول الثمن والمثمن في حساب العاقدين، فإنه حينئذ يكون حيلة فاسدة، ولا يصح أن يكون قبضًا؛ إذ يقع كثيرًا أن تبيع المصارف كميات من الذهب، أو العملات الأخرى دون أن يكون عندها المقدار المبيع؛ وذلك لعلمها أن المشتري لا يطلب استلام ذهبه، أو عملته التي اشتراها؛ لأنه يعتمد على القيود الدفترية فقط.
وبيع المصارف عملات غير مملوكة لها، فضلًا عن أن تكون موجودة لديها حرام، والعقد باطل شرعًا؛ لأنه فاقد لشرطي الحلول والتقابض، لقول النبي ﷺ لحكيم بن حزام: «لا تبع ما ليس عندك» (^٢). قال الترمذي: حديث حسن، وقال عنه في رواية أخرى: حسن صحيح. ولأن القيد الدفتري -والحالة هذه- لا يمثل قبضًا، وإنما هو وسيلة خداع.
_________________
(١) القرار السابع من الدورة الحادية عشرة، سنة ١٤٠٩ هـ.
(٢) سنن الترمذي ٥/ ٢٤٢ و٢٤٣.
[ ٢٦ ]
ومن صوره تسلم البائع قسيمة الدفع الموقعة من حامل بطاقة الائتمان (المشتري)، في الحالة التي يمكن فيها للمؤسسة المصدرة للبطاقة أن تدفع المبلغ إلى قابل البطاقة بدون أجل.
وفي جميع ذلك، يجب على المصرف أو المؤسسة، اتخاذ الاحتياطات والإجراءات اللازمة، للتثبت من هوية المتعاملين معها عبر الشبكة، والتحقق من أهليتهم للتعاقد على الوجه الصحيح؛ حماية لأموال المتعاقدين.
ومن صور القبض الحكمي: في غير الصرف التخلية بين المشتري والمبيع، بحيث يكون سالمًا له، ويتمكن من قبضه. وحكموا بالقبض، ولو لم يتم بالفعل في هذه الحالة، على تضييق وتوسيع في اعتبار التخلية قبضًا في بعض البيوع دون بعضها، أو في أكثرها.
أما في الصرف فقد نص الفقهاء على أنه لا تكفي التخلية، وأنه لا بد من القبض باليد، كما بيناه في شروط الصرف، وهو ما يراه المؤلف لحديث ابن عمر ﵄ قلت: يا رسول الله إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير.
فهذا جائز لا لأنه مخلى بين البائع وبين الثمن الذي باع الإبل به، وإنما لأنه باعه ممن هو قابض له؛ ولأن المطلوب في الصرف المناجزة، وصرف ما في الذمة أسرع مناجزة من صرف المعينات؛ لأن صرف ما في الذمة ينقضي بنفس الإيجاب والقبول والقبض من جهة واحدة، وصرف المعينات لا ينقضي إلا بقبضها معًا، فهو معرض للعدول، فصرف ما في الذمة أولى بالجواز (^١). يؤيده أنه لا يجوز بيعها على شخص آخر، ولو كانت التخلية كافية في الصرف؛ لجاز بيعه تلك الدراهم التي لم يقبضها على شخص آخر.
جاء في المنتقى للباجي: «إن حلول ما في الذمة يقوم مقام حضور ما هي مشغولة به، والقبض يتنجز فيه بإبرائها منه» (^٢).
_________________
(١) شرح الأبي على صحيح مسلم ٥/ ٤٧٢.
(٢) / ٣٦٣.
[ ٢٧ ]